روح تبحث عنك 158
خيوطٌ متشابكة
بقلم مريم الحسن
كانتْ ليلةً طويلةً، امتلأتْ بالأسئلةِ والإجاباتِ الناقصةِ. تركتْ ليلى غرفةَ جدتها، وعقلها يدورُ بفعلِ كميةِ المعلوماتِ الجديدةِ التي تلقتها. لم تكنْ تتخيلُ أبداً أنَّ حياتها ستأخذُ هذا المنحنى الدراماتيكي. كانتْ دائماً تفكرُ في المستقبلِ كصفحةٍ بيضاءَ، تنتظرُ أنْ تكتبَ عليها قصتها الهادئةَ، ربما معَ رجلٍ طيبٍ، يكبرانِ معاً في هذا البيتِ الكبيرِ. لكنَّ ظهورَ يوسفَ، وظهورَ هذهِ الأسرارِ، غيّرَ كلَّ شيءٍ.
عادتْ إلى غرفتها، التي كانتْ ملاذها الهادئَ. أضاءتْ مصباحاً خافتاً، وجلستْ على حافةِ سريرها. رفعتْ بصرها إلى رفوفِ الكتبِ التي أحاطتْ بها، كأنها أصدقاءُ صامتونَ. لكنَّ هذهِ الكتبَ، التي كانتْ تأوي إليها دائماً، لم تعدْ تقدمُ لها السلوى المعهودةَ. كانتْ الآنَ تبدو وكأنها شاهدةٌ على قصةٍ أكبرَ، قصةٍ لم تكنْ تعرفُ نهايتها.
"روحٌ تبحثُ عنكَ..." همستْ ليلى لنفسها، مستذكرةً كلماتِ يوسفَ. منْ هوَ هذا الشخصُ الذي يبحثُ عنْ هذهِ الروحِ؟ وهلْ كانَ يقصدُها هيَ، ليلى، ابنةَ هذا البيتِ المعزولِ؟
صوتُ خطىً خفيفةٍ على السلمِ أيقظها منْ شرودها. ظنتْ للوهلةِ الأولى أنها جدتها، لكنَّ صوتَ المفتاحِ وهوَ يُدارُ في القفلِ، كانَ مألوفاً. كانَ صوتَ المفتاحِ الذي يستخدمهُ يوسفُ.
"هلْ... هلْ عدتَ؟" قالت ليلى، وهيَ تقفُ أمامَ بابِ غرفتها.
فتحَ يوسفُ البابَ، وعلى وجههِ ابتسامةٌ مطمئنةٌ. "لم أذهبْ بعيداً، يا ليلى. أردتُ فقطْ أنْ أتأكدَ أنكِ بخيرٍ. هذهِ المعلوماتُ قدْ تكونُ ثقيلةً على قلبٍ شابٍ."
دخلَ الغرفةَ، وجلسَ على الكرسيِّ المقابلِ لسريرها. كانَ يبدو هادئاً، لكنَّ عينيهِ لم تخفِ ما فيهما منَ الجديةِ.
"هلْ... هلْ أنتَ جزءٌ من هذهِ القصةِ أيضاً؟" سألت ليلى، متطلعةً إلى وجههِ.
"نعم،" أجابَ يوسفُ. "عائلتي، هيَ التي حفظتْ هذهِ الأمانةَ عبرَ الأجيالِ. ونحنُ، جيلٌ بعدَ جيلٍ، ننتظرُ اللحظةَ التي تظهرُ فيها هذهِ الروحُ، وتكتملُ القصةُ."
"وماذا عنْ هذا الشخصِ الذي يبحثُ عنْ الروحِ؟ منْ هوَ؟" سألت ليلى، شعورٌ بالفضولِ يمزجُ بالخوفِ.
"هذا هوَ الجزءُ الأكثرُ غموضاً،" قال يوسفُ. "الوثائقُ تتحدثُ عنْ حبٍّ عظيمٍ، عنْ ارتباطٍ روحيٍّ عميقٍ، لكنها لا تحددُ هويةَ هذا الشخصِ. قدْ يكونُ منْ نساءٍ، أوْ رجالٍ، أوْ قدْ يكونُ شيئاً أعمقَ، لا تدركهُ العقولُ الماديةُ."
"لكنْ، كيفَ يمكنُ لروحٍ أنْ تبحثَ عنْ روحٍ أخرى؟" تساءلتْ ليلى، وهيَ ترى أفكارها تتصارعُ.
"الحبُّ، يا ليلى، لهُ طرقٌ عجيبةٌ،" قال يوسفُ، وعيناهُ تلمعانِ. "ليسَ دائماً على شكلِ نظراتٍ أوْ كلماتٍ. قدْ يكونُ شعوراً، أوْ انجذاباً، أوْ حاجةً غامضةً للقربِ. ربما هذا الشخصُ يشعرُ بوجودكِ، وإنْ لمْ يعرفْ منْ أنتِ."
"وهلْ... هلْ يجبُ عليَّ أنْ أجدهُ؟" سألت ليلى، وهيَ تشعرُ بالضياعِ.
"لا، ليسَ بالضرورةِ،" أجابَ يوسفُ. "المهمُّ هوَ أنْ تعرفي نفسكِ، وأنْ تفهمي تاريخكِ. هذهِ القصةُ، هيَ جزءٌ من هويتكِ. والروحُ التي تبحثُ عنْها، قدْ تكونُ أنتِ، أوْ قدْ تكونُ نصفكَ الآخرَ الذي ينتظرُ أنْ يلتقيَ بكِ."
"وهلْ تعتقدُ أنَّ هذا النصفَ الآخرَ موجودٌ؟" سألت ليلى، بصوتٍ خافتٍ.
"أعتقدُ أنَّ لكلِّ إنسانٍ نصفيْنِ،" قال يوسفُ. "نصفٌ ماديٌّ، نعيشُ بهِ في العالمِ، ونصفٌ روحيٌّ، يبحثُ عنْ اكتمالهِ. وهذهِ الوثائقُ، هيَ دليلٌ على أنَّ هذا البحثَ، قدْ بدأَ منذُ زمنٍ طويلٍ، وأنَّ هذا الارتباطَ، أعمقُ مما نتخيلُ."
ثمَّ قامَ يوسفُ، وفتحَ حقيبتهِ الجلديةَ منْ جديدٍ. أخرجَ منها كتاباً صغيراً، غلافهُ منْ جلدِ الغزالِ، وبداَ عليهِ أقدمُ منْ الكتبِ الأخرى.
"هذا هوَ كتابُ زهرةَ،" قال يوسفُ. "لقدْ كتبتهُ بخطِّ يدها. فيهِ خواطرها، وأشعارها، وأحلامها. أعتقدُ أنَّ قراءتكِ لهُ، ستساعدكِ على فهمِ الروحِ التي تتحدثُ عنها القصةُ."
تناولتْ ليلى الكتابَ، وشعرتْ بحرارتِهِ. فتحتْهُ بحذرٍ، فتطايرتْ منها رائحةُ الأثيرِ الممزوجِ بعبقِ زهرةٍ جافةٍ. بدأتْ تقرأُ. كانتْ الكلماتُ بسيطةً، لكنها تحملُ وزناً هائلاً. كانتْ زهرةُ تكتبُ عنْ حبٍّ لمْ تعرفهُ، لكنها آمنتْ بهِ. تكتبُ عنْ روحٍ ستقابلها، وعنْ وعدٍ أبديٍّ.
"إذا وجدتِ يوماً، يا منْ ستسمعُ كلماتي، روحاً تشبهُ روحكِ، فلا تترددي في احتضانها. فإنَّ الحبَّ الحقيقيَّ، هوَ الذي يكتملُ بنصفهِ الآخرَ."
"هلْ تعرفُ يا يوسفُ، منْ هيَ هذهِ الروحُ؟" سألت ليلى، وعيناها تدمعانِ.
"لا أعرفُ،" أجابَ يوسفُ بصراحةٍ. "لكنني أشعرُ أنها قريبةٌ. وأنَّ هناكَ شيئاً ما، سيحدثُ ليقربَ هذهِ الأرواحَ."
"وما هوَ دوري أنا؟"
"دوركِ، هوَ أنْ تعرفي نفسكِ. وأنْ تمنحي هذهِ القصةَ خاتمتها العادلةَ. جدتكِ، آمنتْ أنكِ ستكونينَ أنتِ المفتاحَ. وأنا، أؤمنُ بأنَّ هذا الإرثَ، يجبُ أنْ يُعادَ إلى أصحابهِ."
"منْ هم أصحابهُ؟"
"أولئكَ الذينَ ينتظرونَ، يا ليلى. الذينَ ينتظرونَ هذهِ الروحَ. قدْ يكونونَ أنا، أوْ قدْ يكونونَ آخرونَ."
نظرتْ ليلى إلى يوسفَ، وشعرتْ بشيءٍ جديدٍ يتشكلُ في قلبها. لم يعدْ مجردَ رجلٍ غريبٍ، بلْ أصبحَ جزءاً من هذهِ الرحلةِ. شريكاً في هذا الغموضِ.
"ماذا عنْك؟" سألت ليلى. "ماذا تنتظرُ أنتَ؟"
ترددَ يوسفُ للحظةٍ. "أنا... أنا أنتظرُ العدلَ. وأنتظرُ أنْ تعودَ الأمورُ إلى نصابها. وأنْ يُعادَ هذا الإرثُ إلى أيدي أمينةٍ."
"وهلْ تعتقدُ أنَّ هذهِ الأيدي الأمينةَ هيَ أنا؟"
"أعتقدُ أنَّ لديكِ قلباً نقياً، يا ليلى،" قال يوسفُ. "قلباً يستطيعُ أنْ يفهمَ هذهِ القصةَ، وأنْ ينهيها بالحبِّ والسلامِ."
شعرَتْ ليلى بخجلٍ جميلٍ. كانتْ كلماتُ يوسفَ قادرةً على أنْ تزرعَ الأملَ في قلبها، رغمَ كلِّ ما تسمعُهُ.
"لكنْ، كيفَ سنبدأُ؟" سألت ليلى. "كيفَ سنبحثُ عنْ هذهِ الروحِ؟"
"سنبدأُ بالبحثِ في تاريخِ العائلةِ،" قال يوسفُ. "سندرسُ كلَّ وثيقةٍ، وكلَّ رسالةٍ. وسنحاولُ أنْ نفهمَ الروابطَ التي تربطُ بينَ كلِّ فردٍ منْ هذهِ العائلةِ. وأنتِ، ستكونينَ جزءاً أساسياً من هذهِ العمليةِ."
نظرتْ ليلى إلى الكتبِ، وإلى الوثائقِ. لم تعدْ مجردَ صفحاتٍ قديمةٍ، بلْ أصبحتْ مفاتيحَ لغموضٍ كبيرٍ.
"هلْ... هلْ أنتَ متأكدٌ أنَّ هذا هوَ الطريقُ الصحيحُ؟" سألت ليلى.
"أنا متأكدٌ، يا ليلى،" قال يوسفُ. "هذهِ القصةُ، يجبُ أنْ تُقالَ. وهذا الحبُّ، يجبُ أنْ يُعادَ إلى النورِ. والعالمُ، بحاجةٍ إلى هذهِ الروحِ."
تلاقتْ عيناهما مرةً أخرى. شعرتْ ليلى بشعورٍ غريبٍ، كأنَّ هناكَ رابطاً خفياً بدأَ يتكونُ بينهما. رابطٌ لم تكنْ تفهمهُ بعدُ، لكنها شعرتْ أنَّه قويٌّ.
"شكراً لكَ، يا يوسفُ،" قالت ليلى بصدقٍ. "لأنكَ فتحتَ لي بابَ هذا العالمِ."
"العفو، يا ليلى،" أجابَ يوسفُ. "هذهِ ليستْ نهايةَ المطافِ، بلْ بدايةُ رحلةٍ طويلةٍ. رحلةٌ قدْ تكونُ مليئةً بالمفاجآتِ، لكنها، بإذنِ اللهِ، ستكونُ مليئةً بالنورِ."
خرجَ يوسفُ منْ غرفتها، تاركاً إياها معَ أفكارها، ومعَ كتابِ زهرةَ. شعرتْ ليلى بشيءٍ منَ الحماسِ، ممزوجاً بالقلقِ. كانتْ خيوطُ الماضي تتشابكُ، وتنسجُ قصةً جديدةً، قصةً تحملُ في طياتها وعداً بحبٍّ قديمٍ، وبروحٍ تبحثُ عنْ خلاصها.