حب الأبرار 157
ظلال الماضي: جرحٌ غائر
بقلم مريم الحسن
كانت "أمينة" تدير عربة الخضروات المتواضعة في سوق الحي القديم، بينما تتراقص أشعة الشمس الذهبية على أكتافها. وجهها الذي لطالما ارتسمت عليه ابتسامةٌ بشوشة، كان يخفي في طياته حزناً عميقاً، وتاريخاً طويلاً من التضحيات. كانت أم "ليلى"، وقصتها لم تكن مجرد قصة أمٍ عادي، بل كانت قصة امرأةٍ عاشت صراعاً مريراً مع أقدارٍ لا ترحم، ومع رغباتٍ اضطرت إلى كبحها.
بينما كانت تفرز البصل والطماطم، تذكرت يوماً مشمساً في شبابها، قبل زواجها من "حسن"، والد "ليلى". في ذلك اليوم، التقت بشابٍ يدعى "خالد". كان "خالد" فناناً موهوباً، يمتلك روحاً شفافةً وقلباً شاعرياً. وقعت في حبه فوراً، وشعرت بأنها وجدت فيه نصفها الآخر. كان يحبها حبّاً نقياً، مليئاً بالرومانسية والأحلام. خططوا لمستقبلٍ مشرقٍ، مليءٍ بالألوان الفنية، وبالحب الذي لا يعرف القيود.
لكن الأقدار كانت لها كلمةٌ أخرى. كانت عائلة "خالد" تعاني من مرضٍ خطيرٍ، وكان "خالد" هو السند الوحيد لهم. اضطر للسفر بعيداً، للعلاج، ولتأمين لقمة العيش. وعدها بالعودة، وعدها بأن يتزوجها. انتظرت "أمينة" بصبرٍ، وأرسلت له الرسائل، لكن الردود تضاءلت شيئاً فشيئاً، حتى اختفت.
في خضم حزنها ويأسها، ظهر "حسن". كان رجلاً طيباً، محترماً، ولكنه خالٍ من تلك الشرارة التي أشعلت قلب "أمينة" من أجل "خالد". شعر "حسن" بإعجابها، ورأى فيها الزوجة الصالحة التي يبحث عنها. تقدم لخطبتها، وبعد ترددٍ طويل، وافقت "أمينة". لم يكن قراراً سهلاً، بل كان استسلاماً للأمر الواقع، وتخلياً عن حلمٍ جميلٍ بدأ يذبل.
تزوجت "أمينة" من "حسن"، وأنجبت منه "ليلى". عاشت حياةً مستقرةً، ولكنها لم تستطع أبداً أن تنسى "خالد". كان ظله لا يزال يطارد أحلامها، وصوته يتردد في أذنها. لم تخن "حسن" أبداً، ولم تظهر له أي علامةٍ من علامات عدم الرضا، لكن جزءاً من روحها ظل معلقاً في الماضي.
اليوم، وبينما كانت تبيع الخضروات، لمحت رجلاً يقف على مقربةٍ منها. كان الرجل يرتدي ملابس بسيطة، لكن ملامحه كانت تحمل ذلك الطيبة الأصيلة التي عرفتها. توقف قلبها للحظة. هل يمكن أن يكون هو؟ تقدم الرجل نحوها، وتلاقت الأعين. كانت نفس العينين، وإن غزا الشيب شعرهما. كان "خالد".
شهقت "أمينة" بصوتٍ خافت، وضعت يدها على فمها. لم تستطع التصديق. بعد كل هذه السنوات، عاد "خالد".
قال "خالد" بصوتٍ فيه بحةٌ خفيفة: "أمينة؟ هل أنتِ أمينة؟"
لم تستطع "أمينة" الكلام. فقط هزت رأسها بالموافقة، والدموع بدأت تتساقط من عينيها.
ابتسم "خالد" ابتسامةً حزينة وقال: "لقد بحثت عنكِ كثيراً. عندما عدت، لم أجد لكِ أثراً. علمت أنكِ قد تزوجتِ، فآلمني ذلك، لكنني تمنيت لكِ السعادة".
شعرت "أمينة" بغصةٍ في حلقها. تمنت لو أنها تستطيع أن تخبره بكل شيء، أن تخبره بأنها لم تتخل عنه أبداً، وأنها تحملت ظروفها. لكنها لم تستطع. كان أمامها زوجها، وابنتها.
قالت "أمينة" بصوتٍ مرتجف: "لقد تزوجت يا خالد. ولي ابنةٌ اسمها ليلى".
قال "خالد" بهدوءٍ: "بارك الله فيكما. أتمنى أن تكوني سعيدةً".
ثم استدار ليذهب. شعرت "أمينة" بأن شيئاً ما يمزق قلبها. أرادته أن يتكلم، أن يسألها عن أحوالها، أن يقول لها شيئاً يطمئن روحها. لكنه لم يفعل. كان رجلاً نبيلاً، قرر أن يحترم حياتها الجديدة.
بعد أن ذهب "خالد"، عادت "أمينة" إلى عربتها. لكنها لم تعد هي نفسها. كل ذكرياتها مع "خالد" عادت بقوةٍ، كأنها لم تكن غائبةً يوماً. شعرت بحنينٍ جارف، وبوخزٍ في قلبها. هل هذا هو الذنب الذي تحدثت عنه "فاطمة"؟ هل كانت تقع في نفس الخطأ الذي حذرت منه؟
هذا اللقاء، الذي بدا عابراً، كان له أثرٌ عميقٌ على "أمينة". جعلها تعيد النظر في حياتها، وفي خياراتها. هل كانت حياتها مع "حسن" سعيدةً حقاً، أم أنها كانت مجرد هربٍ من ألمٍ أكبر؟
عندما عادت إلى منزلها، وجدتها "ليلى" تنتظرها. لاحظت "ليلى" وجه والدتها الشاحب، وعينيها الحمراوين. سألتها بقلق: "أمي، ما بكِ؟ هل أنتِ مريضة؟"
نظرت "أمينة" إلى ابنتها، ورأت فيها براءة "خالد" وشغفه. أدركت أن ماضيها، وإن كان مؤلماً، لا يجب أن يؤثر على مستقبل ابنتها. قررت أن تضع حداً لتلك الذكريات، وأن تعيش حياتها كاملةً لأجل "ليلى" ولأجل زوجها.
لكن ما حدث في السوق، ظل عالقاً في ذهن "أمينة". هل كان لقاءً عابراً، أم بدايةً لمشكلةٍ جديدة؟ وهل سيؤثر هذا اللقاء على علاقتها بـ "ليلى"؟