حب في زمن الحرب 156
همسات الأمل وتهديدات الواقع
بقلم مريم الحسن
كانت الأيام تمضي على نور ببطءٍ قاتل. كلّ شروقٍ للشمس كان يفتح نافذةً جديدة للأمل، وكلّ غروبٍ كان يغلقها بخيبةٍ مريرة. لم يصل أيّ خبرٍ مؤكّد عن يوسف. الشائعات كانت تتكاثر كالنمل، بعضها يطمئن، وبعضها الآخر يزرع الخوف. كانت تلجأ إلى المسجد، وتتضرع إلى الله، وتدعو لعودة يوسف سالماً غانماً. كانت ترى في وجهها في المرآة إرهاقاً لم تعهده، وعينين غائمتين بالحزن.
في أحد الأيام، بينما كانت نور تجلس في حديقة منزلها، تنظر إلى حبات المطر تتساقط على أوراق الشجر، سمعت صوتاً يناديها. استدارت، لتجد هند، صديقتها المقربة، تقف أمامها وعلى وجهها ابتسامةٌ خجولة.
"نور، كيف حالك؟" سألت هند وهي تقترب منها.
"الحمد لله،" أجابت نور بصوتٍ خفيض. "والله المستعان."
جلست هند بجانبها، وأخذت تبثّها حديثاً عن أمورٍ بسيطة، عن أخبار القرية، عن محاصيل الأرض. لكنّ نور كانت غارقةً في أفكارها.
"يا نور،" قالت هند فجأة، "هل ما زلتِ تفكرين في سالم؟"
تنهدت نور. "والدتي تريدني أن أفكر في الأمر. لكنّ قلبي..."
"أعلم يا نور، أعلم أنّ قلبكِ ما زال مع يوسف. لكنّ الحياة يجب أن تستمر. وسالم رجلٌ طيب، وأنا أعرف عائلته جيداً. هم أناسٌ محترمون، وله سمعةٌ طيبة."
"لكنّني لم أشعر تجاهه بشيءٍ سوى الأخوة،" قالت نور بمرارة. "كيف يمكنني أن أمنح قلبي لرجلٍ لا أشعر معه بشيء؟"
"الحبّ يأتي مع الوقت يا نور. ومع العشرة. سالم لديه قدرةٌ على إسعادكِ. وهو قادرٌ على أن يعوّضكِ عن كلّ ما فقدتِ."
نظرت نور إلى هند، وشعرت بأنّ صديقتها تحاول إقناعها بشيءٍ لا تقتنع به. "وهل تعتقدين أنّ الرجل يمكن أن يعوّض كلّ شيء؟ هل يمكنه أن يملأ فراغ روحٍ اشتاقت لروحٍ أخرى؟"
"ليس كلّ شيء،" أجابت هند بتردد. "لكنّ الحياة تتطلب منكِ أن تتجاوزي. وأن تجدي السند. خاصةً في هذه الأوقات العصيبة."
تسللت نظرات نور إلى السماء، وكأنها تبحث عن إجابةٍ هناك. كانت تفهم ما تقوله هند، لكنّ قلبها كان يأبى الاستماع. كان حبّها ليوسف أعمق من مجرد مشاعر عابرة، كان حلماً، وكان وعداً.
وفي سياقٍ مختلف، كان سالم يزداد إصراراً على هدفِه. كان يرى في قلق نور على يوسف فرصةً سانحة. كان يدرك أنّه كلما طالت مدة غياب يوسف، زادت فرصة تمكّنه من قلب نور. كان يزرع في أذن الحاجة فاطمة كلماتٍ تطمئنها على مستقبل ابنتها، وكلماتٍ تلمّح إلى أنّ انتظار يوسف قد يكون بلا جدوى.
"يا أم الحاج،" قال سالم ذات يوم للحاجة فاطمة، "الوقت يمضي، والقلق يفتك بنور. ما فائدة الانتظار إن لم يكن هناك خبرٌ مؤكّد؟ وماذا لو حدث ما لا يُحمد عقباه؟ ألا يكون من الأفضل لنور أن تجد من يسندها؟"
كانت الحاجة فاطمة تستمع إليه، وتتألم. كانت تعلم أن سالم على حق. لكنّها لم تستطع أن تتجاوز حبّ ابنتها ليوسف.
"إنّها تحبه كثيراً يا سالم،" قالت الحاجة فاطمة بصوتٍ متعب.
"وأنا أحبها يا أم الحاج،" أجاب سالم بصدقٍ زائف. "ولن أرضى لها إلا بالسعادة. سأصبر عليها، وسأحتويها. وسأثبت لها أنّ هناك من يحبها بصدقٍ."
لم تكن الحاجة فاطمة تعلم أن سالم كان يلعب لعبةً مزدوجة. كان يطلب الزواج من نور، ولكنه في نفس الوقت، كان يخشى عودة يوسف. كان يبحث عن طرقٍ ليبقي يوسف بعيداً، ولو لبعض الوقت.
في أحد الأيام، بينما كان سالم في السوق، سمع حديثاً بين عددٍ من التجار. كانوا يتحدثون عن أخبارٍ جديدة من الجبهة، عن تحركاتٍ معينة، وعن معلوماتٍ قد تكون مفيدة. لم يهتم سالم بتفاصيل الحرب، بل كان يبحث عن أيّ معلومةٍ قد تخدم مصلحته. سمع همساً عن وجود معسكرٍ لقواتٍ غير معروفة، وأنّ هناك رغبةً في إرسال معلوماتٍ إليهم، قد تكون ذات أهمية.
تسلل سالم إلى أذن أحد التجار، وسأله بصوتٍ منخفض: "ماذا سمعت؟"
أجابه التاجر: "يقال إنّ هناك معلوماتٍ حساسة قد تصل إلى الأعداء، وأنّ هناك من يحاول عرقلة وصول هذه المعلومات."
شعر سالم ببريقٍ في عينيه. "ومن يحاول عرقلتها؟"
"لا أدري بالضبط. لكنّ الأمر يبدو خطيراً."
استغل سالم هذه المعلومة. عقد العزم على استخدامها لصالحه. كان يعرف أنّ يوسف، بصفته ضابطاً، قد يكون لديه علمٌ بهذه المعلومات، أو قد يكون متورطاً في نقلها. إذا استطاع أن يخلق مشكلةً حول يوسف، فقد يؤخر عودته، أو ربما يجعله يعاني من تبعاتٍ خطيرة.
توجّه سالم إلى أحد أصدقائه القدامى، وكان يعمل في قسمٍ استخباراتي، وإن كان يعمل في جانبٍ أقلّ أهمية. "يا عبد الرحمن،" قال سالم، "لديّ معلومةٌ خطيرة، قد تكون ذات أهميةٍ لوحدتك. لكنّني لا أستطيع أن أفصح عنها إلا لشخصٍ أثق به."
نظر عبد الرحمن إلى سالم بعينين متسائلتين. "ما هي؟"
"يقال إنّ هناك معلوماتٍ ستصل إلى الأعداء، وأنّ هناك من يحاول عرقلتها. وأعتقد أنّ هناك ضابطاً ما، ربما في وحدة يوسف، هو المتورط."
اتسعت عين عبد الرحمن. "من هو؟"
"لا أعرف اسمه بالتحديد. لكنّني أشكّ في ذلك. أعتقد أنّه قد يكون ذا نوايا خبيثة."
شعر سالم بأنّه قد نجح في زرع بذور الشكّ. كان يعرف أنّ عبد الرحمن، برغم طيبته، لديه طموحٌ كبير، وأنّ أيّ معلومةٍ هامة قد تجلب له ترقيةً أو سمعةً طيبة.
"لماذا تخبرني بهذا؟" سأل عبد الرحمن.
"لأنّني أرى فيك رجلاً شريفاً، يحبّ بلده. وأخشى أن يقع ما لا يُحمد عقباه. كما أنّني أخشى على سمعة العائلات الطيبة، وعلى اسم يوسف، الذي أعرفه جيداً، إذا كان متورطاً."
كان سالم يتقن فنّ الكلام. كان يظهر بمظهر الناصح الأمين، بينما كان يخطط بحقدٍ دفين. كان يرى في هذا الموقف فرصةً ليقطع الطريق على أيّ أملٍ في عودة يوسف، وأن يفسح المجال لنفسه.
وفي منزل نور، كانت والدتها تشعر بالقلق المتزايد. كانت ترى ابنتها تزداد نحولاً، وتزداد حزناً. كانت تتمنى لو أنّها تستطيع أن تفعل شيئاً لتخفف عنها.
"يا نور،" قالت الحاجة فاطمة في أحد الأيام، "لقد تحدثت مع سالم. وهو مستعدٌ لانتظاركِ. وهو لا يزال راغباً بكِ. هل يمكن أن تفكري في الأمر جدياً؟"
نظرت نور إلى والدتها، وعينيها مليئتان بالدموع. "يا أمي، ألا ترين حالي؟ قلبي مشتت. أنا لا أستطيع أن أتحمل فوق كلّ هذا عبء قرارٍ كهذا."
"ولكنّكِ ستتحملين إذا استمريتِ هكذا. ستنهكين نفسكِ. وقد يأتي يومٌ وتندمين."
"وماذا لو لم يعد يوسف؟" سألت نور بصوتٍ مرتجف. "ماذا سيكون مصيري؟"
"هذا ما أفكر فيه يا ابنتي. أريد لكِ السعادة والأمان. وأرى في سالم الأمان."
كانت نور في مفترق طرقٍ مؤلم. بين حبٍّ قد يكون قد انتهى، وبين زواجٍ لا تشعر نحوه بأيّ عاطفة، لكنّه قد يمنحها الأمان. كانت همسات الأمل في عودة يوسف تتنافس مع تهديدات الواقع الذي يفرض عليها اتخاذ قراراتٍ صعبة. كانت تعلم أنّ أيّ خطوةٍ تتخذها سيكون لها عواقب وخيمة، على نفسها، وعلى من تحبّ.