حب الأبرار 157
ما وراء الكلمات: أسرار الماضي تتكشف
بقلم مريم الحسن
بعدَ أيامٍ قليلةٍ من لقائها الأولِ بعبد الرحمنِ، تلقتْ ليلى اتصالًا منهُ، يُعلمها فيهِ بأنَّ والدهُ، السيدَ إبراهيم، يرغبُ في مقابلتها في أقربِ فرصةٍ. شعرتْ بقلبِها يمتلئُ بالإثارةِ والترقبِ. كانتْ تعلمُ أنَّ لقاءَ السيدِ إبراهيم قدْ يكونُ المفتاحَ الذي سيفتحُ لها أبوابَ فهمِ الماضي.
في اليومِ المحددِ، توجهتْ ليلى برفقةِ سارةَ إلى منزلِ السيدِ إبراهيم. كانَ المنزلُ فسيحًا، وذو طرازٍ معماريٍّ أصيلٍ، يعكسُ أصالةَ تاريخِ العائلةِ. استقبلهم السيدُ إبراهيم بابتسامةٍ حانيةٍ، ودعاهم إلى غرفةِ جلوسٍ فخمةٍ، زينتها لوحاتٌ قديمةٌ وكتبٌ قيمةٌ. كانَ السيدُ إبراهيم رجلًا وقورًا، ذو لحيةٍ بيضاءَ وشعرٍ فضيٍّ، ولكنْ كانتْ عيناهُ لا تزالانِ تحملانِ بريقَ الشبابِ.
"أهلاً بكِ يا ابنةَ الأستاذِ أحمد،" قالَ السيدُ إبراهيم بصوتٍ رتيبٍ ولكنْ دافئٍ. "لقدْ سمعتُ الكثيرَ عنكِ من ابني. والدكِ كانَ رجلًا كريمًا، ولهُ مكانةٌ خاصةٌ في قلبي." "شكرًا لكَ، يا سيدي. أشكرُ اهتمامكَ ودعمكَ." قالتْ ليلى، وهيَ تشعرُ بالراحةِ في حضورهِ.
بدأتْ المحادثةُ تتجهُ نحو الماضي. سألَ السيدُ إبراهيم ليلى عن وصيةِ والدها، وعن الرسائلِ والصورةِ التي وجدتها. وبدأتْ ليلى تشرحُ لهُ ما اكتشفتهُ، وتُظهرُ لهُ صورةَ والدتها المفترضةَ.
عندما رأى السيدُ إبراهيم الصورةَ، ارتسمتْ على وجهِهِ علاماتُ المفاجأةِ والتقديرِ. "هذهِ… هذهِ 'مريم'!" قالَ بصوتٍ يحملُ بعضَ الارتعاشِ. "لم أرَ صورتها منذُ سنواتٍ طويلةٍ." "هلْ تعرفها، يا سيدي؟" سألتْ ليلى بلهفةٍ. "نعم، أعرفها جيدًا. كانتْ… كانتْ قصةً معقدةً." بدأَ السيدُ إبراهيم يسردُ الحكايةَ، وهيَ قصةٌ كانتْ مليئةً بالأحداثِ والتقلباتِ.
"قبلَ سنواتٍ طويلةٍ، كانَ هناكَ صداقةٌ قويةٌ بينَ والدي، والدِ الأستاذِ أحمد، وبينَ والدي. كانتْ العائلتانِ متقاربتينِ جدًا. ولكنْ، حدثَ خلافٌ كبيرٌ بينَ والدِ الأستاذِ أحمد ووالدي، يتعلقُ بصفقةٍ تجاريةٍ فاشلةٍ، تركتْ ندوبًا عميقةً في علاقتِهما. وبعدَ ذلكَ، انقطعتِ الصلةُ بينَ العائلتينِ تمامًا." "ولكنْ، ما علاقةُ 'مريم' بهذا؟" سألتْ ليلى. "كانَ لوالدِ الأستاذِ أحمد ابنٌ واحدٌ، هوَ الأستاذُ أحمد نفسهُ. وكانَ لوالدي ابنٌ واحدٌ، هوَ أنا. وكانَ لديْ ابنانِ: عبد الرحمنِ، والابنُ الأكبرُ الذي لم يُكتبْ لهُ أنْ يعيشَ طويلاً. ولكنْ… كانتْ هناكَ ابنةٌ لوالدي، قريبةٌ جدًا لي، تُدعى مريم."
توقفتْ ليلى عن التنفسِ. هلْ كانتْ مريمُ ابنةَ عمِ السيدِ إبراهيم؟ "هلْ كانتْ مريمُ… زوجةَ والدي؟" سألتْ بصوتٍ بالكادِ يُسمع. نظرَ السيدُ إبراهيم إلى ليلى بعينينِ مليئتينِ بالشفقةِ. "نعم، يا ابنتي. كانتْ مريمُ زوجةَ الأستاذِ أحمد. ولكنهُ لم يُخبركِ الحقيقةَ الكاملةَ. لقدْ تزوجها سرًا."
ارتجفتْ ليلى. سرًا؟ كيفَ هذا؟ "والدكِ، الأستاذُ أحمد، كانَ رجلًا عاطفيًا، ولكنهُ كانَ خائفًا من ردةِ فعلِ والدهِ. والدُهُ كانَ رجلًا صارمًا جدًا، ولا يتقبلُ فكرةَ الزواجِ من شخصٍ لا يراهُ مناسبًا. وعندما علمَ الأستاذُ أحمد أنَّ والدَهُ كانَ يخططُ لزيجاتٍ أخرى لهُ، قررَ الزواجَ من مريمَ سرًا. تزوجها هنا، في هذهِ البلدةِ. ولكنْ، بعدَ فترةٍ قصيرةٍ، اكتشفَ والدي، والدُ الأستاذِ أحمد، الأمرَ. كانَ غاضبًا جدًا. وحدثَ شقاقٌ كبيرٌ بينهُ وبينَ أحمد. وعندما علمتْ مريمُ بالخلافِ، شعرتْ بضغطٍ هائلٍ. وبسببِ حملها، أصيبتْ بوعكةٍ صحيةٍ شديدةٍ، وتوفيتْ أثناءَ الولادةِ. للأسفِ، لم تنجُ الطفلةُ أيضًا. كانتْ تلكَ هيَ ابنتي الأولى، التي لم تعشْ."
تجمعتْ الدموعُ في عيني ليلى. إذاً… إذاً والدتها توفيتْ وهيَ تلدُ… ولدتْ هيَ، ولكنْ لم يعلمْ بها أحدٌ؟ "ولكنْ… كيفَ…؟" "الأستاذُ أحمد، بعدَ وفاةِ مريمَ وابنتِهِ، كانَ محطمًا. لقدْ كانَ يحبها حبًا جمًا. ولكنهُ شعرَ بالخجلِ والخوفِ. وبسببِ ضغطِ والدهِ، قررَ أنْ يُخفيَ أمرَ زواجِهِ بأكملِهِ. وأنْ يخبرَ الجميعَ بأنَّ مريمَ لم تنجبْ. لقدْ أخبرَ والدي، وهوَ أثقُ بهِ، بأنَّ مريمَ لم تكنْ زوجتهُ، بل كانتْ… كانتْ مجردَ صديقةٍ. لقدْ كانَ والدُهُ قدْ أجبرهُ على ذلك."
كانتْ الحقيقةُ كالصاعقةِ. والدتها لم تكنْ مجردَ صديقةٍ، بل كانتْ زوجةَ والدها. ووالدهُ كانَ قدْ أجبرهُ على إخفاءِ ذلك. "إذاً… إذاً أنا…؟" "أنتِ يا ابنتي… أنتِ ابنةُ الأستاذِ أحمد ومريمَ. لقدْ وُلدتِ في ظروفٍ صعبةٍ جدًا. وبعدَ وفاةِ مريمَ، وانهيارِ أحمد، لم يكنْ لديهِ القدرةُ على الاعتناءِ بكِ. لقدْ كانَ والدهُ، جدُكِ، يرغبُ في إخفاءِ الأمرِ تمامًا. ولكنْ، الأستاذُ أحمد، في لحظاتِ ضعفهِ، كانَ يخبرُني عنكِ. كانَ يخشى أنْ تُنسي. ولهذا، قبلَ وفاته، طلبَ مني أنْ أرعاكِ، وأنْ أُعيدَكِ إلى هذهِ البلدةِ، وأنْ أُحاولَ إصلاحَ ما تمَّ إفسادهُ. وأنْ أُساعدَكِ على معرفةِ حقيقتِكِ."
كانتْ ليلى تسمعُ الكلماتِ، ولكنْ لم تكنْ تستطيعُ استيعابَ كلِّ شيءٍ. لقدْ كانَ ماضيها يتكشفُ أمامها، كلُّ قطعةٍ كانتْ تُعيدُ تشكيلَ هويتها. "ولكنْ… لماذا والدتي لم تنجبْ أطفالاً آخرين؟" "ربما لم يُتح لها الفرصةُ. لقدْ كانتْ نهايةً مأساويةً. ولكنْ، أنا متأكدٌ أنَّ والدكِ كانَ يحملُ حبًا كبيرًا لكِ. لقدْ كانَ يرى فيكِ أملًا لاستعادةِ ما فقدهُ."
كانَ عبد الرحمنُ يستمعُ بصمتٍ، يشعرُ بثقلِ هذهِ الحقيقةِ. لقدْ كانَ يعلمُ أنَّ هناكَ أسرارًا، ولكنهُ لم يتوقعْ أنْ تكونَ بهذا التعقيدِ. "يا سيدي، أشكركَ جزيل الشكرِ على هذهِ المعلوماتِ. لقدْ ساعدتني كثيرًا." "الأمرُ لم ينتهِ بعدُ يا ابنتي. هناكَ خيوطٌ أخرى تحتاجُ إلى فكِّ. ولكنْ، الخطوةُ الأولى هيَ الأهمُّ. أنتِ الآنَ تعرفينَ من أنتِ. وأنا هنا لأدعمكِ في كلِّ خطوةٍ."
خرجتْ ليلى من منزلِ السيدِ إبراهيم وهيَ تشعرُ بأنها أصبحتْ شخصًا آخرَ. لم تعدْ يتيمةً بلا ماضٍ، بل أصبحتْ ابنةً لأمٍّ أحبها والدها بشدةٍ، رغمَ كلِّ الظروفِ. ولكنْ، هلْ كانتْ هذهِ هيَ الحقيقةُ الكاملةُ؟ أمْ أنَّ هناكَ المزيدَ من الأسرارِ التي تنتظرُها؟