حب الأبرار 157
همسات الماضي ورياح المستقبل
بقلم مريم الحسن
كانت الأيام تمرّ ببطءٍ مشوبٍ بالشوق والحنين في قلبِ ليلى. لم تعدْ نسماتُ النسيمِ التي تعبرُ نافذتها في بيتِ عمها تحملُ عبيرَ الياسمينِ الذي اعتادتْ عليه، بل أضحتْ تحملُ في طياتها همساتِ الماضي التي لا تكادُ تفارقُ خيالها. كانتْ تقضي أغلبَ وقتها في مكتبةِ والدها الراحل، تتصفحُ كتبه القديمة، وتستعيدُ ذكرياتٍ عذبةً تتناثرُ كحباتِ العقدِ المفقود. لم تكنْ تعلمُ سببَ قدومِها إلى هذهِ البلدةِ الهادئةِ بعد وفاةِ والدها، سوى رغبةٍ غامضةٍ في البحثِ عن شيءٍ مفقود، عن إجابةٍ لسؤالٍ لم تجرؤْ على طرحه بعد.
في الجهةِ المقابلةِ من المدينة، كانَ قلبُ عبد الرحمنِ يخفقُ بانتظامٍ، لكنهُ لم يعدْ يخفقُ للنجاحِ الذي حققه في مجالِ عملهِ، بل أضحى يخفقُ لذكرى وجهٍ بريءٍ، وصوتٍ خجولٍ، وابتسامةٍ كسرتْ جدارَ البرودِ الذي أحاطَ به. كانَ يراقبُ ليلى من بعيدٍ، يتتبعُ خطواتها في أزقةِ البلدةِ القديمة، ويتأملُ ملامحها التي بدتْ تحملُ حزنًا عميقًا. أدركَ أنَّ شغفهَ بها لم يكنْ مجردَ إعجابٍ عابر، بل أصبحَ ميلًا عميقًا نحو روحٍ تشبهُ روحهُ في نقائها وعمقها.
في أحدِ الأيام، وبينما كانتْ ليلى تتجولُ في سوقِ البلدةِ القديم، سمعتْ صوتًا مألوفًا يناديها. التفتتْ لترى سعاد، صديقةَ والدها القديمة، تقفُ أمامها بابتسامةٍ دافئة. احتضنتْ سعادُ ليلى بحنانٍ، وشعرتْ ليلى بأنَّ جزءًا من دفءِ والدها يعودُ إليها. "يا ابنتي، لقدْ طالَ الغياب!" قالتْ سعادُ بلهفة. "كيفَ حالكِ؟ لقدْ سمعتُ عن وفاةِ الأستاذِ أحمد، رحمهُ الله. كانَ رجلًا عظيمًا." "الحمدُ لله، أنا بخيرٍ نسبيًا، يا خالة سعاد. أشكرُ اهتمامكِ." أجابتْ ليلى بصوتٍ مختنقٍ. "البيتُ كبيرٌ وحزينٌ بدونِ وجودِهِ. ولكنْ، هلْ تعلمينَ؟ والدكِ تركَ لكِ وصيةً غريبةً بعضَ الشيء." ارتعشَ قلبُ ليلى. وصية؟ لم تكنْ تعلمُ شيئًا عن أيِّ وصية. "وصية؟ ماذا تقصدينَ؟" سألتْ بفضولٍ ممزوجٍ بالقلق. "لقدْ طلبَ منكِ، في حالِ وفاته، أنْ تعيشي في هذا المنزلِ لمدةِ عامٍ كاملٍ، وأنْ تتعلمي لغةً جديدة، وأنْ تتواصلي معَ عائلةٍ يعرفها جيدًا هنا." صُدمتْ ليلى. كانَ والدها دايمًا ما يتحدثُ عن المستقبلِ وخططه، ولكنهُ لم يذكرْ شيئًا كهذا. "عائلة؟ أيُّ عائلة؟" "عائلةُ السيدِ إبراهيم. أظنُّ أنَّ لديكِ بعضَ الصلاتِ بهم. لقدْ كانَ لديهمْ ابنٌ شابٌّ، عبد الرحمن. هلْ تتذكرينه؟"
لم تكنْ ليلى تتذكرْ عبد الرحمن. كانتْ أيامُ طفولتها في هذهِ البلدةِ باهتةً ومشوشةً. ولكنَّ اسمَ والدِهِ، السيدِ إبراهيم، كانَ يحملُ صدىً خافتًا في ذاكرتها. "لا أذكرُ جيدًا، يا خالة سعاد. ولكنْ… لمَ هذهِ الشروطُ الغريبة؟" "ربما كانَ لديهِ خططٌ لكِ، أو ربما كانَ يريدُ لكِ أنْ تعيشي تجربةً جديدةً. والدكِ كانَ رجلًا يحبُّ المغامرةَ والتحدياتِ. الآن، هلْ تسمحينَ لي؟ أريدُ أنْ أريكِ شيئًا." قادتْ سعادُ ليلى إلى قسمٍ من السوقِ لم تذهبْ إليهِ من قبل، حيثُ كانتْ تُعرضُ التحفُ القديمةُ والكتبُ النادرة. أخرجتْ من حقيبتها مفتاحًا قديمًا، وقالتْ: "هذا مفتاحُ صندوقٍ خاصٍّ لوالدكِ. لقدْ تركهُ معَ أمانةٍ لديّ. وقالَ لي أنْ أُعطيكِ إياه في الوقتِ المناسب. وهذا هو الوقتُ المناسب."
فتحتْ سعادُ صندوقًا خشبيًا قديمًا، وداخلَهُ وجدتْ ليلى مجموعةً من الرسائلِ القديمةِ، ودفترًا صغيرًا بخطِ والدها، وصورةً باهتةً لفتاةٍ صغيرةٍ جميلةٍ. "هذهِ الرسائلُ من والدكِ إلى سيدةٍ تُدعى فاطمة. وكانتْ تتحدثُ عن علاقةٍ قويةٍ بينهما. وهذهِ الصورةُ… ربما هي." نظرتْ ليلى إلى الصورةِ، وشعرتْ بشيءٍ غريبٍ يجذبها إليها. هلْ هذهِ الفتاةُ هي…؟ "والدكِ لم يكنْ دائمًا صادقًا بشأنِ كلِّ شيءٍ، يا ابنتي. لديهِ أسرارٌ، ولكنهُ كانَ يحبكِ كثيرًا. ربما هذهِ الوصيةُ هي محاولةٌ منهُ لتصحيحِ شيءٍ ما، أو لفتحِ بابٍ جديدٍ لكِ." شعرتْ ليلى بدوارٍ خفيفٍ. والدها… أسرار؟ بدتْ حياتها التي عرفتها تنهارُ من حولها، وتُبنى من جديدٍ على رمالٍ متحركة.
في تلكَ الأثناء، كانَ عبد الرحمنُ يتلقى اتصالًا من والدهِ، السيدِ إبراهيم. "عبد الرحمن، لقدْ قابلتُ الأستاذَ أحمد قبلَ وفاته. لقدْ أوصاني بابنتهِ ليلى. وأخبرني ببعضِ الأمورِ الهامةِ التي تتعلقُ بهما. هلْ أنتَ مستعدٌّ لتحملِ مسؤوليةٍ جديدة؟" توقفَ عبد الرحمنُ عن التنفسِ للحظة. هلْ يتحدثُ والدهُ عن ليلى؟ "يا أبي، ماذا تقصد؟" "الأستاذُ أحمد كانَ يعرفُ أنَّ الأمورَ بيننا لم تكنْ على ما يرام. وأنَّ هناكَ سوءَ فهمٍ كبيرًا. لقدْ طلبَ مني أنْ أساعدَ ليلى في الاستقرارِ هنا. وأنْ أكونَ لها السندَ والذراعَ التي تحتاجها. ولديهِ رغبةٌ واضحةٌ في… ربطِ المستقبلِ بطريقةٍ ما." كانَ عبد الرحمنُ يشعرُ بقلبِهِ يدقُ بقوة. مستقبل؟ هلْ كانَ والدهُ يتحدثُ عن زواجهُ من ليلى؟ "يا أبي، هلْ تقصدُ…؟" "لا تتعجلْ يا بني. الأهمُّ الآنَ هو أنْ تُقابلَ ليلى، وأنْ تُظهرَ لها الاحترامَ والمودة. وأنْ تكونَ خيرَ معينٍ لها. هلْ أنتَ مستعدٌّ لفتحِ صفحةٍ جديدة؟" نظرَ عبد الرحمنُ إلى السماءِ الصافية، وابتسمَ ابتسامةً خفيفة. لقدْ شعرَ وكأنَّ قدرًا غامضًا ينسجُ خيوطهُ حولَ حياته. "نعم يا أبي. أنا مستعدٌّ."
كانتْ هذهِ بدايةُ الفصلِ الجديدِ في حياةِ ليلى وعبد الرحمن. فصلٌ لم يكنْ أيٌّ منهما يتوقعه، فصلٌ يحملُ في طياته أسرارَ الماضي، وتحدياتِ المستقبل، وبدايةَ قصةِ حبٍّ ربما تكونُ أجملَ ما كُتبَ لهما. ولكنْ، هلْ ستكونُ الأقدارُ رحيمةً بهما، أمْ ستُعرّضهما لمزيدٍ من الاختباراتِ؟