الفصل 11 / 25

روح تبحث عنك 158

همس الذكريات وعبق اليقين

بقلم مريم الحسن

كانت ليلةً من ليالي شهر رمضان المبارك، تتلألأ فيها النجوم كأنها كنوز مدفونة في مخمل السماء، وينفح فيها نسيمٌ عليلٌ يحمل معه عبق البخور والورد. جلستْ ليلى في شرفتها المطلة على حديقة منزل جدتها الوارفة الظلال، وقد غطى سكون الليل أحشاءها، إلا من همسات الذكريات التي كانت تداعب شغاف قلبها. كانت تتأمل في وجه القمر المكتمل، الذي بدا كمرآة عاكسة لروحها المضطربة.

قبل بضعة أيام، عادت والدتها إلى بلدتها بعد زيارةٍ قصيرةٍ لشقيقتها، وكانت عودتها محملةً بأخبارٍ قلبتْ كيان ليلى رأسًا على عقب. أخبارٌ تتعلق بالماضي، بماضٍ ظنته مدفونًا تحت رمال النسيان. لقد كشفت لها والدتها أن والدها، الذي فقدته في ريعان شبابه، لم يكن مجرد شابٍ عادي، بل كان رجلًا ذو مبادئ راسخة، وحلمٍ نبيلٍ نسجه بخيوطٍ من الإيمان والعمل. وبدأت الأم تكشف لها شيئًا فشيئًا عن مشروعٍ كان والدها يخطط له، مشروعٍ يهدف إلى إنشاء دارٍ للأيتام، يرعى فيها هؤلاء البراعم الضائعة، يمنحهم الأمان والدفء، ويزرع في نفوسهم الأمل بمستقبلٍ مشرق.

"لم أكن أعلم كل هذا، يا أمي!" قالت ليلى بصوتٍ مرتعشٍ وهي تتذكر وقع كلمات والدتها. "لماذا لم تخبريني من قبل؟"

ابتسمت الأم ابتسامةً حزينة. "كنتُ صغيرةً يا ابنتي، ولم تكن الظروف مواتيةً لذلك. ثم إن الزمن غيّر الأحوال، وبدا الحلم مستحيلًا. لكن عمتك، وهي التي كانت تعرف والدك عن قرب، أصرت على أن أشارككِ هذه الأمانة. قالت إن روح أبيكِ لا تزال تتردد بيننا، تبحث عن من يكمل ما بدأه."

تنهدت ليلى بعمق. لطالما شعرت بفراغٍ في حياتها، فراغٍ لم تستطع ملأه أي مساعٍ أو إنجازات. كانت تشعر بأنها بحاجةٍ إلى رسالةٍ أسمى، إلى هدفٍ يمنح حياتها معنىً حقيقيًا. والآن، يبدو أن هذه الرسالة قد وصلت إليها، تحملها ذكريات والدٍ لم تعرفه إلا من خلال القصص والصور، ورسالةٍ أمانةٍ من قلبٍ نابضٍ بالحب والرحمة.

في صباح اليوم التالي، اجتمعت ليلى بجدتها، السيدة فاطمة، التي كانت مثالًا للعطاء والتفاني. تحدثت ليلى عن خطة والدها، وعن رغبتها العميقة في إحياء هذا المشروع. كانت عينا السيدة فاطمة تلمعان بالتقدير والفخر. "يا بنيتي، هذا هو الإرث الحقيقي. والدك كان رجلًا صالحًا، وحلمه نبيل. سأكون معكِ في كل خطوة. مالكِ وحلالكِ، وجاهي وعقلي، كله ملكٌ لهذا المشروع."

كان دعم جدتها بمثابة شعلةٍ أضاءت درب ليلى. بدأت ليلى تبحث عن كل ما يتعلق بدار الأيتام. زارت عدة دورٍ عاملةٍ في المدينة، تحدثت إلى المشرفين، واستمعت إلى قصص الأطفال. كان كل لقاءٍ يغذي شغفها، ويزيد من تصميمها. بدأت ترسم الخطوط العريضة للمشروع، تضع التصورات، وتدرس الجدوى.

في غضون ذلك، كان عبد الرحمن، الشاب الواعد الذي تقدم لخطبة ليلى، يشعر بقلقٍ متزايد. لاحظ تغيرًا في سلوكها، انشغالها المتزايد، وابتعادها النسبي عنه. في إحدى الأمسيات، وبعد صلاة العشاء، وجد عبد الرحمن فرصةً للتحدث إليها بمفردها.

"ليلى، هل كل شيءٍ على ما يرام؟" سأل بصوتٍ خافتٍ، وقد امتلأت عيناه بالقلق. "لاحظتُ أنكِ مشغولةٌ جدًا في الآونة الأخيرة. هل هناك ما يزعجكِ؟"

نظرت إليه ليلى، ورأت في عينيه الصدق والنقاء. ابتسمت ابتسامةً خجولة. "في الحقيقة، نعم يا عبد الرحمن. هناك أمرٌ يشغل بالي كثيرًا، أمرٌ يتعلق بوالدي الراحل."

بدأت ليلى تشرح له عن مشروع دار الأيتام، عن حلم والدها، وعن رغبتها في تحقيقه. استمع عبد الرحمن بانتباهٍ شديد، وهو يشعر بإعجابٍ عميقٍ ينمو في قلبه. لم يكن يتوقع أبدًا أن تكون ليلى بهذا الحجم من الالتزام والإنسانية.

"هذا أمرٌ رائعٌ جدًا يا ليلى!" قال عبد الرحمن بصدقٍ. "لا أستطيع أن أصف لكِ مدى فخري بكِ. والدك كان رجلًا عظيمًا، وأنتِ تحملين إرثه النبيل. أنا معكِ، بقلبي وروحي. كيف يمكنني المساعدة؟"

كانت هذه الكلمات بمثابة بلسمٍ لروح ليلى. شعرت بأنها لم تعد وحدها في مواجهة هذا التحدي. كان دعم عبد الرحمن، وبكل هذا القدر من الحماس والإخلاص، يعني لها الكثير. فقد أدركت أن هذا المشروع ليس مجرد مهمةٍ إنسانية، بل هو أيضًا فرصةٌ لتقوية العلاقة بينها وبين الشاب الذي اختاره قلبها، والذي يبدو أنه يشاركها نفس القيم والمبادئ.

في الأيام التالية، بدأ العمل على قدمٍ وساق. قدمت ليلى خططها الأولية إلى بعض الجهات الخيرية، ووجدت تجاوبًا مبشرًا. بدأت تستعين ببعض الأصدقاء المتخصصين في مجالاتٍ مختلفة، وبدأت تتلقى الدعم المعنوي والمادي من عائلتها وأصدقائها. كل يومٍ كان يحمل معه تحديًا جديدًا، وفرصةً جديدةً للتعلم والنمو.

لم تكن الطريق مفروشةً بالورود. واجهت ليلى بعض العقبات، بعض الاعتراضات، وبعض الشكوك. كان هناك من يقول إن المشروع كبيرٌ جدًا، وإن الإمكانيات محدودة. كان هناك من يشكك في قدرتها على إدارة مثل هذا المشروع. لكن ليلى، بقلبها المؤمن وعزيمتها الصلبة، كانت تتجاوز كل هذه الصعاب. كانت تستمد قوتها من إيمانها، ومن دعم عائلتها، ومن حبها لذكرى والدها.

وفي إحدى الأمسيات، بينما كانت ليلى تتفحص بعض التصاميم الهندسية للمبنى المقترح، وصلها اتصالٌ من عبد الرحمن.

"ليلى، هل لديكِ وقتٌ الآن؟" سأل بصوتٍ مرح. "لدي مفاجأةٌ لكِ."

"مفاجأة؟" تساءلت ليلى بفضول. "ما هي؟"

"تعالي وشاهدي بنفسكِ. إنها في مكانٍ قريبٍ من منزلكم."

انتهت ليلى من عملها بسرعة، وارتدت حجابها، وانطلقت للقاء عبد الرحمن. وجدته واقفًا أمام بابٍ صغيرٍ مهجورٍ في أحد شوارع المدينة القديمة. كان المكان يبدو بالكاد صالحًا للسكن، لكن عينيه كانتا تلمعان بتفاؤلٍ شديد.

"ما هذا المكان يا عبد الرحمن؟" سألت ليلى وهي تنظر حولها.

ابتسم عبد الرحمن ابتسامةً واسعة. "لقد علمتُ أنكِ تبحثين عن مكانٍ مناسبٍ لدار الأيتام. هذا المكان لم يكن في خططكِ، أليس كذلك؟"

"لا، لم أكن أعرف بوجوده."

"لقد سمعتُ أن هذا المبنى متهالكٌ ويكاد يكون مهجورًا، وأن صاحبه لا يعرف ماذا يفعل به. لقد تحدثتُ مع صاحبه، وعرضتُ عليه مبلغًا بسيطًا جدًا، وسألتُه إن كان مستعدًا لبيعه لنا بسعرٍ رمزي، إن عرف أننا سنعيد إحياءه لخدمة فئةٍ تحتاج إلى الرعاية. لقد وافق! هذا المكان، بعد ترميمه وتجهيزه، يمكن أن يكون نواةً لدار الأيتام الذي تحلمين به. لقد أردتُ أن أشارككِ هذه الخطوة الأولى، بخطوةٍ عمليةٍ ملموسة."

وقفت ليلى مذهولةً. لم يكن مجرد دعمٍ معنوي، بل كان دعمًا ماديًا وعمليًا. نظرت إلى المبنى القديم، وتخيلته يتحول إلى ملاذٍ آمنٍ للأطفال. ثم نظرت إلى عبد الرحمن، ورأت فيه شريكًا حقيقيًا في الحلم، ورجلًا يستحق كل ثقةٍ واحترام. شعرت بأن روح والدها كانت تبارك هذه الخطوة، وبأنها تسير على الطريق الصحيح.

"شكرًا لك يا عبد الرحمن، شكرًا جزيلًا." قالت ليلى بصوتٍ خافتٍ، وقد غمرتها مشاعر الامتنان. "لقد فاجأتني حقًا. أنتَ بالفعل شريكٌ نبيلٌ في هذه المسيرة."

"ولي الشرف يا ليلى، ولي الشرف." أجاب عبد الرحمن، وعيناه لا تفارقان عينيها. "وإن شاء الله، سنرى معًا هذا المكان يفيض بالحياة والأمل."

نظرت ليلى إلى المبنى المهجور، وبدأت تتخيل مستقبلًا مشرقًا يبدأ من هنا، من هذه العزيمة المشتركة، ومن هذا الحب الذي ينمو في الله، وبين حدود الشرع. أغمضت عينيها للحظة، واستنشقت عبق اليقين الذي ملأ قلبها. كانت تشعر بأن روح والدها كانت تحلق حولها، تبارك خطوتها، وتشجعها على المضي قدمًا.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%