الفصل 11 / 25

حب الأبرار 157

اعترافات القلب والشكوك المتزايدة

بقلم مريم الحسن

استيقظت عائشة على صوت المنبه، وقلبها يئن بثقل لم تعهده. كانت ليلتها قصيرة، مليئة بالأحلام المتشوشة واليقظات المتقطعة. الصور تتوالى في ذهنها: وجه سالم القلق، كلمات والدتها الحكيمة، وتساؤلات لا تجد لها جواباً. لم تكن تدري ما الذي تخبئه لها الأيام القادمة، لكنها شعرت بأن هناك عاصفة قادمة، وأنها بحاجة إلى الثبات.

جهزت نفسها للذهاب إلى الجامعة، ترتدي ثوباً بسيطاً بلون يميل إلى الهدوء، وتضع طرحة بيضاء كبياض نقاء قلبها. في طريقها، تلقت رسالة نصية من سالم: "صباح الخير يا عائشة. هل يمكن أن نلتقي اليوم بعد محاضراتك؟ أحتاج للتحدث معكِ في أمر هام جداً."

شعرت عائشة بارتفاع طفيف في دقات قلبها. "نعم، بالطبع. أين ومتى؟" أجابت بسرعة، علّها تجد في هذا اللقاء بعض الراحة، أو ربما المزيد من الأسئلة.

"في حديقة المسجد القديم، بعد صلاة العصر. إنه مكان هادئ، ولن يزعجنا أحد."

"حسناً، سأكون هناك."

قضت عائشة وقتها في الجامعة وهي شاردة الذهن. حاولت التركيز في محاضراتها، لكن الكلمات كانت تتطاير أمام عينيها دون أن تستوعبها. كانت تفكر في احتمالات عديدة لما قد يريد سالم قوله. هل هو أمر يتعلق بعائلته؟ هل هو شعور بالندم على شيء فعله؟ أم ربما... هل يشعر بأن الارتباط بها يشكل عبئاً عليه؟

أثناء استراحة الغداء، رأت صديقتها المقربة، سارة، تقترب منها بابتسامة عريضة. "ما بالك يا عائشة؟ تبدين كمن يحمل هموم العالم على كتفيك."

جلست سارة بجوارها، وعرضت عليها قطعة من البقلاوة. "تفضلي، ربما تزيد السعادة."

ابتسمت عائشة امتنانًا. "شكراً يا سارة. لا أعرف، أشعر أن هناك شيئاً ما يدور."

"شيء يتعلق بسالم؟" سألت سارة بفضول، فهي تعلم بكل شيء عن قصة حبهم التي بدأت في إطار احترام وتقاليد.

"نعم، هو كذلك. لقد طلب مني أن نلتقي اليوم لن يتحدث في أمر هام."

"وما الذي تتوقعينه؟"

"لا أعرف، وهذا ما يقلقني."

"يا عائشة، لا تدعي لظنون السوء أن تتسلل إلى قلبك. لقد رأيت سالم، يبدو رجلاً صالحاً، ومحترماً. غالباً ما يكون هذا النوع من الأحاديث في مثل هذه المراحل مجرد تأكيد للمشاعر، أو ربما ترتيبات بسيطة."

"أتمنى ذلك يا سارة. لكنني شعرت بشيء في عينيه مؤخراً، شيء لم أستطع تفسيره."

"ربما هو فقط يشعر بحجم المسؤولية، وهذا طبيعي. كل شاب مقبل على الزواج يشعر بذلك. كوني قوية، وثقي بما بينكما. والحوار هو مفتاح كل شيء."

شعرت عائشة ببعض الراحة لكلام صديقتها. كانت سارة دائماً مصدر دعم لها.

بعد صلاة العصر، توجهت عائشة إلى حديقة المسجد القديم. كانت الشمس بدأت تميل نحو الغروب، تلقي بظلال طويلة عبر الأشجار العتيقة. وجدت سالم جالساً على أحد المقاعد الخشبية، يبدو شاحب الوجه، وعيناه زائغتان.

"السلام عليكم،" قالت بصوت هادئ.

"وعليكم السلام يا عائشة،" رد سالم، ووقف لاستقبالها. بدا وكأنه يجمع كل قوته ليستطيع الوقوف. "شكراً لحضورك."

"لم يكن لدي أي تردد. هل كل شيء على ما يرام؟"

جلسا بجوار بعضهما البعض، وصمت طويل ساد بينهما. لم يكن صمتاً مريحاً، بل كان صمتاً مشبعاً بالتوتر والترقب.

"عائشة،" بدأ سالم، صوته كان أجشاً، "أنا... أردت أن أتحدث معكِ بصراحة تامة، عن شيء يثقل كاهلي منذ فترة. شيء يتعلق بماضي عائلتي، وبماضي أنا شخصياً."

نظرت عائشة إليه، وعيناها تلمعان بالقلق. "أنا أستمع يا سالم."

"عندما تحدثنا في البداية، تحدثت عن رغبتي في بناء حياة جديدة، حياة مبنية على القيم والأخلاق. وقلت إنني أبحث عن زوجة صالحة ليشاركني هذا الطريق. لم أذكر لكِ كل التفاصيل، لأنني كنت أخشى أن أفسد ما بدأ بيننا قبل أن يتأصل."

"ماذا تقصد؟" سألت بصوت بالكاد مسموع.

"جدي، والد أبي، كان شخصاً... ذو سمعة سيئة بعض الشيء. لقد تورط في بعض الأعمال المشبوهة في شبابه، وألحق أذىً ببعض الأشخاص. لقد ترك وراءه ديوناً، ليس فقط مادية، بل ديوناً أخلاقية أيضاً."

اتسعت عينا عائشة، ولم تستطع أن تتكلم. كانت كلمات سالم تبدو كالصاعقة.

"هذا الماضي، لم يتبعه أبي بشكل كامل، وكان دائماً يشعر بالخجل منه. وأنا، يا عائشة، أشعر بأن هذا الماضي قد يلقي بظلاله عليّ، وعلى أي مستقبل نبنيه."

"هل... هل أنت متورط في شيء من هذا؟" سألت عائشة، وشعرت بالدم ينحسر عن وجهها.

"لا، أبداً!" رد سالم بقوة. "والله، لم أتورط في أي شيء كهذا. لكنني أخشى أن يكون هناك أشخاص لا يزالون يحملون ضغينة، أو أن تكون هناك عواقب لم تظهر بعد."

"ما الذي حدث بالضبط؟" سألت، محاولة استيعاب ما تسمعه.

"كان جدي قد اقترض مبلغاً كبيراً من المال من شخص، ووعده بإعادته مع فوائد. لكنه لم يفعل، بل اختفى، تاركاً خلفه وعوداً فارغة. الرجل الذي اقترض منه المال، كان له ابن، وقد سعى جاهداً طوال حياته ليأخذ حقه، لكن جدي كان قد توفي قبل ذلك. ولم أكن أعرف تفاصيل هذه القصة جيداً حتى تحدثت مع جدتي مؤخراً."

"وهل... هل هذا الرجل أو عائلته ما زالوا يبحثون عن حقهم؟"

"هذا ما أخشاه يا عائشة. جدتي ذكرت أن الرجل، أو ورثته، قد يكونون ما زالوا في المدينة. وأن سمعة عائلتنا لم تتعافَ تماماً بعد."

كانت عائشة تستمع إلى كلماته، وقلبها يتخبط. لم تتوقع أبداً أن تسمع مثل هذه الحكاية. لم يكن الأمر يتعلق بمال فقط، بل يتعلق بسمعة، وعدم وفاء، وأذى.

"وماذا تنوي أن تفعل؟" سألت، وصوتها يرتجف قليلاً.

"أردت أن أخبركِ بكل شيء. لا أريد أن أبني حياتنا على أساس من الخداع أو عدم الوضوح. إذا كنتِ تشعرين بأن هذا الأمر كبير جداً، وأنكِ لا تستطيعين تحمله، فأنا أتفهم ذلك تماماً. وأعدكِ أنني سأبذل قصارى جهدي لحل هذه المشكلة، ولإرضاء من تضرروا، بالطرق المشروعة، ووفقاً للشريعة الإسلامية."

نظرت عائشة إلى وجه سالم، الذي كان يعكس خليطاً من الألم والخوف والأمل. رأت في عينيه صدقاً، ورأت فيه رجلاً يحاول أن يكون قوياً رغم كل شيء.

"لا أعرف ماذا أقول يا سالم،" قالت بصراحة. "هذا... هذا كثير."

"أعلم يا عائشة، وأنا آسف جداً لأنني اضطررت لإلقاء هذا العبء عليكِ."

"لكنني... أشكرك على صراحتك. هذا مهم جداً. لم أتوقع هذا، ولكني سأحتاج بعض الوقت للتفكير."

"خذي كل الوقت الذي تحتاجينه يا عائشة. لا أريد أن أضغط عليكِ. المهم بالنسبة لي هو أن تعرفي الحقيقة، وأن تتخذي القرار الذي يريحكِ ويناسبكِ."

وقفت عائشة، وشعرت بالضعف يتسرب إلى ساقيها. "أنا... سأذهب الآن."

"سأرافقكِ إلى الباب."

سارا، التي كانت تمر بالصدفة بالقرب من الحديقة، لمحت عائشة وهي تخرج مع سالم، وبدت عليها علامات الاضطراب. شعرت بشيء غير طبيعي، وقررت أن تراقب من بعيد. هل كان هناك خلاف؟ أم كان هناك حديث جاد؟

بينما كانت عائشة تمشي عائدة إلى منزلها، كانت الأفكار تتصارع في رأسها. هل كان ما سمحته مجرد مشكلة عائلية قديمة يمكن حلها؟ أم أنه كان بذرة لتعقيدات أكبر قد تؤثر على مستقبلها؟ كانت بحاجة إلى مشورة، إلى كلمة حق، لكنها كانت تعرف أن القرار النهائي يعود لقلبها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%