حب في زمن الحرب 156

قيود الشوق ولعنة الغياب

بقلم مريم الحسن

تنفست نور الهواء المالح، عسى أن يخفف شيئاً من لظى الشوق الذي استوطن صدرها. منذ رحيل يوسف، أصبحت الأيام فصولاً باهتة، تتوالى بلا لون أو طعم. كل صباح يشرق بخبر عودة، وكل مساء يحلّ بخيبة أمل جديدة. كانت تراقب البحر بعينيها الواسعتين، كأنها تبحث فيه عن وجهه الغائب، عن بسمته الهادئة، عن صوت خطواته التي اعتادت أذناها الرقص على وقعها. لكن البحر لم يكن سوى مرآة تعكس وحشة المكان، وتذكّرها بقسوة الحرب التي سرقت منها أغلى ما تملك.

في زمن الحرب، يصبح الحبّ ترفاً، واللقاءات حلماً بعيد المنال. تعلّمت نور أن الشوق هو وقود الصبر، وأن الدعاء هو سلاح المؤمن. كانت تجلس مع والدتها، الحاجة فاطمة، وهي تنسج بخيوط الأمل قصصاً عن لقاء قريب، وعن أيام سلام تعود، وعن عودة يوسف محمّلاً بالنصر والسكينة. لكن في أعماق قلبها، كانت تخشى أن تتحول هذه الآمال إلى رماد.

كانت قيود الشوق تفتك بها، تنهش لحم روحها، وتغرس في قلبها شوكاً من الخوف. كانت تتذكر كلمات يوسف الأخيرة، حين ودّعها على عتبة الباب، وعيناه تلمعان بالوعد، وببعض من القلق المكتوم. "سأعود يا نور، فلا تذهبي عني." كانت هذه كلماته، وكان وعده ذاك، ديناً في عنقها، وحملاً يثقل كاهلها.

في أحد الأيام، وصل خبرٌ جديد، خبرٌ حمل معه قلقاً أشدّ. قيل إنّ وحدته قد تعرضت لكمين، وإنّ بعض الأفراد لم يعودوا. لم يذكر الاسم، لكنّ الخوف تسلل إلى قلب نور كنسمة برد قاسية. أغلقت عينيها، ورددت الشهادتين، وسألت الله العظيم ألا يجعل هذا الخبر طريقاً إليها.

والدتها، الحاجة فاطمة، كانت ترى في عيني ابنتها قصة لم تُحكَ، ألماً لم يُفصح عنه. كانت تدعو لها، وتؤنس وحدتها، وتقول لها: "الصبر مفتاح الفرج يا ابنتي. والله مع الصابرين." كانت كلماتها بلسمًا، لكنّ قلق نور كان كالنار التي لا تنطفئ.

ذات مساء، بينما كانت تنظر إلى السماء المرصعة بالنجوم، شعرت بذراعٍ تلفّ خصرها. استدارت بسرعة، وقلبها يخفق بعنف. كان عمّها، الشيخ عبد الله، يقف خلفها، وعلى وجهه تعابير جدّية. "يا نور، هناك أمرٌ يجب أن تعلميه."

ارتعش صوتها وهي تسأل: "ما هو؟"

قال الشيخ عبد الله بهدوءٍ قاسٍ: "بعض الأنباء وردت عن فقدان عددٍ من الجنود. ولا نعلم حتى الآن عن مصير جميعهم."

شعرت نور بالدوار، وأن الأرض تدور بها. لم تستطع الكلام. جفت حلقها، وتجمدت في مكانها. هل هو يوسف؟ هل هو ذاك الذي وعدها بالعودة؟ شعرت بأنّ الشوق الذي كان يؤلمها قد تحوّل إلى ألمٍ حارق، أشبه بلعنةٍ حلت على حياتها.

وفي ذات الوقت، كان الشابّ سالم، الذي لطالما نظر إلى نور بنظراتٍ تحمل معاني أخرى، يشعر بأنّ الفرصة قد سنحت له. كان سالم ابن عمّ الحاجة فاطمة، ويعيش في القرية المجاورة. كان شاباً طيب القلب، لكنّ طموحه الجامح وسعيه لامتلاك ما يراه جميلاً، قد طغى على كثيرٍ من صفاته. كان يرى في نور جمالاً وسكينة، وكان يظنّ أنّ حزنها على غياب يوسف هو مجرد فترة عابرة، وأنّ قلبها يمكن أن يجد من يملأ الفراغ.

تسلل سالم إلى الحاجة فاطمة، وبعد حديثٍ طويل، ألمح لها بأنّ قلبه معلّقٌ بنور. كانت الحاجة فاطمة، في خضمّ قلقها على يوسف، تراها فرصةً لبناء مستقبلٍ جديد لابنتها، ولبثّ البهجة في حياتها. كانت تعتقد أن زواج نور من سالم سيكون سبباً في سعادتها، وستكون له عوناً وسنداً في هذه الأوقات العصيبة.

"يا أم يوسف،" قال سالم بلهجةٍ حانية، "قلبي متعلقٌ بابنتك نور. أرى فيها الزوجة الصالحة، والرفيقة الحنون. لا أستطيع أن أرى حزنها هكذا. أريد أن أكون سبباً في سعادتها."

نظرت الحاجة فاطمة إلى سالم، ولامست كلماته وتراً في قلبها. كانت ترى في عينيه الصدق، وترى في اقتراحه خلاصاً لابنتها من هذا الألم. "سأتحدث معها يا سالم. لكنّ قلبها معلّقٌ بالرجل الذي ذهب للحرب. فهل تستطيع أن تنتظر؟"

"سأنتظر يا عمّتي،" قال سالم بابتسامةٍ مشرقة، "سأنتظر حتى يعود، وإن لم يعد، فسأكون هنا لأفرح قلبها."

لم تعلم الحاجة فاطمة أنّ في قلب سالم ما هو أعمق من مجرد الحبّ، وأنّ رغبته في الزواج من نور تحمل في طياتها رغبةً في امتلاكها، والتحكم في مصيرها. لقد كان يرى في زواجه من نور مكسباً كبيراً له، وسيعزز مكانته في العائلة والمجتمع.

وفي صباح اليوم التالي، وبعد ليلةٍ طويلة من القلق والتفكير، جلست الحاجة فاطمة مع نور. كان الجوّ في الغرفة هادئاً، لا يقطعه سوى صوت تقرقعات خشب المدفأة.

"يا ابنتي،" بدأت الحاجة فاطمة بصوتٍ هادئ، "قلبي معكِ. وأعلم مدى حبّك ليوسف. لكنّ الحياة لا تنتظر. والحرب قاسية، ولا نعلم متى يعود الأحباء."

نظرت نور إلى والدتها، وشعرت بأنّ كلماتها تحمل ثقلاً لا تستطيع تحمله. "يا أمي، كيف يمكنني أن أفكر في شيءٍ آخر وأنا لا أعرف مصير يوسف؟"

"أعلم ذلك يا ابنتي. لكنّ هناك شابٌ طيب، سالم، ابن عمّك. وهو معجبٌ بكِ، ويريد أن يتقدّم لكِ. أرى فيه رجلاً صالحاً، يمكن أن يسعدكِ."

اتسعت عينا نور دهشةً، ثمّ اختلطت بالصدمة. سالم؟ ذاك الذي كانت تراه دائماً كابن عمّ، لا أكثر؟ هل يمكنها أن تخون ذكرى يوسف، أن تخون حبه، وأن تمنح قلبها لشخصٍ آخر، وهي لم تعرف بعد مصير زوجها؟

"يا أمي،" قالت نور بصوتٍ متقطع، "لا أستطيع. قلبي مع يوسف. وروحي تئنّ شوقاً إليه. كيف يمكنني أن أتزوّج وأنا لا أزال أرى وجهه في كلّ مكان؟"

"يا ابنتي،" قالت الحاجة فاطمة بحنان، "هذا لا يعني أنكِ تخونينه. هذا يعني أنكِ تبحثين عن السعادة، وعن السند. سالم سيعطيكِ الأمان، والحبّ الذي تستحقينه."

شعرت نور بأنّها في دوامة. الشوق ليوسف، والخوف على مصيره، وفي المقابل، اقتراح زواجٍ يمثل نوعاً من الأمان، لكنّه يشعرها بالذنب. أين تذهب؟ ومن تتبع؟ هل تتبع قلبها الذي يئنّ بالشوق، أم تتبع عقلها الذي يدعوها للبحث عن الأمان؟

أغمضت نور عينيها، وهمست لنفسها: "يا ربّ، دلّني على الطريق. ألهمني الصواب." كان الصراع داخلياً، وكان أشبه بمعركةٍ تدور رحاها في أعماق روحها، معركةٌ بين الشوق والواجب، بين الحبّ المفقود والرغبة في حياةٍ آمنة. كانت تعلم أن قرارها سيؤثر على مستقبلها، وعلى قلوبٍ أخرى.

وفي تلك اللحظة، شعرت بأنّ قيود الشوق لم تعد مجرد شوقٍ جميل، بل أصبحت قيداً يمنعها من المضي قدماً، وأنّ لعنة الغياب قد ألقت بظلالها الثقيلة على كلّ قرارٍ تتخذه.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%