روح تبحث عنك 158

شفقٌ ذابل

بقلم مريم الحسن

جلس يوسف أمام ليلى، والكتبُ القديمةُ مبعثرةٌ بينهما كأنها أطلالٌ من حضارةٍ بادت. رائحةُ الورقِ العتيقِ، وشذى البخورِ الخفيفِ الذي كانَ يملأُ الغرفةَ، خلقا جواً من الغموضِ والسحرِ. كانت ليلى لا تزالُ تشعرُ بالصدمةِ، وبأنها انتقلتْ فجأةً من عالمِ الهدوءِ المعزولِ إلى قلبِ عاصفةٍ من الأسرارِ.

"لستُ متأكدةً أنني أفهمُ كلَّ هذا،" قالت ليلى أخيراً، صوتها كانَ فيهِ رجفةٌ خفيفةٌ. "عائلةٌ أخرى؟ تاريخٌ لم أعرفهُ؟"

ابتسم يوسف ابتسامةً واسعةً هذهِ المرة، فيها شيءٌ من الراحةِ. "الأمرُ طبيعيٌ أن تشعري بالارتباكِ. لم يكنْ لديَّ الوقتُ الكافي لأشرحَ لكِ كلَّ شيءٍ. لكنَّ جدتكِ، السيدةَ فاطمةَ، أصرتْ على رؤيتي اليومَ. هناكَ أمورٌ مستعجلةٌ."

تنهدتْ الجدةُ فاطمةُ، التي كانتْ تراقبُ الحديثَ بعينينِ حمراوينِ. "هذهِ الكتبُ، يا ليلى، ليستْ مجردَ أوراقٍ باليةٍ. إنها ذكرياتٌ، وعهودٌ، وحكايا لا تزالُ تبحثُ عن خاتمتها. والدكِ، رحمهُ اللهُ، لم يكنْ يريدُ لكِ أن تعرفي عن هذا الأمرِ شيئاً. كانَ يعتقدُ أنَّ الماضي قدْ انتهى."

"لكنَّ الماضي لا ينتهي أبداً، يا جدتي،" قال يوسف بصوتٍ هادئٍ. "إنهُ يسكنُ فينا، وفي الأماكنِ، وفي الأغراضِ. وهذهِ الوثائقُ، هيَ الدليلُ على أنَّ هناكَ فصلاً كاملاً من قصةِ عائلتكم لم يُقرأ بعد."

مدَّ يوسف يدهُ نحو كتابٍ كبيرٍ، غلافهُ جلديٌ، وعنوانهُ بالخطِ العربيِ القديمِ: "ميراثُ العزِّ". فتحهُ ببطءٍ، تكشفتْ عن صفحةٍ مليئةٍ بالرسوماتِ الدقيقةِ، ونقوشٍ هندسيةٍ معقدةٍ.

"هذا الكتابُ، يا ليلى، هوَ سجلُّ عائلةٍ عريقةٍ، ترجعُ أصولها إلى قرونٍ مضتْ. عائلةٌ اشتهرتْ بالتقوى، وبالعلمِ، وبالإخلاصِ. جدتكِ، السيدةَ فاطمةَ، هيَ آخرُ سلالةِ تلكَ العائلةِ. وجدتكِ، والدةُ والدكِ، كانتْ هيَ حارسةَ هذا الإرثِ."

"لكنَّ والدي لم يكنْ يتحدثُ عن أيِّ عائلةٍ غيرَ عائلتنا الصغيرةِ،" قالت ليلى، شعورٌ بالضياعِ بدأَ يتملكها. "كانَ دائماً يقولُ إننا الوحيدون."

"لقدْ كانَ مضطراً لذلكَ،" قال يوسف. "لقدْ حدثَ أمرٌ ما، قبلَ سنواتٍ طويلةٍ، فصلَ بينَ فرعينِ من هذهِ العائلةِ. فرعٌ بقيَ هنا، في هذا البيتِ، وفرعٌ هاجرَ بحثاً عن حياةٍ جديدةٍ. والدكِ، اختارَ أنْ يعيشَ في عزلةٍ، كيْ يحميَكِ من ألمِ الماضي."

"وما هوَ دورُكِ أنتَ في كلِّ هذا؟" سألت ليلى، تحاولُ أنْ تفهمَ الرابطَ بينها وبينَ هذا الرجلِ.

"لقدْ كنتُ، ولا أزالُ، مرتبطاً بتلكَ العائلةِ. عائلتي، هيَ جزءٌ من هذا الإرثِ. لقدْ كُلِّفتُ، أنا ووالدي قبلي، بالمحافظةِ على هذهِ الوثائقِ، والتأكدِ من وصولها إلى منْ يستحقها. وجدتكِ، طلبتْ مني أنْ آتيَ، لأنها تشعرُ أنَّ الوقتَ قدْ حانَ. أنَّ هناكَ نبوءةً قديمةً، يجبُ أنْ تتحققَ."

"نبوءةٌ؟" كررت ليلى، عيناها الواسعتانِ تتسعانُ أكثرَ. "ما هيَ هذهِ النبوءةُ؟"

"إنها تتعلقُ بالروحِ، يا ليلى،" قال يوسف، ونبرةُ صوتهِ أصبحتْ أكثرَ عمقاً. "روحٌ نبيلةٌ، تبحثُ عنْ نورٍ يهديها، وعنْ حبٍ يكملها. وهناك منْ ينتظرُ هذهِ الروحَ، منذُ زمنٍ بعيدٍ."

أحستْ ليلى بقشعريرةٍ تسري في جسدها. لم تفهمْ تماماً معنى كلامهِ، لكنها شعرتْ أنَّ هناكَ شيئاً عظيماً، وشيئاً مؤثراً، يتدلى فوقَ حياتها.

"وهلْ... هلْ أنا هذهِ الروحُ؟" سألت بصوتٍ خافتٍ، لا يكادُ يسمعُ.

نظرَ إليها يوسف، وتلاقتْ عيناهما. رأى في عينيهِ مزيجاً من الشفقةِ، والإعجابِ، والشيءِ الذي لم تستطعْ ليلى أنْ تسميهِ.

"هذا ما سنكتشفهُ، يا ليلى،" أجابَ بصوتٍ رقيقٍ. "جدتكِ، أرادتْ أنْ تعرفي القصةَ كاملةً. القصةَ التي بدأتْ بخطأٍ، واستمرتْ بدموعٍ، وتحتاجُ الآنَ إلى حبٍ ليُعيدَ الأمورَ إلى نصابها."

بدأَ يوسف بسردِ قصةٍ طويلةٍ، بدأتْ بزواجٍ لم يتمَّ، وبحبٍّ ضاعَ في غياهبِ الظلمِ. كانتْ القصةُ عنْ جدةِ جدتهِ، امرأةٍ اسمها "زهرة"، أحبتْ شاباً منْ عائلةٍ أخرى، لكنَّ الظروفَ والنزاعاتِ العائليةَ فرقتْ بينهما. ولقدْ تركَ هذا الحبُّ المفقودُ وراءهُ أثراً عميقاً، أثراً امتدَّ عبرَ الأجيالِ، وظلَّ يبحثُ عنْ خلاصٍ.

"لقدْ ظلتْ زهرةُ تنتظرُ، يا ليلى،" قال يوسف. "كانتْ تعلمُ أنَّ هناكَ رابطاً روحياً بينها وبينَ هذا الرجلِ، رابطاً لا تكسرهُ الأيامُ. وفي رسائلها، التي بينَ يديَّ، تتحدثُ عنْ روحٍ ستبحثُ عنها، وعنْ حبٍّ سيُعيدُ بناءَ ما تهدمَ."

شعرَتْ ليلى بشيءٍ غريبٍ، كأنَّ قصةَ زهرةَ، قصةٌ تلامسُ وتراً حساساً في روحها. كانتْ ترى نفسها في تلكَ المرأةِ التي انتظرتْ طويلاً، وتمنتْ لقاءً لم يحدثْ.

"وهلْ... هلْ وجدتْ زهرةُ هذا الحبَّ؟" سألت ليلى، تتمنى الإجابةَ التي تتمناها.

"لم تعرفْ زهرةُ، حقاً، لكنها آمنتْ بهِ،" قال يوسف. "لقدْ تركتْ هذا الإرثَ، هذا الكتابَ، وهذهِ الوثائقَ، كأمانةٍ للأجيالِ القادمةِ. ووعدتْ أنَّ هذهِ الروحَ، التي تبحثُ عنها، ستظهرُ في يومٍ منَ الأيامِ، عندما يحينُ الوقتُ المناسبُ."

نظرَ يوسف إلى ليلى، ثمَّ إلى الكتابِ. "وأعتقدُ، يا ليلى، أنَّ الوقتَ قدْ حانَ. جدتكِ، السيدةَ فاطمةَ، هيَ آخرُ منْ بقيَ منْ هذهِ السلالةِ. وهيَ تشعرُ أنَّ مهمتها قدْ انتهتْ، وأنَّ دوركِ قدْ بدأَ."

بدأتْ ليلى تشعرُ بثقلِ هذهِ الكلماتِ. هلْ حقاً كانتْ هيَ هذهِ الروحُ؟ هلْ كانتْ مجردَ فتاةٍ تقضي وقتها بينَ الكتبِ، أمْ أنها تحملُ بداخلها شيئاً أعمقَ، وشيئاً لا تدركهُ؟

"لكنَّ... لكنَّ هذا يعني أنَّ هناكَ شخصاً ينتظرني؟" سألت ليلى، صوتها خرجَ أضعفَ مما أرادتْ.

"نعم،" قال يوسف، وعيناهُ تثبتانِ عليها. "هناك منْ ينتظرُ هذهِ الروحَ. شخصٌ قدْ لا يعرفُ اسمكِ، لكنهُ يشعرُ بوجودكِ. وشخصٌ، قدْ يكونُ جزءاً من هذهِ القصةِ أيضاً."

انتابتْ ليلى موجةٌ منَ المشاعرِ المتضاربةِ. خوفٌ من المجهولِ، وشوقٌ غريبٌ لما لم تعرفهُ، وحيرةٌ كبيرةٌ. هلْ كانتْ تستحقُّ هذا الاهتمامَ؟ هلْ كانتْ قادرةً على حملِ هذا الإرثِ؟

"لا أعتقدُ أنني أستطيعُ،" قالت ليلى هامسةً. "أنا مجردُ فتاةٍ بسيطةٍ."

"الروحُ النبيلةُ، لا تعرفُ حدوداً، يا ليلى،" قال يوسف. "والقلبُ الطاهرُ، هوَ منْ يصنعُ المعجزاتِ. جدتكِ، آمنتْ بكِ، وأنا آمنتُ بكِ. هذهِ القصةُ، ليستْ عنْ شخصٍ واحدٍ، بلْ عنْ حبٍّ ينتقلُ عبرَ الزمانِ، يبحثُ عنْ اكتمالهِ."

أمسكَ يوسف بيدِ ليلى، برفقٍ واحترامٍ. كانتْ يدهُ دافئةً، ومليئةً بالقوةِ. "لقدْ بدأتْ الرحلةُ، يا ليلى. رحلةٌ ستكشفُ لكِ عنْ نفسكِ، وعنْ ماضيكِ، وعنْ مستقبلكِ. استعدي، لأنَّ الشفقَ الذي رأيتهُ عندَ غروبِ الشمسِ، كانَ مجردَ بدايةٍ لقصةٍ جديدةٍ."

نظرتْ ليلى إلى النافذةِ، حيثُ بدأتْ النجومُ تظهرُ في السماءِ المظلمةِ. شعرتْ كأنَّ كلَّ نجمةٍ تحملُ جزءاً من قصةِ زهرةَ، وقصةَ جدتها، وقصةَ يوسفَ، وقصتها هيَ. لم تعدْ ليلى مجردَ فتاةٍ تعيشُ في عزلةٍ. أصبحتْ جزءاً من حكايةٍ قديمةٍ، حكايةٍ بدأتْ معَ شفقٍ ذابلٍ، وتنتهي معَ فجرٍ جديدٍ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%