روح تبحث عنك 158
سَجَنُ الهَوَى المُظلِم
بقلم مريم الحسن
وقفتْ نورٌ أمامَ المرآةِ، تَتَأمَّلُ وجهَها الشاحبَ، الذي لوَّنَتْهُ قَلقٌ لا يَحتَمِلُ. شعرتْ بأنَّ ضوءَ الشمسِ الخافتَ الذي يتسللُ من النافذةِ، يلفُّها ببرودٍ قاسٍ، وكأنَّهُ يُشارِكُها وَحشةَ روحِها. قبلَ أيامٍ قلائل، كانتْ تَتَشَبَّثُ بخيوطِ الأملِ واهيةً، تُؤمنُ بأنَّ المستقبلَ سيحملُ لها ما يَجبرُ كسرَ قلبِها، وأنَّ لقاءَها بـ "سليم" كانَ هديَّةً من السماءِ. لكنَّ اليومَ، باتَ هذا الأملُ كَغَيمٍ مُعتِمٍ يَحجُبُ كلَّ إشراقٍ.
كانَ "سليم" قد بَدَا لها مَلَكَاً من عالمٍ آخر، ذو أخلاقٍ رفيعةٍ، وقيمٍ ساميةٍ، ولغةٍ تُناجي روحَها. كانتْ تَتَخَيَّلُ الحياةَ معهُ، حياةً مليئةً بالسكينةِ، والمودَّةِ، والسعادةِ التي تُرضي الله. لكنَّ ذلكَ الوجهَ المُلَوَّنَ بالصباحِ، ما لبثَ أنْ غابَ، ليَتركَ في قلبِها فراغاً مُؤلِمًا. لمْ يَكنْ غيابُهُ عادياً، بلْ كانَ مُفاجئاً، وغامضاً، كما ظهرَ فجأةً في حياتِها.
في الأسبوعِ الماضي، حينَ اتصلَ بها للمرةِ الأولى بعدَ لقائهما في المعرضِ، انقبضَ قلبُها خوفاً، وتَجاوبَ روحُها حباً. تحدثا طويلاً، عن كلِّ شيءٍ تقريباً؛ عن أحلامِهما، وعن طموحاتِهما، وعن رؤيتِهما للحياةِ. وأخبرَها بصدقٍ عن رغبتِهِ في الارتباطِ بها، وأنَّهُ يرى فيها شريكةَ الحياةِ التي طالَما بَحثَ عنها. شعرتْ نورٌ بسعادةٍ غامرةٍ، وكأنَّها وجدتْ ضالتَها. بدأَتْ تُخططُ للمستقبلِ، تتخيلُ زفافهما، وبيتهما، وأطفالهما.
لكنَّ الكلامَ المعسولَ لمْ يَستمرْ طويلاً. بدأتْ المكالماتُ تَتَناقصُ، ثمَّ أصبحتْ الرسائلُ قصيرةً ومُقتضبةً. وعندما حاولتْ أنْ تُبادرَ بالاتصالِ، كانَ هاتفُهُ مُغلقاً، أو يَدَّعي انشغالَهُ. قلقُها تزايدَ، وأفكارُ السوءِ بدأتْ تَتَزاحمُ في رأسِها. هلْ قالَ شيئاً كاذباً؟ هلْ كانَ يلعبُ بمشاعرِها؟ أمْ أنَّ ظروفاً قاهرةً منعتهُ؟
تذكرتْ كلماته الأخيرةَ في المكالمةِ قبلَ يومين: "نورٌ، هناكَ أمرٌ ثقيلٌ يُثقِلُ كاهلي. لا أستطيعُ البوحَ بهِ الآن. أرجو منكِ تفهمي. سأتواصلُ معكِ قريباً." كانتْ تلكَ الكلماتُ بحدِّ ذاتِها لغزاً، زادتْ من حيرتِها وضيقِها.
خرجتْ من غرفتِها، متجهةً نحو غرفةِ والدتِها. وجدتْها جالسةً على الأريكةِ، تقرأُ كتاباً قديماً. ابتسمتْ لها والدتُها ابتسامةً حانيةً، لكنَّ نورٌ رأتْ في عينيها قلقاً خفياً.
"ما بكِ يا ابنتي؟" سألتْ والدتُها بصوتٍ دافئٍ، "تبدينَ شاحبةً، وكأنَّ هموماً الدنيا اجتمعَتْ في صدرِكِ."
جلستْ نورٌ بجوارِها، ووضعتْ رأسَها على كتفِها. "أمي، أنا خائفةٌ."
"ممن تخافينَ يا حبيبتي؟"
"من سليمٍ. لمْ يتصلْ بي منذُ يومين. ورسائلهُ أصبحتْ باردةً. أشعرُ بأنَّ شيئاً ما قدْ تغيرَ."
تنهدتْ والدتُها. "يا نورٌ، الرجالُ أحياناً يكونونَ مُتقلبي المزاجِ. ربما لديهِ مشكلةٌ في عملِهِ، أو في أسرتهِ. لا تستعجلي بالحكمِ عليهِ. اصبري قليلاً."
"لكنَّهُ وعدني، أمي. وعدني بأنَّهُ سيَبدأُ خطواتٍ جديةٍ نحوي. وهذا الصمتُ يُقلقُني."
"أعلمُ يا ابنتي، لكنَّ اللهَ معَ الصابرين. توكلي على اللهِ، واستغفري كثيراً. ولا تدعي هذهِ الهمومَ تُسيطرُ على حياتِكِ. اذهبي إلى عملِكِ، واشغلي نفسَكِ."
رغمَ طمأنةِ والدتِها، لمْ تهدأْ نفسُ نورٌ. شعرتْ بأنَّ هناكَ ما هوَ أعمقُ من مجردِ تقلباتٍ مزاجيةٍ. تذكرتْ كيفَ كانَ سليمٌ يتحدثُ عن حياتِهِ، وعن عائلتهِ، بحذرٍ شديدٍ. كانَ دائماً يتجنبُ الحديثَ عن تفاصيلَ دقيقةٍ، وعن علاقاتِهِ السابقةِ. هلْ كانَ لديهِ ما يُخفيهِ؟
في المساءِ، وبينما كانتْ تتصفحُ هاتفَها، لفتَ انتباهَها اسمٌ غريبٌ على إحدى منصاتِ التواصلِ الاجتماعي. كانَ حساباً وهمياً، لا يحملُ اسماً حقيقياً، لكنَّ صورةَ الغلافِ كانتْ لشخصٍ يعرفُهُ جيداً؛ سليمٌ، في أحدِ لقاءاتِهِ الرسميةِ، يصافحُ شخصيةً هامةً. تساءلتْ كيفَ وصلَ إليها هذا الحسابُ. وبفضولٍ قاتلٍ، فتحتْهُ.
لمْ يكنْ يحتوي على الكثيرِ، سوى بعضِ الصورِ القديمةِ، ورسائلَ مُبعثرةٍ. لكنَّ شيئاً واحداً جعلَ دمَها يتجمدُ في عروقِها. كانتْ هناكَ محادثةٌ طويلةٌ بينَ سليمٍ وفتاةٍ أخرى، تُدعى "ليلى". محادثةٌ بدأتْ قبلَ أنْ يلتقيَ نورٌ بسليمٍ بأشهرٍ، واستمرتْ حتى الأمسِ.
كلماتٌ كانتْ تتبادلُ بينهما، كلماتٌ غراميةٌ، وشوقٌ وحنينٌ. كانَ سليمٌ يصفُ ليلى بأنَّها "روحُهُ"، وأنَّهُ لا يستطيعُ العيشَ بدونِها. وكانَ يطمئنُها بأنَّهُ سيُنهي كلَّ شيءٍ معَ عائلتِهِ، وأنَّهُ سيُقابلُها قريباً.
شعرتْ نورٌ وكأنَّ الأرضَ انشقتْ وابتلعتْها. لمْ تستوعبْ الكلماتِ التي تقرأُها. هلْ هذا هوَ الرجلُ الذي كانتْ تُعلقُ عليهِ آمالَها؟ الرجلُ الذي تَباهى أمامَها بقيمِهِ ومبادئِهِ؟
تذكرتْ حديثَهُ عن "أمرٍ ثقيلٍ". هلْ كانَ هذا الأمرُ هوَ "ليلى"؟ هلْ كانَ يلعبُ دورَ المظلومِ، بينما هوَ في الحقيقةِ يخونُ؟
أغلقتْ الهاتفَ بيدينِ مُرتجفتينِ. شعرتْ بالغثيانِ. لمْ يكنْ الأمرُ مجردَ خيانةٍ، بلْ كانَ خداعاً مُزدوجاً. كانَ يتلاعبُ بمشاعرِها، ويُضمرُ في قلبِهِ حبَّ أخرى.
دموعُها بدأتْ تتساقطُ بلا توقفٍ. لمْ تشعرْ بالبردِ الذي كانَ يلفُّ الغرفةَ. شعرتْ فقطْ بالحرارةِ اللاذعةِ للخيانةِ، وبمرارةِ الشعورِ بأنَّها ضُحِكتْ عليها.
"يا سليمُ، لماذا؟" همستْ بصوتٍ مُختنقٍ. "لماذا فعلتَ هذا؟"
كانَ قلبُها ينبضُ بقوةٍ، وكأنَّهُ يُحاولُ الهروبَ من صدرِها. لمْ تعرفْ كيفَ ستواجهُهُ. هلْ ستُصارحُهُ بما رأتهُ؟ أمْ ستُحاولُ أنْ تتجاهلَ الأمرَ؟
لكنَّ الشرفَ والعزةَ كانا يمنعانِها من ذلكَ. لمْ تكنْ نورٌ من النوعِ الذي يَقبلُ بالظلمِ أو الخداعِ. كانَ عليها أنْ تعرفَ الحقيقةَ كاملةً، وأنْ تتخذَ قرارَها.
شعرتْ بأنَّ هذا السجنَ الذي وقعتْ فيهِ، سجنُ الهوى المظلمِ، بدأَ يُحكمُ أغلالَهُ حولَ روحِها. لكنَّها أقسمتْ في قرارةِ نفسِها، أنَّها لنْ تستسلمَ. ستجدُ طريقَها للخروجِ، مهما كانَ الثمنُ.
لكنَّ الثمنَ كانَ مؤلماً. أدركتْ الآنَ أنَّ علاقتَها بـ "سليم" لمْ تكنْ مجردَ سوءِ فهمٍ، بلْ كانتْ سراباً كاذباً، وخيانةً مُتخفيةً في ثوبِ الوفاءِ.
وقفتْ أمامَ النافذةِ، تتطلعُ إلى سماءٍ لا تحملُ أيَّ نجومٍ. شعرَتْ ببردٍ عميقٍ يتغلغلُ في عظامِها، بردٌ ليسَ من الطقسِ، بلْ من بردِ القلبِ المُصابِ.
"روحٌ تبحثُ عنكَ..." رددتْ الكلماتِ التي ألهمتها في البدايةِ، لكنَّها الآنَ أصبحتْ أليمةً، تُذكّرُها بخيبةِ الأملِ الكبرى.
كانَ عليها أنْ تَستعيدَ رباطةَ جأشِها. كانَ عليها أنْ تُصارعَ هذا الألمَ، وأنْ تنهضَ من جديدٍ. لكنَّها لمْ تعرفْ كيفَ، ولمْ تكنْ تملكُ من القوةِ إلا ما يكفي لِتمالكِ دموعِها.
وفي غمرةِ الألمِ، لمعتْ في ذهنِها فكرةٌ. فكرةٌ قدْ تكونُ الحلَّ، وقدْ تكونُ بدايةَ طريقٍ جديدٍ، مليءٍ بالصعوباتِ، لكنَّهُ طريقُ الحقيقةِ.
ولمْ تكنْ تدري، أنَّ هذهِ الخيانةَ، ستكونُ بدايةً لحكايةٍ أعمقَ، وأصدقَ، وأكثرَ نوراً، معَ روحٍ أخرى، تنتظرُ اللحظةَ المناسبةَ للظهورِ.