حب الأبرار 157
الوعد الأخير وخطورة المواجهة
بقلم مريم الحسن
كانت الأيام التالية لكشف "خالد" عن الأسرار المظلمة محملة بتوتر شديد. لم تعد "ليلى" ترى في "خالد" الشاب الذي أحبته فحسب، بل رأت فيه أيضاً محارباً يقاتل من أجل حماية إرث عائلته، ومن أجل تحقيق العدالة. قرر "خالد" أن يواجه السيد "مراد" بشكل مباشر، مدركاً أن التخفي والمراوغة لن يجدي نفعاً بعد الآن، خاصة بعد الحادث الذي تعرض له والده، والذي كان "خالد" على يقين بأنه مدبر.
في صباح أحد الأيام، تلقت "ليلى" اتصالاً هاتفياً من "خالد". كان صوته مختلفاً، يحمل مزيجاً من الحسم والندم. قال لها: "ليلى، لديّ خطة. ولكنها خطيرة جداً. لا أريدكِ أن تقلقي، ولكن ربما يكون من الأفضل أن تبتعدي عن الأنظار قليلاً حتى تنتهي هذه المسألة."
شعرت "ليلى" بالضيق. "خالد، ما الذي تفكر به؟ لا يمكنني أن أتركك تواجه هذا وحدك."
"أنا لا أواجه هذا وحدي، يا ليلى. أنتِ معي في قلبي، وفي عقلي. ولكن هذه المعركة تتطلب مني القيام بشيء قد يكون مؤلماً. أريد أن أؤكد لكِ شيئاً. مهما حدث، مهما تغيرت الظروف، فإن وعدي لكِ بالزواج يبقى. هو ليس مجرد وعد، بل هو رباط مقدس أرى فيه خلاصي وسعادتي. لكنني أحتاج منكِ أن تثقي بي، وأن تتحلي بالصبر."
"خالد، أنا أثق بك. ولكن ما هي خطتك؟"
"سأذهب لمقابلة السيد مراد. لديّ معلومات جديدة، شيء سيكشف حقيقته أمام الجميع. لقد قضيت الليالي الماضية في البحث، وتحدثت مع أشخاص قدامى كانوا يعرفون والدي. اكتشفت أن الوعد الذي قطعه والدي للسيد مراد لم يكن يتعلق فقط بالمال أو الأصول، بل كان يتعلق بإدانة شخص بريء في قضية لم يرتكبها، وذلك بتدبير من السيد مراد نفسه. والدي اضطر تحت الضغط لإدلاء شهادة زور، وكان هذا الأمر يؤنبه بشدة طوال حياته."
"يا إلهي!" هتفت "ليلى"، وهي تتذكر الرسائل التي قرأتها، وتلك التي كانت تشير إلى عبء ثقيل على ضمير والد "خالد".
"نعم. والسيد مراد لديه الآن دليل على هذه الإدانة، وهو يستخدمه لابتزازي. يريد مني أن أؤكد كل شيء، وأن أظل صامتاً. لكنني لن أفعل. لديّ أدلة جديدة تثبت براءة ذلك الشخص، وأن والدي كان مجبراً. سأقدم له هذه الأدلة، وسأواجهه بالحقيقة. إما أن يتراجع، أو..."
"أو ماذا يا خالد؟" سألت "ليلى" بلهفة، تشعر بأن قلبها يخفق بعنف.
"أو سأكشف كل شيء للجهات الرسمية. سأواجه العواقب، مهما كانت. لكنني لن أعيش في ظل هذا الظلم."
كانت "ليلى" تشعر بالخوف الشديد على "خالد". فكرة مواجهته للسيد "مراد"، وهو رجل معروف بقسوته وعدم رحمته، كانت تثير قلقها. لكنها كانت أيضاً تشعر بالفخر بشجاعته وإصراره على تحقيق العدالة.
"سأكون معك في روحي، يا خالد. أدعو لك بالتوفيق والنصر."
"وأنا سأتذكر دائماً أنكِ كنتِ معي في أحلك لحظاتي. سأعود إليكِ."
انتهت المكالمة، وتركت "ليلى" تشعر بالوحدة والخوف، ولكن أيضاً بشيء من الأمل. كانت تعرف أن "خالد" يتجه نحو مواجهة حاسمة.
في تلك الأثناء، كان "خالد" يتجه نحو مقر إقامة السيد "مراد"، وهو قصر فخم ومنعزل يقع على أطراف المدينة. كان يحمل في جيبه ملفاً يحوي كل الأدلة التي جمعها، ووثائق قديمة، وشهادات مكتوبة. في داخله، كان يشعر بعزيمة فولاذية، وبإحساس غريب بالهدوء قبل العاصفة.
عندما وصل، استقبله حراس شخصيون للسيد "مراد" بوجوه خالية من التعبير. قادوه إلى مكتب فخم، حيث كان السيد "مراد" يجلس خلف مكتبه الخشبي الكبير، ويبدو هادئاً، ولكن في عينيه بريق خبيث.
"أهلاً بك يا خالد"، قال السيد "مراد" بصوت أجش. "أتيت في الوقت المناسب. كنت أنتظر هذه المحادثة بفارغ الصبر."
"السيد مراد"، بدأ "خالد" بصوت ثابت، "لقد جئت لأضع حداً لهذه المهزلة. لقد اكتشفت كل شيء. عرفت حقيقة ما فعلته بوالدي، وما فعلته بالأبرياء."
ضحك السيد "مراد" ضحكة قصيرة خالية من المرح. "أنت لا تملك شيئاً يا فتى. أنت مجرد شخص صغير في مواجهة قوة عظيمة."
"القوة الحقيقية ليست في التهديد والإرهاب، بل في الحق والعدالة"، رد "خالد" وهو يضع الملف أمامه. "هذا الملف يحوي دليلاً على ما فعلته. على إجبارك لوالدي على إدانة شخص بريء. على استغلالك لضعفه. وعلى التهديدات التي وجهتها لوالدي مؤخراً."
انقبض وجه السيد "مراد". لقد تفاجأ بخطوة "خالد" الجريئة. "أنت مجنون! ستندم على هذه الخطوة."
"لن أندم على قول الحق. لقد اكتشفت أيضاً أنك تقف وراء حادث والدي. هذا لن يمر مرور الكرام."
وقف السيد "مراد" بغضب، وبدأ ينادي حراسه. "اخرجوا هذا الرجل من هنا. وأخبروه أنني لن أسمح لأحد بالوقوف في طريقي."
لكن "خالد" لم يتزحزح. "سأكشف كل شيء. لديّ نسخ من هذه الأدلة، وقد سلمتها لبعض الأشخاص الموثوق بهم. إذا حدث لي أي مكروه، فإن كل شيء سيظهر."
كانت لحظة مشحونة بالتوتر. كان "خالد" قد ألقى بكل أوراقه على الطاولة، ووضع نفسه في موقف بالغ الخطورة. شعر بأن الأبواب أغلقت خلفه، وأن المواجهة قد بدأت حقاً.