حب في زمن الحرب 156

بذور الشك ونمو الوفاء

بقلم مريم الحسن

كانت القرية تعيش في حالةٍ من الذهول. خبر تورط يوسف في الخيانة كان صدمةً مدوية. تباينت الآراء بين مصدقٍ ورافض، وبين متشائمٍ ومتعاطف. الحاجة فاطمة، في حزنها العميق، كانت ترى أنّه لا سبيل إلا احتضان سالم، الذي أظهر تعاطفاً شديداً، ورغبةً في الوقوف إلى جانبها وابنتها.

"يا نور،" قالت الحاجة فاطمة، وهي تمسح دموعها، "لقد قال سالم إنّه سيحاول كشف الحقيقة. ألا ترين فيه بصيص أمل؟"

نظرت نور إلى والدتها، وفي عينيها بقايا أملٍ ضعيف. "هل يمكن أن يكون ذلك صحيحاً يا أمي؟ هل يمكن أن يكون هناك من يخطط لهذا؟"

"كلّ شيءٍ ممكن يا ابنتي. ولكنّكِ بحاجةٍ إلى سندٍ. وسالم يبدو وكأنّه يريد أن يكون هذا السند."

كان سالم، برغم قلقه من كلام عبد الرحمن، قد قرر الاستمرار في لعب دوره. كان يدرك أن نور في أضعف حالاتها، وأنّها تبحث عن أيّ يدٍ تمتدّ إليها. كان يزورهم بانتظام، يأتي بالطعام، ويجلس معهم، ويؤكد لهم أنّه سيجد الحقيقة.

"لا تقلقي يا نور،" قال سالم في إحدى زياراته، "سأرى بعض الأصدقاء الذين يعملون في أماكن حساسة. وسأحاول أن أستفسر منهم. أخشى أن يكون هناك مؤامرةٌ حقيقية."

كان كلام سالم يثير في قلب نور بعض الراحة، ولكنه في الوقت ذاته، كان يثير فيها الشك. لماذا يتطوع سالم بهذا الشكل؟ لماذا يهتمّ بمصير يوسف، وهو الرجل الذي كان يرجو أن يختفي؟

"ولماذا تفعل هذا يا سالم؟" سألت نور بصوتٍ خافت. "ما الذي يدفعك للاهتمام بكلّ هذا؟"

ابتسم سالم ابتسامةً حانية. "لأنّكِ نور. ولأنّني رأيت حزنكِ. وأنا لا أحتمل أن أرى شخصاً أحبّه في هذا الحال."

كانت هذه الكلمات مؤثرة، ولكنّ نور لم تستطع أن تتجاهل شكوكها. كانت تتذكر أن سالم قد عبّر عن رغبته في الزواج منها قبل أن تحدث هذه المشاكل. ألم يكن وجود يوسف حجر عثرةٍ في طريقه؟

في غضون ذلك، كان عبد الرحمن، تحت ضغط التحقيقات، قد بدأ يتحدث. لم يكن يملك الشجاعة الكافية لتحمل المسؤولية وحده. بدأ يكشف عن دور سالم في قضية المعلومات، وعن محاولته لإثارة الشبهات حول يوسف.

وصلت هذه المعلومات، بطرقٍ ملتوية، إلى مسامع أحد الضباط الشرفاء في الجيش. كان هذا الضابط، واسمه النقيب أحمد، قد عرف يوسف في السابق، وكان على علمٍ بنزاهته. عندما سمع بالتحقيقات، وبمحاولة توريطه، بدأ يشكّ في الأمر.

"لا يمكن أن يكون يوسف خائناً،" قال النقيب أحمد لزميله. "لقد عرفته، وهو رجلٌ وطنيٌّ مخلص."

بدأ النقيب أحمد بتحقيقٍ سريّ. لم يعتمد على ما ورد في التحقيقات الرسمية، بل بدأ يبحث بنفسه. بحث عن أيّ خيطٍ قد يقود إلى الحقيقة.

في أحد الأيام، تمكّن النقيب أحمد من الحصول على تسجيلٍ صوتيٍّ كان مخفياً. كان التسجيل يتضمن محادثةً بين سالم وعبد الرحمن، يكشف فيها سالم عن خططه.

"لقد زرعت الشكوك بما فيه الكفاية،" كان صوت سالم في التسجيل، "يجب أن نتأكد من أنّه لن يعود أبداً."

كان هذا التسجيل بمثابة الدليل القاطع. شعر النقيب أحمد بالصدمة والغضب. لقد كانت هناك مؤامرةٌ حقيقية، تستهدف يوسف.

قرر النقيب أحمد أن يتواصل مع الحاجة فاطمة، بطريقةٍ آمنة. أرسل إليها رسالةً مشفرة، يطلب فيها لقاءً عاجلاً، ويؤكد لها أنّه لديه معلوماتٌ قد تغير مجرى القضية.

عندما استلمت الحاجة فاطمة الرسالة، شعرت ببعض الأمل. لكنّها كانت حذرة. لقد تعلمت من تجاربها الأخيرة.

"يا نور،" قالت الحاجة فاطمة لابنتها، "هناك رسالةٌ أتتني. وهي تطلب لقاءً. وتقول إنّ لديها معلوماتٌ عن يوسف."

اتسعت عينا نور. "حقاً يا أمي؟"

"نعم. ولكنّنا يجب أن نكون حذرين. إنّها تطلب لقاءً في مكانٍ بعيدٍ عن الأنظار."

قررت الحاجة فاطمة، بعد تفكير، أن تذهب للقاء. لم تستطع أن تخاطر. أخذت نور معها، وبحذرٍ شديد، توجّهتا إلى المكان المحدد.

كان النقيب أحمد في انتظارهم. عندما رآهما، تقدم منهما بهدوء. "أنا النقيب أحمد. وأنا هنا لأقدم لكم المساعدة."

عرض النقيب أحمد التسجيل الصوتي على الحاجة فاطمة ونور. استمعتا إليه بانصاتٍ شديد، وعيناهما تفيضان بالدموع. لقد كانت هذه كلمات سالم، كلماتٌ تكشف عن حقيقته المظلمة.

"لقد اكتشفنا هذه المؤامرة،" قال النقيب أحمد، "وسنعمل على محاسبة سالم وعبد الرحمن. أمّا يوسف، فسنعمل على إظهار براءته."

شعرت نور بارتياحٍ عميق. لقد انزاح عن كاهلها حملٌ ثقيل. لكنّها لم تستطع أن تنسى مدى الألم الذي سببه لها سالم.

"ولماذا فعل سالم هذا؟" سألت نور، وصوتها يرتجف.

"كان يرغب بكِ يا نور. وكان يخشى عودة يوسف. لقد استخدم الوضع ليحقق أهدافه."

كانت هذه الكلمات صادمة. لم تكن نور تتخيل أن سالم، الذي كان يبدي تعاطفاً، يخفي كلّ هذا الحقد.

بعد هذا اللقاء، بدأت الأمور تتحرك بسرعة. قام النقيب أحمد بالإبلاغ عن سالم وعبد الرحمن، وبدأت التحقيقات الرسمية. تمّ إظهار براءة يوسف، وعادت سمعته سليمة.

وفي غضون ذلك، كان يوسف، الذي كان في الواقع في مهمةٍ سريةٍ، قد عاد. لم يكن يعلم شيئاً عن كلّ ما حدث. عندما دخل إلى القرية، ورأى نور، شعر بفرحةٍ غامرة.

"نور! لقد عدت!" صاح يوسف، وعيناه تلمعان.

ركضت نور نحوه، واحتضنته بقوة. "يوسف! لقد عدت! الحمد لله!"

كان اللقاء مليئاً بالمشاعر. لم تستطع نور أن تقول له كلّ ما حدث. لكنّها شعرت بأنّها قد تجاوزت مرحلةً عصيبة.

شعر يوسف بأنّ نور قد تغيرت. بدت أكبر سناً، وأكثر عمقاً. "ماذا حدث يا نور؟" سألها.

"حين يأتي الوقت المناسب، سأخبرك كلّ شيء."

كانت بذور الشكّ التي زرعها سالم قد نما فيها الوفاء، واكتشاف الحقيقة. لقد كانت رحلةً مؤلمة، لكنّها جعلت نور أقوى، وأكثر وعياً.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%