حب الأبرار 157
أصداء الماضي في أروقة الجامعة
بقلم مريم الحسن
بعد فترةٍ قصيرةٍ من الخطوبة، قرر "أحمد" و"سلمى" أن يقضيا بعض الوقت معًا، في إطارٍ من الاحترام والتقدير، بعيدًا عن أعين المتطفلين. كانا يلتقيان بشكلٍ منتظمٍ في أماكن عامةٍ وآمنة، غالبًا ما تكون مكتبة الجامعة أو حديقة قريبة.
في أحد الأيام، كانا يجلسان في زاويةٍ هادئةٍ من مكتبة الجامعة، تتخللها رائحة الورق القديم وعبق الكتب. كانت "سلمى" مشغولةً بدراستها، تتنقل بين الصفحات بسرعةٍ فائقة، بينما كان "أحمد" يراقبها بحبٍ وفخر.
"ماذا تقرئين هذه المرة؟" سأل "أحمد" بصوتٍ خافتٍ، ليحافظ على هدوء المكان.
رفعت "سلمى" عينيها عن الكتاب، وعلى وجهها ابتسامةٌ خجولة. "هذا كتابٌ عن تاريخ الفلسفة الإسلامية. إنها مادةٌ شيقةٌ جدًا، ومليئةٌ بالأفكار التي توسع الآفاق."
"دائمًا ما كنتِ تبحثين عن ما يوسع الآفاق." قال "أحمد" بابتسامةٍ. "هل تذكرين عندما كنا صغارًا، وكنا نلعب في الحارة؟ كنتِ دائمًا تسألين أسئلةً لا يعرف أحدٌ إجابتها. كنتِ دائمًا الفتاة الذكية التي تثير فضول الجميع."
ضحكت "سلمى" وقالت: "والآن، أصبحتُ أسأل أسئلةً أكبر، وأبحث عن إجاباتٍ أعمق. لحسن الحظ، وجدتُ شخصًا مثلكَ، يفهم شغفي بالعلم، ويدعمني في رحلتي."
"وأنا محظوظٌ بكِ يا "سلمى". وجودكِ في حياتي هو نورٌ يضيء دربي. أشعر أنني أتعلم منكِ كل يومٍ شيئًا جديدًا."
كانت الأجواء بينهما مريحةً ومليئةً بالحب العميق. تحدثا عن خططهما المستقبلية، عن البيت الذي سيؤسسانه، وعن الأطفال الذين سيأتون. تحدثا عن الدور الذي سيلعبانه في مجتمعهما، وعن المساهمة التي سيقدمانها.
"أتمنى أن نكون نموذجًا للشباب المسلم الواعي،" قالت "سلمى" بحماس، "أن نثبت أن الحب، والعلم، والإيمان، يمكن أن يجتمعوا في حياةٍ واحدةٍ متوازنةٍ وجميلة."
"هذا ما أتمناه أيضًا يا "سلمى". أن نكون قدوةً حسنةً، وأن نبني أسرةً تكون لبنةً صالحةً في بناء المجتمع."
في تلك الأثناء، مر بهم شابٌ يعرفه "أحمد" من الجامعة، كان اسمه "طارق". كان "طارق" شابًا ذو ميولٍ مختلفة، يميل إلى الثقافة الغربية، وكان يرى أن بعض التقاليد الإسلامية قد تكون عائقًا أمام التقدم.
"أهلاً يا "أحمد"!" قال "طارق" وهو يبتسم ابتسامةً فيها بعض الاستخفاف. "ماذا تفعل هنا مع هذه الجميلة؟ هل بدأت الدراسة الجامعية مرةً أخرى؟"
لم يرق لـ "أحمد" أسلوب "طارق" في الحديث، لكنه رد بهدوء: "هذه خطيبتي، "سلمى". نحن هنا نقضي بعض الوقت معًا."
تفاجأ "طارق" قليلاً، لكنه سرعان ما استعاد ابتسامته. "أوه، مباركٌ لكما. ولكن لماذا تقضيان وقتكما في مكتبة الجامعة؟ ألا تفضلون الأماكن الأكثر حيويةً؟"
ردت "سلمى" بصوتٍ هادئٍ ولكن واثق: "يا "طارق"، بالنسبة لنا، المكتبة هي قمة الحيوية. إنها المكان الذي نلتقي فيه بالعقول العظيمة، ونسافر عبر الزمن والأفكار. العلم هو الحياة، وهو السعادة الحقيقية."
نظر إليها "طارق" بنوعٍ من الدهشة، ثم ابتسم بسخريةٍ خفيفة. "علمٌ وعقلٌ؟ هذا جميلٌ جدًا. ولكن هل يعوض عن متع الحياة الأخرى؟"
لم ترد "سلمى" على هذا السؤال، لكن "أحمد" قال بهدوءٍ: "متع الحياة الأخرى تأتي بعد إرضاء الله، يا "طارق". ونحن نرى أن السعادة الحقيقية تكمن في طاعته، وفي بناء مستقبلٍ صالحٍ لنا ولأبنائنا."
تراجع "طارق" قليلاً، وشعر بأن حجته قد ضعفت. "حسناً، يبدو أن لديكما فلسفةٌ خاصةٌ. أتمنى لكما التوفيق."
وانصرف "طارق"، تاركًا وراءه شعورًا غريبًا. "سلمى" و"أحمد" تبادلا نظراتٍ تحمل معنىً واحدًا: أن طريقهما قد يكون مختلفًا عن طريق الكثيرين، ولكنه الطريق الصحيح.
"لا تقلقي يا "سلمى"." قال "أحمد" وهو يمسك بيدها. "هناك دائمًا من لا يفهمون. لكننا نعرف ما نريد، وما نؤمن به."
"أعلم يا "أحمد"." قالت "سلمى" وهي تشعر بالاطمئنان لوجوده بجانبها. "لكن هذا الموقف ذكرني بأن رحلتنا في نشر الوعي قد لا تكون سهلةً دائمًا."
"ولكنها ستكون مجزيةً، بإذن الله." أجاب "أحمد" بنبرةٍ تحمل الثقة والأمل. "ووجودكِ بجانبي يجعلني أشعر أننا نستطيع مواجهة أي شيء."
وبهذا، استمرت "سلمى" و"أحمد" في رحلتهما، مدعومين بحبٍ قوي، وإيمانٍ راسخ، ورغبةٍ صادقةٍ في بناء مستقبلٍ مشرقٍ، متسلحين بالعلم، وبالقيم الإسلامية الأصيلة.