روح تبحث عنك 158

دَوامَةُ الخِداعِ العَميق

بقلم مريم الحسن

في شقَّةِ "مريمٍ" الأنيقةِ، التي تَنضحُ بالدفءِ والهدوءِ، جلستْ نورٌ، تتناولُ فنجانَ الشايِّ الأخضرِ الذي قدمتْهُ لها صديقتُها. كانتْ كلماتُ مريمٍ الحنونةُ، ونظراتُها المُتفهمةُ، تُعطيها شعوراً غامضاً بالأمانِ، شعوراً افتقدتْهُ منذُ زمنٍ.

"يا نورٌ، تحدثي. ما الذي يُقلقُكِ هكذا؟ أرى في عينيكِ حزناً عميقاً."

بدأتْ نورٌ تُسردُ القصةَ، كلمةً بكلمةٍ، مُفصلةً لقاءَها الأولَ بـ "سليمٍ"، ووعودَ الحبِّ التي تبادلَاها، ثمَّ اكتشافَها لرسائلِهِ إلى "ليلى". كلُّ كلمةٍ كانتْ تُعيدُ إليها الشعورَ بالخيانةِ والألمِ، لكنَّها كانتْ تشعرُ بأنَّ التحدثَ يُخففُ عنها العبءَ.

استمعتْ مريمٌ بصبرٍ، دونَ أنْ تُقاطعَ، وعيناها تَتَّسعانِ تعجباً وغضباً. عندما انتهتْ نورٌ من سردِ كلِّ شيءٍ، تنهدتْ مريمٌ بعمقٍ.

"يا نورٌ، هذا أمرٌ مُروعٌ حقاً. كيفَ يمكنُ لشخصٍ أنْ يكونَ بهذا القدرِ من الخداعِ؟"

"هذا ما لا أستطيعُ فهمَهُ، مريمٌ. كانَ يتحدثُ عن القيمِ، عن الدينِ، عن الزواجِ... وأنا صدقتُهُ."

"لا تلومي نفسَكِ يا حبيبتي. هوَ منْ كانَ الممثلَ البارعَ. وأنتِ كنتِ مجردَ ضحيةٍ في مسرحيتِهِ."

"لكنَّ الأمرَ ليسَ مجردَ خيانةٍ عاطفيةٍ، مريمٌ. أعتقدُ أنَّهُ كانَ يُخططُ لشيءٍ أكبرَ." بدأتْ نورٌ تُخبرُ مريمٍ عن أسئلةِ سليمٍ الغريبةِ عن عملِ والدِها، وعن استثماراتِهِ.

اتسعتْ عينا مريمٍ. "يا إلهي! هلْ كانَ يستغلُّكِ للحصولِ على معلوماتٍ؟"

"هذا ما أخشاهُ. يبدو أنَّ "ليلى" ليستْ سوى جزءٍ من خطةٍ أكبرَ."

ظلَّتْ الفتاتانِ صامتتينِ لبرهةٍ، تُحاولانِ استيعابَ خطورةِ الموقفِ.

"ماذا سنفعلُ الآنَ؟" سألتْ نورٌ بصوتٍ مُرتعشٍ.

"أولاً، لا تُظهري لهُ أنَّكِ اكتشفتِ شيئاً. حافظي على هدوئِكِ، وتابعي معَهُ اللعبةَ. كلُّ كلمةٍ يقولُها، وكلُّ فعلٍ يقومُ بهِ، قدْ يكونُ دليلاً إضافياً."

"لكنْ كيفَ؟ كيفَ سأستطيعُ النظرَ في وجهِهِ، وأنا أعرفُ كلَّ هذا؟"

"بالتأكيدِ سيكونُ صعباً، لكنَّهُ ضروريٌّ. نحنُ بحاجةٍ إلى دليلٍ قاطعٍ، دليلٍ لا يمكنُهُ إنكارُهُ. ربما يمكنُنا أنْ نُحاولَ الوصولَ إلى بعضِ سجلاتِهِ، أو أنْ نتحدثَ إلى شخصٍ يعرفُ عن خططِهِ."

"لكنْ كيفَ؟"

"لا تقلقي. سأُفكرُ في الأمرِ. ربما يمكنُني أنْ أطلبَ المساعدةَ منْ شقيقي، هوَ يعملُ في مجالِ التحقيقاتِ. لكنْ لا تُخبريهِ أنَّ الأمرَ شخصيٌّ. فقطْ قولي أنَّكِ تبحثينَ عن معلوماتٍ لمشروعٍ ما."

"شقيقي؟ وهلْ يمكنُهُ أنْ يُساعدَني؟"

"هو بارعٌ جداً. لكنْ يجبُ أنْ نكونَ حذراتٍ للغايةِ. لا نريدُ أنْ نُثيرَ شكوكَ سليمٍ."

"وماذا عن "ليلى"؟ هلْ يجبُ أنْ نتحدثَ إليها؟"

"هذا محفوفٌ بالمخاطرِ. قدْ تُخبرُ سليمٍ أنَّكِ تسألينَ عنها. الأفضلُ أنْ نُركِّزَ على جمعِ الأدلةِ ضدهُ أولاً. إذا كانَ يُخططُ لشيءٍ خطيرٍ، فمنْ المُحتملِ أنْ يكونَ لديهِ آثارٌ على الإنترنتِ، أو سجلاتٌ ماليةٌ."

"هلْ تعتقدينَ أنَّهُ يمكنُنا أنْ نُبرهنَ على نواياهُ السيئةِ؟"

"إذا كانَ يُخططُ لاستغلالِ والدِكِ، فمنْ المُحتملِ أنْ يكونَ لديهِ اتصالاتٌ معَ أشخاصٍ مشبوهينَ، أو أنْ يكونَ قدْ قامَ ببعضِ المعاملاتِ غيرِ القانونيةِ. شقيقي قدْ يتمكنُ منْ كشفِ ذلكَ."

شعرتْ نورٌ ببعضِ الأملِ. فكرةُ أنَّها ليستْ وحدَها في مواجهةِ هذا الطوفانِ، وأنَّ هناكَ منْ يُساعدُها، كانتْ تُخففُ عنها عبئاً كبيراً.

"شكراً لكِ يا مريمٌ. لا أعرفُ ماذا كنتُ سأفعلُ بدونِكِ."

"لا داعي للشكرِ يا نورٌ. أنتِ أختي. وسنُخرجُكَ منْ هذهِ المأزقِ. لكنْ يجبُ أنْ تكوني قويةً. لا تسمحي لهُ بأنْ يُكسرَ روحَكِ."

عادتْ نورٌ إلى منزلِها، وقلبُها ما زالَ مُثقلاً، لكنَّهُ يحملُ بصيصاً منَ الأملِ. أصبحتْ مُستعدةً لخوضِ معركةِ الخداعِ، مُستعدةً لتكونَ أكثرَ ذكاءً، وأكثرَ حذراً.

في الأيامِ التاليةِ، بدأتْ نورٌ تُنفذُ خطةَ مريمٍ. كانتْ تتحدثُ إلى سليمٍ كما لوْ أنَّ شيئاً لمْ يحدثْ. كانتْ تُظهرُ لهُ اهتماماً مُتزايداً، وتُشاركُهُ بعضَ المعلوماتِ التي قدْ تُثيرُ فضولَهُ، لكنَّها كانتْ حذرةً جداً في ما تُقدِّمُهُ.

كانَ سليمٌ، بدورهِ، يتصرفُ بشكلٍ طبيعيٍّ جداً. كانَ يُرسلُ لها رسائلَ عابرةً، ويسألها عن أحوالِها. في كلِّ مرةٍ كانَ يتحدثُ عن "مستقبلِهِما"، كانتْ نورٌ تشعرُ بقشعريرةٍ تسري في جسدِها، لكنَّها كانتْ تُحافظُ على ابتسامتِها.

ذاتَ يومٍ، بينما كانا يتحدثانِ عبرَ الهاتفِ، قالَ سليمٌ: "نورٌ، أتعرفينَ، كنتُ أفكرُ في أنْ نلتقيَ في مكانٍ خاصٍّ، بعيداً عنْ أعينِ الناسِ، لنتحدثَ عنْ مستقبلِنا بعمقٍ. ما رأيكِ؟"

شعرتْ نورٌ بقلبِها يخفقُ بقوةٍ. هلْ كانَ هذا فخاً؟ هلْ كانَ يُحاولُ جرَّها إلى مكانٍ لا ترغبُ فيهِ؟

"مكانٌ خاصٌّ؟" سألتْ بنبرةٍ هادئةٍ، حاولتْ أنْ تُخفيَ قلقَها. "أينَ تقصدُ؟"

"لا تقلقي، مكانٌ آمنٌ ومُريحٌ. فقطْ لنتمتعَ ببعضِ الخصوصيةِ."

"أظنُّ أنَّهُ منْ الأفضلِ أنْ نلتقيَ في مكانٍ عامٍّ، سليمٌ. أنتَ تعرفُ أهلي، ولنْ يُحبوا أنْ ألتقيَ بشابٍّ بمفردي في مكانٍ مُنعزلٍ."

ترددَ سليمٌ قليلاً. "حسناً، كما تشائينَ. ولكنْ فكِّري في الأمرِ. سأُخبرُكِ عنْ بعضِ الفرصِ الاستثماريةِ التي قدْ تُغيرُ حياتَنا."

انتهتْ المكالمةُ، وتركتْ نورٌ في حالةٍ منَ القلقِ العميقِ. أدركتْ أنَّ سليمٍ ليسَ لديهِ أيُّ نوايا صادقةٍ. كانَ يُحاولُ استغلالَها، سواءٌ عاطفياً أو مالياً.

في الأثناءِ، كانتْ مريمٌ قدْ تحدثتْ إلى شقيقِها. كانَ يبدو مُهتمّاً بالقضيةِ، ووعدَها بالبحثِ عنْ أيِّ معلوماتٍ تُدينُ سليمٍ.

مرتْ الأيامُ بطيئةً، وكلُّ يومٍ كانَ يُمثلُ امتحاناً لقوةِ نورٍ وصبرِها. كانتْ تتلقى رسائلَ منْ سليمٍ، بعضُها مُغريٌّ بالوعودِ، وبعضُها الآخرُ يَتَّسمُ بالقسوةِ عندما تشعرُ أنَّها تبتعدُ عنْ ما يريده.

وفي إحدى الرسائلِ، وجدَتْ نورٌ رابطاً لموقعٍ إلكترونيٍّ جديدٍ. كانَ الموقعُ عبارةً عنْ واجهةٍ لشركةِ استثمارٍ جديدةٍ، باسمٍ غريبٍ. وعندما فتحتْهُ، وجدتْ أنَّ سليمٌ هوَ أحدَ مؤسسيها، وأنَّ "ليلى" هيَ المسؤولةُ عنْ التسويقِ.

كانَ هذا هوَ الدليلُ الذي كانتْ تبحثُ عنهُ. لمْ يكنْ سليمٌ مجردَ شابٍّ مُتلاعبٍ، بلْ كانَ مجرماً مُحتالاً، يستخدمُ النساءَ لتحقيقِ أهدافِهِ.

شعرتْ نورٌ ببرودةٍ تسري في عروقِها. لمْ يكنْ الأمرُ يتعلقُ بقلبِها فقطْ، بلْ كانتْ هناكَ حياةٌ كاملةٌ على المحكِّ. حياةُ والدِها، وربما حياةُ الكثيرينَ غيرِهِ.

وكانَ عليها أنْ تُقررَ. هلْ ستُسلمهُم إلى العدالةِ، وتُخاطرُ بنفسِها؟ أمْ ستُحاولُ الهربَ والاختباءَ؟

لكنَّ نورٌ، بفطرتِها السليمةِ، وقوةِ إيمانِها، لمْ تفكرْ في الهربِ. لقدْ رأتْ الشرَّ أمامَها، وكانَ عليها أنْ تُحاربهُ، بكلِّ ما أوتيتْ منْ قوةٍ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%