الفصل 16 / 25

حب الأبرار 157

بين الأمل والخوف: لقاءٌ مُنتظر

بقلم مريم الحسن

مرتْ أيامٌ قليلةٌ على اتصالِ السيدِ إبراهيم بليلى، وشعرتْ وكأنها دهرٌ. لم تستطعْ أنْ تتوقفَ عن التفكيرِ في عرضِ اللقاءِ. من جهةٍ، كانَ هناكَ فضولٌ كبيرٌ يدفعها لمعرفةِ المزيدِ عن هذهِ العائلةِ وعلاقتها بوالدها. ومن جهةٍ أخرى، كانَ هناكَ خوفٌ غامضٌ يساورها. هلْ ستكونُ قادرةً على فهمِ دوافعِ الجميع؟ هلْ ستكونُ قادرةً على التعاملِ معَ هذا الارتباطِ الجديدِ الذي لم تخترهُ بنفسها؟

في أحدِ الأيام، وبينما كانتْ تجلسُ في الحديقةِ، تتأملُ كتابًا قديمًا لوالدها، رنَّ جرسُ البابِ. رفعتْ ليلى رأسها، ورأتْ سارةَ تتجهُ نحو البابِ. سمعتْ صوتَ رجلٍ، ثمَّ صوتَ سارةَ وهيَ تُرحبُ بالضيفِ. قلبُ ليلى بدأَ يدقُ بسرعةٍ. هلْ يمكنُ أنْ يكونَ هو؟

بعدَ لحظاتٍ، دخلتْ سارةُ إلى الحديقةِ، وفي أعقابها رجلٌ طويلُ القامةِ، ذو ملامحَ هادئةٍ، وعينينَ تشعّانِ بالذكاءِ والعمق. لم يكنْ مظهرهُ كما تخيلتهُ. لم يكنْ متعجرفًا أو متكبرًا، بل كانَ يبدو عليهِ الوقارُ والرصانة. "ليلى، أودُّ أنْ أُعرفكِ على السيدِ عبد الرحمنِ. ابنُ السيدِ إبراهيم. لقدْ تفضّلَ بزيارتنا اليوم." قالتْ سارةُ بابتسامةٍ.

وقفتْ ليلى، وشعرتْ بارتباكٍ شديدٍ. مدتْ يدها، ثمَّ سحبتها، ولم تدري ماذا تفعلُ. "أهلاً بكَ، سيدَ عبد الرحمن." قالتْ بصوتٍ واهنٍ. مدَّ عبد الرحمنُ يدهُ، ولكنهُ تردّدَ قليلاً، ثمَّ اكتفى بابتسامةٍ دافئةٍ. "أهلاً بكِ يا آنسةَ ليلى. أسعدَني هذا اللقاءُ."

كانَ صوتهُ أعمقَ مما توقعتْ، وكانَ يحملُ نبرةً من الاحترامِ والتقديرِ. جلسا جميعًا في الحديقةِ، وبدأتْ سارةُ تسألُ عن أخبارِها، محاولةً كسرَ حاجزِ الصمتِ المحرجِ. "كيفَ وجدتِ العيشَ هنا حتى الآن، يا ليلى؟" سألَ عبد الرحمنُ بلطف. "إنها… مختلفةٌ عن حياتي السابقة. ولكنْ، فيها هدوءٌ وجمالٌ خاصٌّ." "والدكِ كانَ يحبُّ هذهِ البلدةَ كثيرًا. لقدْ تركَ فيها بصماتٍ لا تُمحى." "نعم، لقدْ بدأتُ أكتشفُ ذلكَ. أجدُ رسائلَ وذكرياتٍ قديمةً في بيتهِ." رفعَ عبد الرحمنُ حاجبيهِ بتعجبٍ. "رسائل؟ هلْ تتذكرينَ أيَّ شيءٍ يتعلقُ بعلاقةِ والدكِ بوالدي؟" "قليلٌ جدًا. والدي لم يكنْ يتحدثُ كثيرًا عن الماضي. ولكنهُ تركَ لي وصيةً غريبةً… أوصاني بالتواصلِ معكم."

ابتسمَ عبد الرحمنُ ابتسامةً خفيفةً، بدتْ وكأنها تحملُ الكثيرَ من المعاني. "والدي أخبرني بذلكَ. لقدْ كانَ لدى والدكِ رؤىً خاصةٌ. ورغبةٌ قويةٌ في توحيدِ ما انقسمَ." "توحيدِ ما انقسمَ؟ هلْ تقصدُ…؟" "لقدْ كانَ هناكَ سوءُ فهمٍ بينَ عائلتِنا وعائلتِكِ منذُ زمنٍ طويلٍ. سوءُ فهمٌ كبيرٌ أدى إلى ابتعادِنا. ووالدكِ، رحمةُ اللهُ عليهِ، كانَ يرغبُ في إصلاحِ ذلكَ. لقدْ أدركَ أنَّ هناكَ روابطَ أعمقَ من أنْ تُقطعَ بسببِ خلافاتٍ عابرة."

كانَ عبد الرحمنُ يتحدثُ بصدقٍ وعمقٍ، بدتْ كلماته وكأنها تنبعُ من قلبٍ صادقٍ. ليلى كانتْ تستمعُ بانتباهٍ، وتشعرُ بأنَّ هذا اللقاءَ قدْ يكونُ بدايةً لشيءٍ مهمٍّ. "والدي، رحمَهُ اللهُ، كانَ رجلًا حكيمًا، ولكنهُ كانَ لديهِ أسرارٌ. أسرارٌ تتعلقُ بأمي، واسمها 'مريم'." عندما ذكرتْ ليلى اسمَ "مريم"، رأى عبد الرحمنُ تغيّرًا طفيفًا في ملامحِ وجهِهِ. هلْ سمعَ هذا الاسمَ من قبل؟ "مريم؟" كررَ عبد الرحمنُ، وبدتْ عليهِ علاماتُ التفكيرِ. "لم أسمعْ بهذا الاسمَ من قبلِ. ولكنْ، والدي كانَ يذكرُ دائمًا قصةً عن زواجٍ قديمٍ، عن فتاةٍ جميلةٍ، ولكنْ… لم يُعطِ تفاصيلَ كثيرةً." "والدي تركَ لي رسائلَ موجهةً إلى 'مريم'، وصورةً لفتاةٍ صغيرةٍ. أظنُّ أنَّها والدتي. ولكنْ، لا أعرفُ شيئًا عنها."

شعرَ عبد الرحمنُ بمسؤوليةٍ أكبرَ. لقدْ بدا أنَّ هناكَ خيوطًا متشابكةً تربطهُ بليلى أكثرَ مما كانَ يتوقع. "والدي هوَ الأقربُ لمعرفةِ التفاصيلِ. إنهُ رجلٌ كبيرٌ في السنِّ، ولكنهُ يحتفظُ بالكثيرِ من الذكرياتِ. أظنُّ أنَّه يستطيعُ أنْ يُساعدَنا على فكِّ هذا اللغزِ." "أتمنى ذلكَ." قالتْ ليلى بصدقٍ. "أشعرُ بأنَّ هذا الأمرَ مهمٌ جدًا لفهمِ نفسي."

بعدَ فترةٍ من الحديثِ، استأذنَ عبد الرحمنُ للانصرافِ، ووعدَ بترتيبِ لقاءٍ قريبٍ معَ والدهِ. بعدَ رحيلهِ، شعرتْ ليلى بأنَّ الهواءَ في الحديقةِ أصبحَ أخفَّ، وأنَّ جزءًا من ثقلِ وحدتِها قدْ زالَ. "لقدْ كانَ لطيفًا جدًا، أليسَ كذلك؟" قالتْ سارةُ وهيَ تجلسُ بجوارِ ليلى. "نعم، كانَ كذلك. أشعرُ بأنَّ هناكَ أملًا. أملًا في فهمِ كلِّ شيءٍ." "والدي كانَ دائمًا يقولُ إنَّ العائلاتِ، حتى تلكَ التي تبدو بعيدةً، غالبًا ما تكونُ مرتبطةً بخيوطٍ خفيةٍ. ربما هذهِ هيَ الحالةُ الآن."

نظرتْ ليلى إلى السماءِ، وبدأتْ تشعرُ بأنَّ المستقبلَ لم يعدْ مجردَ فراغٍ مظلمٍ، بل أصبحَ يحملُ بعضَ الألوانِ، بعضَ الأملِ. ولكنْ، في نفسِ الوقتِ، كانَ هناكَ شعورٌ بالخوفِ. فكلما اقتربتْ من فهمِ الماضي، كلما شعرتْ بأنَّ هناكَ أسرارًا أعمقَ وأشدَّ تعقيدًا تنتظرُها. وهلْ سيكونُ عبد الرحمنُ هوَ المفتاحَ لهذهِ الأسرارِ، أمْ سيكونُ مجردَ دليلٍ في رحلةٍ قدْ تكونُ أكثرَ قسوةً مما تتخيل؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%