حب الأبرار 157
بناء الجسور: نورٌ يتسلل
بقلم مريم الحسن
في غمرة الصراعات التي كانت تعصف بـ "ليلى" ووالدتها، كان "حسن"، زوج "أمينة" ووالد "ليلى"، يعيش حياته الهادئة، بعيداً عن دوامة المشاعر المتشابكة. كان رجلاً بسيطاً، طيب القلب، يعمل بجدٍ لتأمين حياةٍ كريمةٍ لأسرته. لم يكن يدرك حجم الاضطراب الذي يمر به كل من "أمينة" و"ليلى"، ولكنه كان يشعر ببعض التغير في سلوكيهما.
في أحد الأيام، وبينما كان "حسن" يقلب في أوراقٍ قديمةٍ تخص زوجته، عثر على دفتر ملاحظاتٍ صغيرٍ، مزينٍ برسوماتٍ جميلةٍ. فضوله دفعه لفتحه. كانت الصفحات مليئةً بكلماتٍ رقيقةٍ، وأبيات شعرٍ عذبة، ورسوماتٍ تعكس روحاً فنيةً مرهفة. كان يرى فيها "أمينة" التي عرفها قبل الزواج، الفتاة الشغوفة بالأدب والفن.
بين ثنايا الدفتر، وجد رسالةً بخطٍ قديمٍ، يبدو أنه لشابٍ. كانت الرسالة مليئةً بالشوق، وبالوعود. شعر "حسن" ببرودةٍ تتسلل إلى قلبه. هل كانت هذه الرسالة من رجلٍ آخر؟ هل كانت "أمينة" تحب شخصاً آخر قبل أن تلتقي به؟
شعر "حسن" بوخزةٍ من الغيرة، ولكنها لم تكن غيرةً مؤلمةً، بل كانت غيرةً تحمل بعض الحزن. لقد كان يعرف دائماً أن "أمينة" لم تبادله نفس الشغف الذي كان يكنه لها، لكنه كان يظن أن هذا طبيعي، وأن الحب ينمو مع الوقت.
قرر "حسن" أن يتحدث مع "أمينة". انتظر حتى المساء، عندما جلست "أمينة" في غرفتها، تتأمل صور "ليلى" وهي طفلة.
"أمينة،" قال "حسن" بهدوء، "كنت أتصفح بعض أوراقكِ اليوم، ووجدت هذا الدفتر. ومن فيه أشعر أنه يخص رجلاً آخر."
نظرت "أمينة" إليه، ورأت في عينيه بعض القلق. أمسكت بالدفتر، وشعرت بقلبها ينبض بسرعة. لم تكن تتوقع أبداً أن يعثر "حسن" على هذه الرسائل.
"هذا..." بدأت "أمينة" مترددة، "هذا من أيامٍ مضت يا حسن. قبل أن ألتقي بك."
"أعلم،" قال "حسن" بصوتٍ هادئ. "لكنه يظهر أنكِ كنتِ تحبين هذا الشخص كثيراً."
تنهدت "أمينة" بعمقٍ. "لقد كان حبّاً قوياً، نعم. ولكنه لم يكتمل. ثم أتيت أنت، ومنحتني حياةً مختلفةً، حياةً مستقرةً، وقدّرت ذلك كثيراً."
"ولكن هل أنتِ سعيدةً يا أمينة؟" سأل "حسن" بصدق.
شعرت "أمينة" بأنها تقف على مفترق طرق. هل يجب أن تقول الحقيقة؟ هل يجب أن تعترف بأنها لم تكن سعيدةً تماماً؟
"أنا ممتنةٌ لك يا حسن. أنت رجلٌ طيبٌ، ومنحتني عائلةً. ولكن..." ترددت.
"ولكن؟" شجعها "حسن".
"ولكن روحي كانت دائماً تبحث عن شيءٍ ما. عن ذلك الشغف، عن ذلك الإلهام الذي شعرت به في الماضي."
نظر "حسن" إليها، وشعر بالأسى. لقد كان رجلاً يحب زوجته، ولكنه لم يكن يشبه "خالد". لقد كان مختلفاً، بطريقته الخاصة.
"إذاً، ما الذي تريدينه يا أمينة؟" سأل "حسن" بصدق. "هل تريدين أن أكون شخصاً آخر؟"
"لا يا حسن،" قالت "أمينة" بسرعة، "أنت أبٌ رائعٌ لـ ليلى، وزوجٌ طيبٌ. ولكنني أحياناً أشعر بالوحدة، حتى وأنا معك. وكأنني لم أجد شريكي الروحي حقاً."
هذا الاعتراف كان ثقيلاً على "حسن". ولكنه كان يقدّر صدق "أمينة".
"أعلم يا أمينة. أعلم أنني لستُ بالرجل الرومانسي، ولا بالشاعر. ولكني أحبكِ. أحبكِ بطريقتي. وقد ضحيت بالكثير من أجلكِ وأجل ليلى."
"وأنا أعلم ذلك يا حسن،" قالت "أمينة" وهي تمسك بيده. "ولذلك لم أقل لك شيئاً. لم أرد أن أجرحك."
"ولكن الآن، ربما يجب أن نتحدث بصراحة،" قال "حسن". "ماذا عن ليلى؟ هل تريدين أن ترى ابنتكِ تعيش حياةً مليئةً بالصراعات؟"
فكرت "أمينة". لقد رأت القلق في عيني "ليلى"، ورأت اضطراب "أحمد". لقد كان عليها أن تجد حلاً، لا لنفسها فقط، بل لابنتها أيضاً.
"أعتقد أننا بحاجةٍ إلى أن نكون أقوياء، يا حسن. لكل منا أحلامه، ولكن يجب أن نضع عائلتنا أولاً. ربما، ربما نحتاج إلى إيجاد طريقةٍ لتجديد علاقتنا، لنكون أكثر قرباً."
بدأ "حسن" يفكر. لقد كان يعلم أن "أمينة" تحتاج إلى ما تفتقده. هل يمكنه أن يكون هو من يوفر لها ذلك؟
"ربما،" قال "حسن" بتفكير، "يمكننا أن نبدأ ببعض الأشياء الصغيرة. ربما نخرج معاً أكثر، نتحدث عن الأمور التي نحبها، نحاول أن نفهم بعضنا البعض أكثر."
ابتسمت "أمينة" ابتسامةً حقيقيةً، أول ابتسامةٍ حقيقيةٍ منذ زمنٍ طويل. "هذه فكرةٌ جيدةٌ يا حسن. حقاً جيدةٌ."
في هذه الأثناء، كان "أحمد" قد قرر أن يتخذ خطوةً جريئة. لم يعد يستطيع أن يعيش في ظل هذه المشاعر المتضاربة. لقد رأى "ليلى" تائهاً، ورأى "أمينة" حزينةً. كان عليه أن يعالج جرح الماضي، لكي يتمكن من المضي قدماً.
قرر "أحمد" أن يذهب إلى "خالد"، الرجل الذي كان يحب "أمينة" في الماضي. كان يبحث عن "خالد" منذ فترةٍ، وعلم أنه عاد إلى المدينة. كان هدفه هو أن يفهم سبب تخليه عن "أمينة"، وأن ينهي هذا الفصل من حياته.
عندما وجد "أحمد" "خالد"، كان رجلاً مرهقاً، ولكن طيب الملامح. جلس "أحمد" معه، وبدأ يتحدث.
"أنا أحمد، يا سيد خالد،" قال "أحمد". "أتيت لأتحدث معك عن أمينة."
نظر "خالد" إليه بدهشة، ثم قال: "أمينة؟ لقد مرت سنواتٌ طويلة."
"نعم،" قال "أحمد". "ولكنني أرى أنها لم تجد السعادة التي تستحقها. وأنا أتساءل، لماذا تركتها؟"
حكى "خالد" لـ "أحمد" قصته، عن مرضه، عن عائلته، عن ظروفه الصعبة. كان يبدو صادقاً، ومنكسراً.
"لقد أحببتها كثيراً،" قال "خالد" والدموع تترقرق في عينيه. "لكنني لم أكن أستطيع أن أتزوجها في تلك الظروف. كنت خائفاً أن أثقل كاهلها، وأن أفسد مستقبلها. لذلك، آثرت أن أبتعد."
استمع "أحمد" إلى كلام "خالد" بإنصات. لقد فهم الآن. لم يكن "خالد" شخصاً سيئاً، بل كان رجلاً اضطرته الظروف.
"لقد فعلت ما كنت تعتقد أنه الأفضل في ذلك الوقت،" قال "أحمد" بتقدير. "ولكن الآن، الوضع مختلف. "أمينة" لديها حياةٌ، ولديها ابنةٌ. أعتقد أن الوقت قد حان لتترك الماضي ورائك."
قال "خالد" وهو يهز رأسه: "لقد حاولت. ولكن بصراحة، رؤيتها مرةً أخرى، وهي تبيع الخضروات، جعلتني أشعر وكأنني فقدت كل شيء. ولكنك على حق. يجب أن أجد طريقي."
بعد هذه المحادثة، شعر "أحمد" بنوعٍ من الراحة. لقد ألقى الضوء على جرحٍ قديمٍ، وفتح الباب للشفاء. عاد "أحمد" إلى منزله، وهو يفكر في "ليلى". لقد كان عليه أن يعالج علاقته بها، وأن يوضح لها ما يحدث.