روح تبحث عنك 158
بوادر التغيير وأصداء الماضي
بقلم مريم الحسن
بدأت الحياة تدبُّ في عروق المستشفى، ومعها، بدأت الحياة تدبُّ في عروق ياسمين. كانت والدتها، بعد أن استقرت حالتها، قد نُقلت إلى غرفةٍ عادية، وبدأت تتعافى شيئاً فشيئاً. أصبحت زيارات ياسمين لها أكثر انتظاماً، وكانت تجلس بجوارها لساعاتٍ طويلة، تتحدث معها، وتقرأ لها، وتشجعها على تناول الطعام.
في أحد الأيام، وبينما كانت ياسمين ترتب بعض الكتب على رفٍ في غرفة والدتها، عثرت على ألبوم صورٍ قديم. فتحته بحذر، لتجد بداخله صوراً لعائلتها، ولأيامٍ جميلةٍ من الماضي. كانت هناك صورٌ لها وهي طفلةٌ صغيرة، وصورٌ لوالديها في شبابهما، وصورٌ لرحلاتٍ عائليةٍ سعيدة.
وبين الصفحات، وجدت صوراً لعماد، وهو طفلٌ صغيرٌ مع والده، ومع ياسمين ووالديها. كانت ذكرياتٌ جميلةٌ، تذكرها بأيامٍ كانت فيها الحياة أبسط، وكانت فيها السعادة أقرب.
أعادتها هذه الصور إلى الأيام الخوالي، إلى زمنٍ كانت فيه العلاقة بين عائلتها وعائلة عماد قويةً ومتينة. كانت تعرف أنَّ والدها كان يكنُّ احتراماً عميقاً لوالد عماد، وأنَّ والد عماد كان يعتبر أحمد صديقاً حميماً.
في تلك اللحظة، دخل عماد الغرفة. كان يرتدي ملابس أنيقة، ويحمل في يده باقةً من الورد. "صباح الخير، ياسمين،" قال بابتسامةٍ هادئة. "كيف حال الوالدة اليوم؟"
"صباح النور، عماد،" قالت ياسمين، وهي تشعر بالارتياح لرؤيته. "الحمد لله، إنها تتحسن. تفضل بالجلوس."
جلس عماد بجانبها، وتصفح معها ألبوم الصور. "يا لها من ذكرياتٍ رائعة!" قال وهو يبتسم. "أتذكر هذه الرحلة إلى الصحراء؟ لقد كانت ممتعةً جداً."
"نعم، أتذكر،" قالت ياسمين، "لقد أحببتُ تلك الأيام كثيراً."
"كان والدكَ رجلاً حكيماً،" قال عماد، "لقد علمني الكثير."
"وهو كذلك،" قالت ياسمين، "لقد كان معلماً لي أيضاً."
كان حديثهما هادئاً ومريحاً، يخلو من أي تكلف. شعر كل منهما بأنَّ الآخر يفهمه.
"ياسمين،" قال عماد بعد فترةٍ من الصمت، "لقد تحدثتُ مع أمي. إنها قلقةٌ عليكِ."
نظرت ياسمين إلى عماد، وشعرت بالارتباك. "والدتكِ؟"
"نعم،" قال عماد، "إنها ترى أنَّكِ تمرّين بوقتٍ عصيب، وأنَّكِ بحاجةٍ إلى شخصٍ يقف بجانبك."
"لقد كانت لطيفةً جداً،" قالت ياسمين، "ولكنَّني لا أريد أن أكون عبئاً على أحد."
"لم تكوني عبئاً أبداً،" قال عماد، "بل أنتِ غاليةٌ على الجميع. وأمي، ترى فيكِ شريكةَ حياةٍ مناسبةً لي."
صُدمت ياسمين. كانت تعلم أنَّ والدة عماد كانت تحاول دفعها نحو عماد، ولكنَّها لم تتوقع أن يكون الأمر بهذه الجدية.
"عماد،" قالت ياسمين بصوتٍ مرتجف، "لا أعتقد أنَّ هذا مناسبٌ الآن."
"لماذا؟" سأل عماد، "هل أنتِ غير مستعدة؟"
"ربما،" قالت ياسمين، "ولكنَّ الأمر أكبر من ذلك. أنا ما زلتُ أتعافى من تجاربي الماضية، وأحتاج إلى وقتٍ لأفهم نفسي جيداً."
"أتفهم ذلك،" قال عماد، "ولكنَّني أرى فيكِ شيئاً مميزاً، ياسمين. أرى فيكِ القوة، والجمال، والعفوية. وأعتقد أنَّنا يمكن أن نكون سعيدين معاً."
كانت كلماته صادقةً، ولمست شيئاً في قلب ياسمين. لقد شعرت ببعض الإعجاب به، وبطريقته في التعامل مع الأمور.
"عماد،" قالت ياسمين، "أنا أشكرك على مشاعرك الطيبة، وعلى دعمك. ولكنَّني أحتاج إلى وقتٍ لأفكر."
"خذي كل الوقت الذي تحتاجينه،" قال عماد، "ولكنَّني أريدكِ أن تعلمي أنَّني هنا من أجلكِ."
في تلك اللحظة، دخلت الممرضة لتتفقد حالة الوالدة. انتهت المحادثة بينهما، وشعرت ياسمين بنوعٍ من الراحة، ولكنَّها شعرت أيضاً ببعض الارتباك.
في تلك الليلة، وبينما كانت ياسمين تجلس بجوار والدتها، شعرت بأنَّ الأمور بدأت تتغير. لقد بدأت تشعر بأنَّها ليست وحدها تماماً. لقد بدأت تشعر ببعض الأمل.
ولكنَّها لم تنسَ تجاربها الماضية. كانت تعلم أنَّ الحياة قد تحملُ مفاجآتٍ، وأنَّ الأمور قد لا تسير دائماً كما تخطط.
في الأيام التالية، بدأت ياسمين تتعافى بسرعةٍ أكبر. كانت تشعر بأنَّ القوة تعود إلى جسدها، وأنَّ الحزن بدأ يختفي من قلبها.
كانت زيارات عماد لها منتظمة، وكانت محادثاتهما تحملُ دائماً شيئاً من الود واللطف. بدأ ياسمين يشعر بأنَّها تستطيع الوثوق به، وأنَّه شخصٌ يمكن الاعتماد عليه.
ولكنَّها كانت حذرةً. كانت تعلم أنَّ علاقةً كهذه تتطلب وقتاً وجهداً، وأنَّ عليها أن تتأكد من أنَّها مستعدةً قبل أن تتخذ أي قرار.
في أحد الأيام، بينما كانت ياسمين تتحدث مع والدتها، قالت لها: "يا أمي، لقد كنتِ دائماً مصدر قوتي. أشكركِ على كل شيء."
ابتسمت الأم ابتسامةً حانية. "وأنتِ يا ابنتي، كنتِ دائماً نور حياتي. لا تقلقي، كل شيءٍ سيكون على ما يرام."
كانت هذه الكلمات مطمئنةً، وشجعت ياسمين على المضي قدماً.
لقد بدأت بوادر التغيير تظهر في حياتها. لقد بدأت تشعر بأنَّها قادرةٌ على الحب مرةً أخرى، وأنَّها قادرةٌ على بناء مستقبلٍ مشرق.
ولكنَّها لم تكن تعلم أنَّ الماضي لا يزال يخبئ لها بعض المفاجآت.