حب في زمن الحرب 156

خفقان القلب في ضباب الشك

بقلم مريم الحسن

تلاشت صخب الحياة الخارجية، وأصبح العالم كله مقتصراً على هدوء الغرفة التي احتضنت قلب ليلى المتيم. كانت تجلس أمام النافذة، ترقب خيوط الشمس الذهبية وهي تتسلل عبر غبار المعركة الذي خيّم على المدينة. كان ضوء النهار يبدو باهتاً، كأنما انعكس على روحها المضطربة. منذ لقائها الأخير بأحمد، لم تغب صورته عن خيالها، ولم يبرح حديثه أذنيها. كانت كلماته، التي مزجت بين الجدية واللين، قد حفرت عميقاً في وجدانها، تاركةً وراءها شعوراً بالدفء والقلق في آن واحد.

كان أحمد رجلاً فريداً، يمتلك تلك الجاذبية الهادئة التي تنبع من الثقة بالنفس والوقار. لم يكن كغيره من شباب الحرب، الذين فقدوا بريقهم تحت وطأة القسوة. بل كان يحمل في عينيه بصيص أمل، وفي كلماته عزيمة لا تلين. ولهذا، وجدت ليلى نفسها منجذبة إليه بشكل لا إرادي، رغم كل ما يحيط بهما من ظروف.

ولكن، هل كان هذا الانجذاب مجرد وهم؟ هل كانت تتوهم معاني أعمق في كلماته، ربما لم يقصدها؟ كان الشك يراودها، كظل أسود يمتد ليغطي سماء قلبها. في زمن كهذا، حيث الخيانة تتخفى في أقنعة البريق، وحيث الحياة أصبحت هشة كزجاج، كيف يمكن للمرء أن يثق؟

تنهدت ليلى بحرقة، ومررت يدها على خصلة شعر انزلقت على جبينها. تذكرت عبارة قالها أحمد: "الحرب تغير الأشياء، لكنها لا تغير جوهر الإنسان إذا كان نقياً". هل كان جوهرها نقيًا بما يكفي لتحمل هذه التجربة؟ وهل كان جوهره كذلك؟

في زاوية الغرفة، كانت والدتها، السيدة فاطمة، تنظر إليها بعينين مليئتين بالقلق والحنان. كانت قد لاحظت التغيير الذي طرأ على ابنتها. لم تعد تلك الفتاة المرحة التي تملأ البيت ضحكاً. صمتت، تتأمل وجه ليلى الشارد، وتقرأ في تعابيره ما عجزت الكلمات عن وصفه. كانت تعرف جيداً أن الحرب لم تكن هي الوحيدة التي ألقت بظلالها على حياة ابنتها، بل هناك قصة أخرى، قصة حب ناشئ، يكتنفه الغموض والتردد.

"يا ابنتي،" قالت السيدة فاطمة بصوت خفيض، حاولت فيه أن تخفي ما يعتري قلبها من قلق، "هل أنتِ بخير؟ تبدين شاردة الذهن."

رفعت ليلى رأسها، ابتسمت ابتسامة باهتة. "أنا بخير يا أمي. مجرد تفكير في أحوال مدينتنا، وفي المستقبل."

اقتربت السيدة فاطمة وجلست بجانبها، احتضنت كتفها بيدها. "أعلم أن هذا الزمان صعب، لكن الأمل لا يجب أن يفارقنا. والصبر مفتاح الفرج." ثم أضافت بعد لحظة صمت: "هل رأيتِ السيدة أمينة اليوم؟ سمعت أنها أصيبت بخيبة أمل كبيرة بسبب تأجيل زواج ابنتها."

استجابت ليلى، وكأنما أحبت أن تغير مسار الحديث: "لم أرها. أتمنى أن تكون بخير. إنها امرأة صبورة حقاً."

كانت السيدة فاطمة تدرك أن تأجيل الزواج كان سبباً وجيهاً للقلق. الزواج في هذه الأوقات العصيبة لم يكن رفاهية، بل كان ملاذاً وراحة، ومساراً للحفاظ على استقرار المجتمع. سمعت الهمسات عن مشاكل يعاني منها والد العريس، رجل الأعمال الذي كانت له علاقات تجارية متشعبة، وقد تضررت أعماله بفعل الحرب.

"حقاً،" قالت السيدة فاطمة، "إن الظروف تتقاذفنا كالأمواج. ولكن، لنعد إلى أمرك. هل هناك ما يزعجك؟ أنتِ تعلمين أن بابي مفتوح لكِ دائماً."

نظرت ليلى إلى وجه أمها، رأت فيه الصدق والحب غير المشروط. شعرت برغبة قوية في البوح، في مشاركتها ما يدور في خلدها، لكن الكلمات تجمّدت على شفتيها. كيف يمكنها أن تفسر لها مشاعرها تجاه شاب لم تعرفه سوى بضعة لقاءات؟ شاب ينتمي إلى عالم قد يبدو بعيداً عن عالمها، عالم الأعمال والحسابات، عالم لم تختبره من قبل.

"لا شيء يا أمي،" قالت أخيراً، "مجرد تفكير في ما سيحدث بعد ذلك. في كل ما تغير."

فهمت السيدة فاطمة أن ابنتها تخفي شيئاً، لكنها لم تلح. فضلت أن تمنحها المساحة لتفكر، لتتجاوز محنتها بنفسها. كانت تعلم أن للحب أحكاماً خاصة، وأن القلب عندما يخفق، يتبع مساراته الخاصة.

في الخارج، بدأ الظلام يزحف على المدينة. تعالت أصوات الأذان، معلنةً حلول صلاة المغرب. نهضت السيدة فاطمة. "هيا يا ابنتي، لنصلِّ. ففي الصلاة راحة للقلوب."

قامت ليلى، تبعت أمها إلى مصلاها. وبينما كانت تتوضأ، نظرت إلى انعكاس وجهها في المرآة. كانت ترى فيه تلك الروح الشابة التي ما زالت تتطلع إلى الحياة، إلى الحب، إلى الاستقرار. لكن الحرب، بظلالها الطويلة، ألقت بفتور على حلمها.

أثناء الصلاة، وبينما كانت تقف بين يدي الله، شعرت بشيء من السكينة ينزل على قلبها. كانت الصلوات في هذه الأيام تحمل معاني أعمق، فهي ليست مجرد عبادة، بل هي استجداء رحمة، ولجوء إلى قوة أكبر، وإيمان بأن الخير سينتصر في النهاية.

بعد الصلاة، جلست ليلى تراجع في ذهنها كل ما جرى. لقاءاتها بأحمد كانت قليلة، لكنها كانت كافية لتترك أثراً عميقاً. كانت تتذكر كيف كان حديثه عن المدينة، عن أهمية البناء، عن ضرورة النهوض من رماد الدمار. كان يرى المستقبل بصورة مختلفة، صورة مشرقة، رغم قسوة الحاضر.

ولكن، ما الذي يجعلها تتشبث بهذه المشاعر؟ هل كانت مجرد حالة من حالات الحنين إلى الهدوء الذي افتقدته؟ أم أنها حقاً وجدت فيه ذلك الرجل الذي تستطيع أن تبني معه مستقبلاً؟

كانت تفكر في عائلتها، في والدتها التي تعتمد عليها، في إخوتها الصغار. هل كان الزواج من أحمد، رجل الأعمال الثري، مناسباً لهم؟ هل سيتقبلونه؟ وهل سيتقبلها هو وعائلته؟ كانت تعرف أن العادات والتقاليد لها وزنها، وأن عائلة أحمد، ربما، لها معاييرها الخاصة.

ومع ذلك، كانت هناك رابطة تتشكل، رابطة تتجاوز المصالح والطبقات. كانت ترى في عينيه احتراماً، وفي حديثه اهتماماً صادقاً. كانت تلك الروح الطيبة التي تحدثت عنها السيدة فاطمة، والتي أدركت ليلى أنها تجدها في أحمد.

في غضون ذلك، كان أحمد يشعر بضغوط متزايدة. كانت الأعمال تتراكم، والمشاكل تتوالى. لكن في خضم هذه المعمعة، كانت صورة ليلى هي النور الوحيد الذي يضيء دربه. كان يتذكر ابتسامتها الخجولة، ونظراتها الهادئة. كان يدرك أن هذه المشاعر التي بدأت تنمو بداخله تتطلب منه الكثير من الحذر والمسؤولية.

كان يدرك أن اختيار زوجة هو قرار مصيري، قرار لا يجب أن يتأثر بتقلبات الحرب، بل يجب أن يكون قائماً على أسس سليمة من الود والاحترام والتوافق. كان يفكر في عائلته، في والدته التي كانت دائماً تهتم بأمره، والتي سعت كثيراً لترغيبه في الزواج من فتاة معينة، فتاة من عائلة مرموقة، تناسب وضعه الاجتماعي.

لكن قلب أحمد كان قد اختار طريقه. كان يرى في ليلى ما لم يره في غيرها. رأى فيها الوفاء، والنقاء، والطيبة. ورأى فيها تلك الروح التي تستطيع أن تضيء عالمه المظلم.

في تلك الليلة، وبينما كانت المدينة تغفو تحت سكون الليل، كانت ليلى في غرفتها، تتأمل النجوم من نافذتها. كانت تدعو الله أن يرشدها إلى الصواب، وأن يمنحها القوة لتجاوز مخاوفها. كان قلبها يتأرجح بين الأمل والخوف، بين الرغبة في التقدم والتردد في الإقدام. كان هذا هو حب في زمن الحرب، حب ينبت في أرض الرماد، ويحاول أن يتحدى ظلال الخوف والشك.

كانت ليلة طويلة، مليئة بالأفكار المتلاطمة. كانت كل كلمة قالها أحمد، وكل نظرة تبادلاها، تعود إليها كصدى في خلوتها. هل كانت تتسرع؟ هل كانت تبني أحلاماً على أساس واهٍ؟ كان السؤال يتردد في ذهنها، محاولاً أن يطفئ شعلة الأمل التي أوقدها أحمد في قلبها. لكن في أعماقها، كانت هناك قوة تدفعها نحو الاستمرار، قوة الحب الذي بدأ يتشكل، والذي وعدها بأن يكون ملاذاً في هذا الزمن العاصف.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%