روح تبحث عنك 158
تداخل الخيوط والشكوك
بقلم مريم الحسن
عاد عماد إلى مدينته بعد غيابٍ طويل، وأحسَّ بأنَّ الحياة قد تغيرت. لم تعد الأماكن كما كانت، ولم تعد الوجوه تحمل نفس البريق. كان يحمل معه ذكرياتٍ كثيرة، وأحلاماً كبيرة، وشعوراً بالمسؤولية تجاه عائلته.
كانت والدته، عمة سالم، أول من استقبله بحفاوةٍ بالغة. احتضنته بحبٍ وأبدىت له سعادتها بعودته. "الحمد لله على سلامتك يا بني. لقد اشتقتُ لكَ كثيراً."
"وأنا أيضاً يا أمي،" قال عماد، وهو يشعر بدفءٍ يغمر قلبه.
في المساء، جلست عمة سالم مع عماد، ودار بينهما حديثٌ طويل. كانت تحدثه عن أخبار المدينة، وعن أحوال الناس، وعن ياسمين.
"أتذكر ياسمين، يا بني؟ ابنة عمكِ أحمد؟"
"نعم، بالطبع أتذكرها،" قال عماد، "شابٌ طيبٌ وهادئ. كيف حالها؟"
"حالتها ليست على ما يرام،" قالت عمة سالم، "لقد تمرَّضت والدتها ودخلت المستشفى. وهي الآن تقضي معظم وقتها هناك."
شعر عماد بالأسى. كان يعرف مدى قرب ياسمين من والدتها، وكان يعلم كم كان والدها، المرحوم أحمد، يحبها. "يا الله! هذا خبرٌ محزنٌ جداً. هل هي في حالٍ خطير؟"
"نرجو السلامة،" قالت عمة سالم، "ولكنَّ الأمر يحتاج إلى عنايةٍ فائقة. لقد ذهبتُ إليها اليوم لأطمئن عليها، ورأيتها حزينةً ومنعزلةً. أظن أنَّها بحاجةٍ إلى بعض الدعم."
"بالتأكيد،" قال عماد، "هل لديها أحدٌ ليقف بجانبها؟"
"لا أظن ذلك،" قالت عمة سالم، "لقد مرت بالكثير من التجارب الصعبة مؤخراً. وأنا أخشى أن تزداد وحدةً."
كانت عينا عمة سالم تلمعان بشيءٍ من الحزن، أو ربما بشيءٍ آخر. كان عماد يعرف أمَّه جيداً، ويعرف أنَّ لها نظرتها الخاصة للأمور.
"يا أمي،" قال عماد، "ربما كان من المناسب أن نزورها جميعاً. أن نقدم لها الدعم كعائلة."
"لقد فكرتُ في ذلك،" قالت عمة سالم، "ولكنَّني أظن أنَّ الأمر يتطلب أكثر من مجرد زيارةٍ عابرة. ياسمين فتاةٌ طيبة، ولكنَّها قد تحتاج إلى شخصٍ يفهمها، شخصٍ يقف بجانبها في هذه الفترة العصيبة."
كانت هذه الكلمات تدفع عماد إلى التفكير. هل كانت والدته تقصد شيئاً محدداً؟
"هل هناك أحدٌ معينٌ تفكرين فيه، يا أمي؟" سأل عماد بحذر.
نظرت إليه عمة سالم، وابتسمت ابتسامةً ماكرة. "بالتأكيد، يا بني. أنتَ نفسك. لقد رأيتُ كيف كنتَ دائماً تهتم بأمر ياسمين، وكيف كان والدها يحبك. أعتقد أنَّ علاقتكما يمكن أن تكون بدايةً لشيءٍ جميل."
صُدم عماد. لم يكن يتوقع ذلك أبداً. كانت ياسمين بالنسبة له صديقةً قديمة، ابنة صديقٍ عزيزٍ على والده. لم يفكر فيها يوماً على أنَّها شريكة حياته.
"يا أمي! ما هذا الكلام؟" قال عماد، وهو يشعر بالارتباك. "ياسمين هي ابنة المرحوم أحمد. هي صديقةٌ للعائلة."
"وأنا أرى فيها أكثر من ذلك،" قالت عمة سالم، "أرى فيها فتاةً رائعةً، تتمتع بأخلاقٍ عاليةٍ وقلبٍ نقي. إنَّها تستحق رجلاً طيباً كأنتَ."
"ولكنَّها مرت بالكثير، يا أمي،" قال عماد، "أخشى أن أزيد عليها العبء."
"وهل تظن أنَّك ستزيد عليها العبء؟" قالت عمة سالم، "بل ستكون سنداها، وبلسم جراحها. أنتَ تعرف جيداً كيف تتعامل مع الأمور بحكمةٍ وروية."
كان عماد يشعر بتضاربٍ في مشاعره. من جهة، كان يعجب بعمة سالم، وبنظرتها الثاقبة. ومن جهةٍ أخرى، كان يشعر بأنَّ هذه الفكرة جديدةٌ عليه، وأنَّه بحاجةٍ إلى وقتٍ للتفكير.
"يا أمي،" قال عماد، "ربما يجب أن نمنحها بعض الوقت. وأن نفهم وضعها جيداً قبل أن نتخذ أي قرار."
"القرارات الجيدة لا تنتظر، يا بني،" قالت عمة سالم، "والفرص لا تتكرر."
في اليوم التالي، قرر عماد أن يذهب لزيارة والدة ياسمين في المستشفى. كان يشعر بمسؤوليةٍ تجاهها، وربما بعض الفضول حول ما كانت والدته تقصده.
عند وصوله إلى المستشفى، وجد ياسمين تجلس في صالة الانتظار، شاحبة الوجه، وعيناها غائرتان. كان يبدو عليها الإرهاق والتعب.
"ياسمين،" قال عماد بصوتٍ هادئ، "كيف حال الوالدة؟"
انتفضت ياسمين من جلستها، وبدت متفاجئةً برؤيته. "عماد! لم أكن أتوقع أن أراك هنا."
"جئتُ لأطمئن عليكم،" قال عماد، "سمعتُ عن مرض والدتكِ، وأردتُ أن أقدم لكم أي مساعدةٍ قد تحتاجونها."
"جزاكَ الله خيراً،" قالت ياسمين بابتسامةٍ خافتة، "والحمد لله، حالتها مستقرةٌ الآن."
جلسا معاً في صمتٍ لبعض الوقت. كان عماد يشعر بالراحة في وجودها، ولكنه كان يشعر أيضاً ببعض الحزن لما تمر به.
"لقد تحدثتُ مع عمة سالم اليوم،" قال عماد، "وأخبرتني عن مرض والدتكِ."
"آه، نعم،" قالت ياسمين، "لقد زارتنا اليوم. كانت لطيفةً جداً."
"إنها تحبكم كثيراً،" قال عماد.
"نعم، أعرف ذلك،" قالت ياسمين.
"أتذكرين والدي؟" سأل عماد. "كان دائماً يتحدث عنكِ وعن والدكِ بكل خير."
"نعم، أتذكر،" قالت ياسمين، "لقد كان رجلاً عظيماً. وأنا أشكر والدكِ كثيراً على كل ما فعله لأجلنا."
كانت المحادثة بينهما هادئةً، ولكنَّها كانت تحملُ معانٍ عميقة. كان كل منهما يشعر بمسؤوليةٍ تجاه الآخر.
"ياسمين،" قال عماد بعد فترةٍ من الصمت، "أرى أنَّكِ تمرّين بفترةٍ صعبة. إذا احتجتِ لأي شيء، فلا تترددي في إخباري."
نظرت ياسمين إلى عماد، وشعرت ببعض الدفء. لقد كان دائماً شخصاً طيباً، وكان يعرف كيف يتعامل مع الناس.
"شكراً لك، عماد،" قالت ياسمين، "هذا لطفٌ منك."
"لا شكر على واجب،" قال عماد، "نحن عائلةٌ واحدة."
كانت هذه الكلمات مؤثرةً بالنسبة لياسمين. لقد شعرت بأنَّها ليست وحدها تماماً.
في تلك اللحظة، خرج الطبيب من غرفة والدتها، وبدت عليه علامات الارتياح. "الحالة تبدو أفضل اليوم،" قال الطبيب، "ويمكن نقلها إلى غرفةٍ عاديةٍ قريباً."
شعرت ياسمين بفرحةٍ غامرة. ابتسمت ابتسامةً واسعةً، ورأت عماد يبتسم لها أيضاً.
"الحمد لله،" قال عماد، "هذا خبرٌ رائع."
"شكراً لك، عماد،" قالت ياسمين، "لدعمك."
"لا تقلقي،" قال عماد، "سأكون هنا لأي شيءٍ تحتاجينه."
عندما غادر عماد، شعرت ياسمين بشعورٍ غريب. لقد بدأت تشعر بأنَّ هناك خيوطاً جديدةً تتشابك في حياتها. خيوطٌ قد تكون جميلةً، وقد تكون معقدة.
لقد كان لقاؤها بعماد مختلفاً هذه المرة. لم يكن مجرد لقاءٍ عادي، بل كان لقاءً يحملُ وعداً بمستقبلٍ قد يكون مشرقاً. ولكنَّ الشكوك بدأت تراودها. هل كانت والدته، عمة سالم، هي من دفعته للحضور؟ هل كان هناك شيءٌ آخر وراء هذه الزيارة؟
كانت هذه الأسئلة تثير في داخلها بعض القلق، ولكنَّها كانت تعلم أيضاً أنَّ الوقت وحده هو من سيكشف الحقيقة.