روح تبحث عنك 158

العطر الأول

بقلم مريم الحسن

كانت رائحة الياسمين الطازج تملأ أرجاء الفناء الواسع، تتسلل من بين أوراق اللبلاب المتسلقة على الجدران العتيقة، لتلتقي برائحة القهوة العربية المرة التي تفوح من دلّةٍ صُبَّتْ حديثاً. وقفت "ليلى" تتأمل السماء الصافية، وقد خبتْ شمس الأصيل تاركةً وراءها سحابةً ورديةً تتلاشى رويداً رويداً. كانت تلك اللحظة، لحظة الانتقال بين النهار والمساء، هي لحظتها المفضلة في كل يوم. فيها، تنقطع خيوط العالم المادية للحظة، وتتصل الروح ببحرٍ من السكون، حيث تتجلى فيها المعاني العميقة وتتعالى الهمسات الخفية.

ارتدت رداءً بسيطاً من القطن الخالص، بلونٍ أخضر زيتي يذكرها بخصوبة الأرض وروعة الطبيعة. شعرها الأسود الطويل، الذي كانت تتركه منسدلاً غالباً، كان الآن ملفوفاً بوشاحٍ من الشيفون بلونٍ أبيض ناصع، يظهر منه خصلاتٌ متمردةٌ تداعب عنقها. عيناها الواسعتان، اللتان تشبهان لون حبات البن المحمص، كانتا تتأملان أفقاً لم ترهُ من قبل، أفقاً مشوشاً بالغيوم المتراكمة، غيومٌ لم تكن ماديةً فحسب، بل كانت رمزاً لما يثقل كاهلها.

لم تكن ليلى مجرد فتاةٍ تعيش في بيتٍ كبيرٍ منعزلٍ عن صخب المدينة، يحيط به بستانٌ عريقٌ يشهد على أجيالٍ مرت. كانت روحاً نقيةً، تحمل في طياتها شغفاً عظيماً للعلم والمعرفة، وصبراً خارقاً يعينها على مصاعب الحياة. منذ صغرها، استقرت في هذا البيت بعد أن فقدت والديها في حادثٍ أليم، لتتربى على يد جدتها العاقلة، السيدة "فاطمة"، التي كانت موسوعةً من الحكمة والمعرفة، وشجرةَ أمانٍ وارفةٍ تحت ظلالها وجدت ليلى سلوتها.

كانت الجدة فاطمة تعاملها كابنتها، وتمنحها كل ما تحتاجه من حبٍ ورعايةٍ وتعليم. فقد علمتها قراءة القرآن الكريم بأحكام التجويد، وحفظت منها قصص الأنبياء والصالحين، وغرست في قلبها حب القراءة والمطالعة. كانت رفوف المكتبة الضخمة، الممتلئة بالكتب القديمة والحديثة، هي ملاذ ليلى الدائم. تقضي ساعاتٍ طوال فيها، تتنقل بين أوراق التاريخ والجغرافيا والأدب والفلك، كأنها تبحر في محيطٍ لا نهائي من المعرفة.

لكن في الآونة الأخيرة، بدأت تلاحظ تغيراً طفيفاً في سلوك جدتها. كانت السيدة فاطمة، التي لم تعرف عنها السآمة أو الكلل، تبدو أحياناً شارِدة الذهن، تحدق في الفراغ بنظراتٍ تحمل ثقلاً غريباً. وكانت هناك أوقاتٌ تتفقد فيها بريدها بحماسٍ غير مسبوق، ثم تعود لتجلس بجوار النافذة، وحدها، تنظر إلى الطريق المؤدي إلى المدينة، كأنها تنتظر شيئاً، أو شخصاً.

اليوم، كان هذا الانتظار ملحوظاً بشكلٍ خاص. منذ الصباح، وهي على هذه الحال. استدارت ليلى نحو الباب الخلفي للفناء، حيث تقبع غرفةُ جدتها. سمعت صوتاً خافتاً، كأنه أنينٌ مكتوم. تناهى إلى مسامعها صوتٌ غريبٌ، لم تسمع به من قبل. صوتٌ رجوليٌ عميقٌ، يتردد صداه في أذنيها.

"لا تقلقي يا جدتي، كل شيء سيكون على ما يرام."

لم يكن صوت الجدة فاطمة. من هذا؟ ومن أين جاء؟ تسارعت دقات قلب ليلى. لم يزرهم أحدٌ منذ زمنٍ طويل. والدها، رحمه الله، كان يسكن في المدينة، ولم يكن يزورهم إلا في المناسبات. أما أمها، فغابت عن الدنيا مع أبيها. ومنذ ذلك الحين، أصبح هذا البيت عالمهما الوحيد.

اقتربت ليلى بحذرٍ من الباب، خطى حذرةٍ كمن يمشي على زجاجٍ مكسور. وضعت يدها على مقبض الباب، مترددةً. همست في نفسها: "هل يجب أن أتدخل؟ هل الأمر يخصني؟"

ولكن فضولها، الذي لم يكن يوصف، ورغبتها في معرفة ما يدور حولها، تغلبت على ترددها. مدت يدها الأخرى، وفتحت الباب رويداً رويداً.

كانت الغرفة مضاءةً بضوءٍ خافتٍ ينسدل من النافذة. جلست جدتها على كرسيها الوثير، وشعرها الأبيض الفضي يلتف حول وجهها الهادئ، الذي بدت عليه علاماتُ الزمن. أمامها، جلس رجلٌ لم تعرفه قط. شابٌ في أواخر عقده الثاني، أو أوائل عقده الثالث. وجهه وسيمٌ، ملامحه عربيةٌ أصيلة، تتسم بجديةٍ لا تخلو من دفء. شعره أسودٌ فاحمٌ، وعيناه بلون القهوة الداكنة، كانتا تبدوان كالبحر الغامض، فيه عمقٌ واسعٌ وأسرارٌ خفية. يرتدي ثوباً أبيضَ نظيفاً، ويجلس بوقارٍ واحترام.

كانت حقيبةٌ جلديةٌ كبيرةٌ موضوعةٌ بجانبه على الأرض. وفي يده، كان يحمل كتاباً قديماً، غلافه مزخرفٌ بنقوشٍ ذهبيةٍ باهتة.

"جدتي،" قالت ليلى بصوتٍ خافتٍ، حاولت أن تبدو فيه هادئةً، لكن قلقها كان يرتسم على وجهها.

انتفض الرجل قليلاً، والتفت إليها. رأى ليلى في عينيه بريقاً مفاجئاً، ثم عاد ليتسم بالهدوء.

"من أنتِ؟" سألت الجدة فاطمة، وهي تنظر إلى ليلى بنظرةٍ تائهةٍ للحظة، قبل أن تستعيد وعيها.

"إنها ابنتي، جدتكِ،" قال الرجل بصوتٍ مريحٍ، ونبرةٍ فيها احترامٍ وتقدير. "لقد أخبرتكِ أنها ستأتي."

نظرت ليلى إلى جدتها، ثم إلى الرجل. لم تفهم شيئاً. لم تخبرها جدتها قط عن زيارةٍ قادمة. ولم يعرف أحدٌ عن وجود هذا البيت سوى قلةٌ من الناس.

"ابنتي؟" كررت الجدة فاطمة، وعيناها تتسعان دهشةً. "من تقصد؟"

"ليلى، جدتي،" قال الرجل، موجهاً حديثه إلى ليلى. "اسمي "يوسف". ولقد جئتُ بناءً على طلب جدتكِ. لدينا أمرٌ يجب أن نتناقشه."

شعرت ليلى بالارتباك. "يوسف؟" لم تسمع هذا الاسم من قبل. "لكن جدتي، من أين تعرفين هذا الرجل؟"

"هو ليس غريباً عن هذا البيت، يا ليلى،" قالت الجدة فاطمة، وبدأت تتضح في عينيها بعضُ المعاني. "هو ابنٌ للعائلة. ابنٌ لم تعد تتذكرينه."

"ابنٌ للعائلة؟" كررت ليلى، وهي تشعر بأن الأرض تدور بها. "لا أفهم. لم أسمع قط عن عائلةٍ أخرى."

"لقد كانت هناك عائلةٌ قبل أن يأتي والدكِ ويعيش هنا،" تابع الرجل، يوسف. "عائلةٌ مرتبطةٌ بجدتكِ بروابطَ قديمةٍ. لقد تركتُ هذه الكتبَ، وأنا على وشك أن أقدمَ لكِ شرحاً لما فيها."

مد يوسف يده نحو الحقيبة الجلدية، وفتحها. كانت مليئةً بالوثائق القديمة، ورسائلٌ مختومةٌ بخواتمَ غريبة. كانت رائحةُ الأوراقِ القديمةِ تفوح منها، ممزوجةً برائحةِ الحبرِ الذي جفَّ منذُ زمنٍ طويل.

"هذهِ أوراقٌ عائلية، يا ليلى،" قال يوسف، وعيناه تتوهجان بجديةٍ. "وثائقُ تبينُ حقائقَ غائبةٍ عنكِ. حقائقَ تتعلقُ بتاريخِ هذا البيتِ، وتاريخِ عائلتكِ. جدتكِ أرادتْ أن تعرفي الحقيقةَ قبلَ فواتِ الأوان."

تسمرت ليلى في مكانها، قلبها يخفقُ بعنف. هل كانت هناك عائلةٌ أخرى؟ هل كانت هناك حقائقَ غائبةً عنها؟ هل كانت حياتها الهادئةُ مجردَ وهمٍ؟

رفعت بصرها نحو جدتها، التي كانت تنظر إليها بعينينِ تحملانُ الكثيرَ من الشفقةِ والأسى. ثم نظرت إلى يوسف، هذا الغريبِ الذي دخلَ حياتها فجأةً، محملاً بالأسرارِ والغموض.

"ما هي هذهِ الحقائقُ؟" سألت ليلى، بصوتٍ يكادُ يكونُ مسموعاً. "وما هو المطلوبُ مني؟"

ابتسم يوسف ابتسامةً خفيفةً، لا تخلو من حزن. "الأمرُ أكبرُ مما تتخيلين، يا ليلى. إنها حكايةٌ قديمةٌ، مليئةٌ بالحبِ والخيانةِ، والأحلامِ المؤجلةِ. وحكايةُ هذهِ الروحِ التي تبحثُ عنكَ... وربما تبحثُ عني أيضاً."

تلاشتْ آخرُ خيوطِ الشمسِ، وغاصَ الفناءُ في ظلامٍ نسبِيٍ. لكنْ في غرفةِ الجدةِ فاطمة، اشتعلَ ضوءٌ جديدٌ، ضوءٌ أضاءَ درباً لم تكنْ ليلى تتوقعُ أن تسلكهُ أبداً. درباً من الماضي، يحملُ مفتاحَ مستقبلٍ لم تُكتَبْ بعدُ كلماته.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%