حب الأبرار 157
لقاء الغروب وأسرار الماضي
بقلم مريم الحسن
كانت نسمة المساء تحمل معها عبق الياسمين المتسلق على أسوار بيتهم القديم، تداعب خصلات شعر عائشة وهي تجلس على الأريكة العتيقة في شرفة منزلها. لم تكن تدرك أن لحظة الصفاء هذه على وشك أن تتوارى خلف غيوم لم تكن في الحسبان. منذ لقائها الأخير بسالم، كان قلبها يرقص على وتر من القلق والترقب. لقد بدا له كشخص مختلف، تتنازعه هموم لا تعرفها، وعيون تبحث عن شيء غامض يلوح في الأفق.
"عائشة، حبيبتي، هل أنتِ مستيقظة؟" صوت والدتها الحنون اخترق سكون الغروب، تحمل في يدها طبقاً صغيراً من التمر المعجون بالسمسم، وصفة خاصة اعتادت أن تعدها لها حين تشعر بشيء من الضيق.
أدارت عائشة وجهها بابتسامة حاولت جاهدة أن تكون طبيعية. "نعم يا أمي، هنا. ما الذي جاء بكِ في هذا الوقت؟"
"رأيتكِ جالسة وحدكِ، أردت أن أطمئن عليكِ. هل هناك ما يزعجكِ؟" اقتربت الأم وجلست بجوارها، عيناها الحنونتان تتفحصان وجه ابنتها الشابة.
تنهدت عائشة. "لا شيء يا أمي، مجرد تفكير."
"تفكير في ماذا؟ هل الأمر يتعلق بسالم؟" سألت الأم بخبرة، فقد عاشت مع عائشة أجمل أيامها وأحلكها.
لم تجد عائشة سبيلاً لإنكار ذلك. "هو... تغير قليلاً. بدا مهموماً، وكأن عبئاً ثقيلاً يقع على كاهله."
"يا ابنتي، الرجال يحملون همومهم بصمت. قد يكون الأمر متعلقاً بعمله، أو ببعض المشاغل العائلية. لا تقلقي كثيراً. المهم هو أنكما تتعرفان على بعضكما البعض. الثقة والحوار هما أساس كل شيء."
"لكني أخشى أن يكون الأمر أعمق من ذلك يا أمي. شعرت بنوع من التردد في عينيه عندما تحدثنا عن المستقبل، عن خطواتنا القادمة."
أمسكت الأم بيد ابنتها وربتت عليها. "إذا كنتِ تشعرين بذلك، فالصراحة هي الحل. تحدثي معه بصراحة، واسمعي منه. ربما لديه ما يريد قوله ولم يجد الوقت أو الكلمات المناسبة. تذكري، أنتم تسيرون نحو بناء بيت مسلم، وهذا يتطلب جهداً وصراحة من الطرفين."
في تلك الأثناء، كان سالم يقود سيارته عبر شوارع المدينة الهادئة، وقلبه يضطرب كما تضطرب الأمواج المتلاطمة. لم يكن ما يشعر به مجرد هموم عادية. كانت هناك حقائق مؤلمة تنخر في روحه، ذكريات قديمة تعود لتطارد يقظته. تذكر كلمات جده الراحل، قبل سنوات، وهو يضع يده على كتفه ويقول بنبرة فيها حكمة الأجداد: "يا ولدي، كل ما نراه على السطح ليس هو الحقيقة الكاملة. هناك أعماق تخفى، وأسرار تطوى. كن مستعداً دائماً لما قد تكشفه الأيام."
لقد تجاهل سالم تلك الكلمات آنذاك، معتبراً إياها مجرد نصائح عامة. لكن الآن، مع اقتراب خطوته الرسمية نحو الارتباط بعائشة، بدأت تلك الأسرار تتكشف ببطء، مهددة بإرباك مسار حياته الذي بدا مستقيماً وواضحاً. كان هناك شيء ما يتعلق بتاريخ عائلته، بذنب قديم اقترفه أحدهم، ذنب يلقي بظلاله حتى اليوم.
لم يكن سالم يملك الشجاعة بعد ليصارح عائشة بهذه الحقيقة. كيف يمكن له أن يقدم لها قلباً مثقلاً بهذا العبء؟ كيف يمكن له أن يبدأ حياة جديدة، حياة الطهارة والصفاء التي يبغيها، وهو لا يزال أسيراً لماضٍ مرير؟
وصل سالم إلى منزل جدته، حيث اعتاد أن يلجأ إليه كلما احتاج إلى السكينة وبعض الإجابات. كانت جدته، الشيخة فاطمة، امرأة عرفت عنها حكمتها وصبرها، ودائماً ما كانت تبدو كمن يقرأ في كتاب مفتوح.
"أهلاً بك يا بني،" قالت الجدة مبتسمة، وهي ترحب به في صالة الاستقبال الفسيحة، المعلقة جدرانها بلوحات فنية عربية قديمة. "جئت في وقتك تماماً. كنت أفكر فيك."
"السلام عليكم يا جدتي،" رد سالم، وجلس أمامها. "كيف حالك؟"
"بخير ما دام شبابي بصحة وعافية. أرى القلق يرتسم على وجهك، يا سالم. هل هناك ما يزعجك؟"
تردد سالم للحظة، ثم قال: "يا جدتي، هل هناك شيء ما يتعلق بتاريخ عائلتنا، شيء قديم، لم أكن أعرفه؟"
رفعت الشيخة فاطمة حاجبها قليلاً، وبدت عيناها كمن يجمع خيوط ذكريات متناثرة. "لماذا تسأل هذا السؤال الآن، يا ولدي؟"
"لأنني أشعر بأن هناك أشياء لا أعرفها. وأنا على وشك أن أتخذ قراراً هاماً في حياتي، قراراً يتعلق بالزواج. لا أريد أن أبني مستقبلي على أساس من عدم المعرفة."
نظرت الجدة إلى الأرض بصمت لبرهة، ثم رفعت رأسها وقالت بنبرة هادئة لكنها تحمل وزناً ثقيلاً: "نعم يا سالم، هناك ماضٍ، وماضٍ قد يكون مؤلماً. جده، والد أبيك، ارتكب خطأً كبيراً في شبابه. خطأ أثر على سمعة العائلة، وأورثنا بعض الديون الأخلاقية التي لم نسددها بالكامل بعد."
شعرت عائشة في منزلها ببرد مفاجئ، رغم دفء الأمسية. لم يكن البرد جسدياً، بل كان صقيعاً بدأ يتسلل إلى روحها. اتصلت بسالم، لكن هاتفه كان مغلقاً. تساءلت إن كان في استطاعتها أن تتصل بوالدته، لكنها ترددت. لم ترغب في إثقال كاهل إحدى السيدتين بالمزيد من القلق.
"يبدو أن الأمور معقدة أكثر مما توقعت،" قالت لنفسها بصوت خافت. "لكن هل يمكن لهذه التعقيدات أن تهدم كل شيء؟"
كانت تتذكر حديثها مع والدتها عن الصراحة. ربما كان سالم يحتاج إلى مساحة ليفكر، ليجد كلماته. ربما كانت هي من تحتاج إلى الصبر.
عندما غادر سالم منزل جدته، كانت الشمس قد هوت خلف الأفق، تاركة وراءها سماءً تتوشح بألوان الشفق. لم يكن قد حصل على كل الإجابات، لكنه أدرك أن هناك حقيقة لا مفر منها. كان عليه أن يواجه ماضيه، قبل أن يبدأ مستقبله. عليه أن يكشف لعائشة كل شيء، حتى لو كان ذلك يعني خسارة كل شيء.
"لا يمكنني أن أبدأ حياة معها وأنا أخفي عنها جزءاً أساسياً من هويتي،" قال لنفسه بصوت مسموع. "الإسلام دين الصدق والوضوح. وعائشة تستحق مني أن أكون كاملاً، بكل عيوبي وماضيّ."
قرر سالم أن يلتقي بعائشة في صباح اليوم التالي، وأن يضع كل شيء أمامها. لم يكن يعرف كيف ستكون ردة فعلها، لكنه كان يعرف أن إخفاء الحقيقة لن يكون حلاً. سيواجه غروب شمس حياته القديمة، ليشرق معها فجر جديد، مهما كان الثمن.