حب الأبرار 157
صدى الماضي: أشباحٌ تتلبس
بقلم مريم الحسن
عادت "أمينة" إلى منزلها، ولكن عقابها ظل عالقاً في سوق الخضروات، مع شبح "خالد". صورة وجهه، نظراته، صوته، كل ذلك كان يتكرر أمام عينيها بلا توقف. شعرت بأنها تقف على حافة هاوية، وأن عليها أن تقاوم السقوط.
حاولت أن تتحدث مع "حسن"، زوجها، لكن الكلمات خانتها. كيف يمكنها أن تشرح له أن رجلاً من ماضيها قد عاد؟ وكيف يمكنها أن تبرر مشاعرها المختلطة؟ لم تكن تريد أن تجرحه، ولا أن تشكك في استقرار حياتهما.
في تلك الليلة، بينما كان "حسن" غافياً، استيقظت "أمينة". نظرت إليه، ورأت فيه رجلاً طيباً، منحها الأمان والاستقرار. ولكنه لم يكن "خالد". هذا التفكير، وإن كان مؤلماً، كان حقيقةً لا مفر منها.
فجأة، سمعت صوتاً يأتي من غرفة "ليلى". صوتٌ مكتومٌ، كأنه أنين. أسرعت "أمينة" نحو الغرفة، لتجد "ليلى" جالسةً على سريرها، تبكي بصمت.
"ليلى! حبيبتي، ما بكِ؟" سألت "أمينة" بقلقٍ وهي تحتضن ابنتها.
ارتعشت "ليلى" بين ذراعي والدتها، وقالت بصوتٍ مختنق: "لقد رأيت حلماً يا أمي. حلماً مخيفاً".
"ما هو الحلم؟"
"رأيت عمو أحمد. كان ينظر إليّ بغضبٍ، ويقول لي أنني أفسدت حياته. ثم رأيت نفسي أتعثر وأسقط في بئرٍ مظلمة".
أدركت "أمينة" أن ما كانت "ليلى" تشعر به، قد يكون مرتبطاً بما كانت "أمينة" نفسها تشعر به. هل كانت "ليلى" تشعر بضيقٍ ما، وبخوفٍ دون أن تعي سببه؟
ضمّت "أمينة" ابنتها بقوةٍ، وهمست في أذنها: "لا تخافي يا حبيبتي. الأحلام لا تسبب الضرر. ربما كان هذا حلماً بسبب تعبكِ، أو بسبب ما قرأتيه".
كانت "أمينة" تحاول أن تطمئن "ليلى"، ولكنها كانت تعلم أن هناك شيئاً أعمق. هل كانت "ليلى" تشعر بأن "أحمد" يبتعد عنها، وأن هذا الشعور يسبب لها قلقاً؟
في اليوم التالي، بينما كانت "أمينة" تتحدث مع "ليلى" عن أي شيءٍ يشغل بالها، قالت "ليلى" بصوتٍ متردد: "أمي، هل يمكن أن يكون عمو أحمد لا يحبني؟"
توقفت "أمينة" للحظة. "كيف تقولين ذلك يا حبيبتي؟ عمو أحمد يحبكِ كثيراً".
"لكنه كان يتحدث بطريقةٍ مختلفةٍ عني في الأيام الأخيرة. وكأنني أزعجه".
شعرت "أمينة" بوخزٍ في قلبها. هل كانت "ليلى" تلاحظ تغيراً في سلوك "أحمد"؟ هل كان "أحمد" يتأثر بما تمر به "ليلى"؟
"ربما هو فقط مشغولٌ بأموره، يا حبيبتي. لا تقلقي. كل شيءٍ سيكون بخير". حاولت "أمينة" أن تطمئنها، ولكنها شعرت بضبابٍ يحيط بها.
في نفس الأثناء، كان "أحمد" يعيش صراعاً داخلياً أشد. بعد محادثته مع "ليلى"، وبعد رؤيته لدموعها، شعر بنوعٍ من الذنب. كان يعلم أن إعجابه بـ "ليلى" كان يتجاوز الحدود، وأن هذه المشاعر قد تضر بها، وتضر بوالدتها.
في إحدى الليالي، بينما كان "أحمد" جالساً وحيداً في شقته، نظر إلى صورة "أمينة" المعلقة على الحائط. كانت صورة قديمة، تعود لأيام شبابها. شعر بالحنين إلى تلك الأيام، إلى براءتها، إلى نقاء قلبها.
"يا أمينة،" قال بصوتٍ خافت، "سامحيني. لقد أفسدت كل شيء. كنتِ وستبقين دائماً حب حياتي، ولكنني لم أستطع أن أتجاوز ما حدث. وأخشى أن تتأثر ليلى بسبب ما أشعر به."
تذكر "أحمد" ليلةً سعيدةً قضاها مع "أمينة" قبل سنوات. كان ذلك قبل أن يتفرقوا. كانت تلك الليلة مليئةً بالحب، بالأحلام، بالأمل. لكن الأقدار فرقتهم، وحملت "أمينة" إلى زواجٍ من رجلٍ آخر.
الآن، وبعد سنواتٍ من الفراق، وجد نفسه أمام ابنتها. ورغم أن "ليلى" كانت فتاةً رائعةً، إلا أن قلبه ظل متعلقاً بـ "أمينة". وكان يعلم أن هذه المشاعر غير صحيحة.
بدأ "أحمد" يتجنب "ليلى" قدر المستطاع. كان يرفض مكالماتها، ويتجنب لقاءاتها. كلما رأى دموعها، شعر بقلبه يتقطع. كان يحبها كابنته، لكنه لم يكن يستطيع أن يتعامل معها كأنه والدها، وهو يشعر بشعورٍ آخر.
"ليلى" شعرت بهذا التغير. لم تعد تفهم ما يحدث. لماذا أصبح "أحمد" بارداً تجاهها؟ هل ارتكبت خطأً؟ هل هو غاضبٌ منها؟
في إحدى المرات، بينما كانت "ليلى" في مكتبةٍ، رأت "أحمد" يتحدث مع رجلٍ غريب. كانت نبرة صوتهما تبدو حادةً. سمعت "أحمد" يقول: "لقد تعبت. لا أستطيع أن أتحمل هذا الوضع أكثر من ذلك. يجب أن أنسى الماضي، وأن أعيش حياتي."
شعر "أحمد" بأن هناك من يراقبه. استدار، ورأى "ليلى" تقف خلفه، بعينين مليئتين بالدهشة والحزن.
"عمو أحمد؟" قالت "ليلى" بصوتٍ مرتجف. "هل أنت بخير؟"
نظر "أحمد" إليها، وشعر بأن قلبه ينقبض. لقد أصبح وضعه معقداً. لم يعد الأمر مجرد إعجابٍ من طرف واحد، بل أصبح صراعاً بين ماضٍ مؤلمٍ، وحاضرٍ مشوشٍ، ومستقبلٍ مجهولٍ.
"أنا بخير يا ليلى،" قال "أحمد" بصوتٍ متعب. "عليّ الذهاب الآن."
ثم غادر مسرعاً، تاركاً "ليلى" واقفةً وحدها، تبكي بصمت. هل كانت مجرد تعبٍ، أم أنه كان يتحدث عن شيءٍ أعمق؟ هل كان "أحمد" يهرب منها، أم يهرب من ماضيه؟