الحب الحلال 159
همسةٌ في سوق العطارين
بقلم ليلى الأحمد
كانت رائحة البخور والهيل والزعفران تمتزج في الهواء العليل، ترسم لوحةً من عبقٍ أصيلٍ استنشقته "ليلى" منذ نعومة أظفارها. لم يكن سوق العطارين مجرد مكانٍ لبيع الأعشاب والعطور، بل كان نبض المدينة، وشريان الذكريات، ومخبأ أسرارها. وقفت ليلى، فتاةٌ في ربيعها الثاني والعشرين، وسط حشودٍ تتدافع، وعيونٌ تراقب. لم تكن تبحث عن عطرٍ أو خلطةٍ نادرة، بل كانت تبحث عن نفسها، وعن معنىً لحياةٍ بدت لها متقلبة كأمواج البحر.
يرتدى والدها، الحاج "سليمان"، قفطاناً أبيضاً ناصعاً، وعمامته السوداء تلف رأسه الوقور. كان يمسك بيدها اليمنى، يسير بها بخطواتٍ هادئةٍ رغم زحام المكان. ابتسامةٌ خفيفةٌ ارتسمت على شفتيها وهي تنظر إليه، فهو ليس والدها فحسب، بل هو مرساها وسندها. كان حديثه مع أحد التجار حول جودة الكندر واللبان يلهيها قليلاً عن نظراتٍ تتسلل إليها.
"يا ابنتي، هل أنتِ متعبة؟" سأل الحاج سليمان بصوتٍ فيه دفء السنين.
"لا يا أبي، بل هي زحمة المكان." أجابت ليلى، وهي تضبط شالها الملون الذي انسدل قليلاً عن كتفها. كانت عيناها الزرقاوان، بلون سماء الصحراء الصافية، تلمعان بذكاءٍ وفطنة، تتجاوزان بكثيرٍ عمرها.
كانت في الحقيقة لا تبحث عن راحةٍ جسدية، بل عن فراغٍ في روحها امتلأ بفراغٍ أكبر. فبعد أن أنهت دراستها الجامعية بتفوقٍ في الأدب العربي، عادت إلى المدينة الصغيرة، لتجد نفسها في دوامةٍ من الانتظار. انتظارٌ لم تعِ سببه تماماً، لكنها شعرت بثقله يضغط على صدرها.
"سوف نشتري بعضاً من بهارات أمك، ثم نعود إلى المنزل. لا أحب أن تمضي وقتاً طويلاً في هذا الزحام." قال الحاج سليمان، ثم التفت إلى المتجر الذي يقف أمامه.
كانت هذه العبارة بمثابة طوق نجاةٍ لليلى. فبينما كان والدها يتفاوض مع البائع، انحرفت نظراتها نحو زاويةٍ هادئةٍ نسبياً من السوق. هناك، تحت مظلةٍ خشبيةٍ قديمة، جلس شابٌ يرتدي ثوباً بسيطاً. كانت يداه تتحركان بخفةٍ ورشاقة، ينظم عطراً حجرياً لامعاً. لم يكن وجهه واضحاً تماماً تحت الظل، لكن ما بدا منها كان يحمل سماتٍ جديةً وهدوءاً لافتاً.
شعر ليلى بانجذابٍ غريبٍ نحو هذا المشهد. شيءٌ في هدوئه وسط الضجيج، وفي تركيزه على عمله، أثار فضولها. لمعت عيناها وهما تتتبعان حركاته. بدا وكأنه يعيش عالمه الخاص، عالماً لا تخترقه صخب الحياة.
"هذا قليلٌ من خشب العود، لابد أن تستخدمه أمك لتبخير المنزل." قال الحاج سليمان، وعاد ليأخذ بيد ابنته.
"نعم يا أبي، بالطبع." أجابت ليلى، وهي لا تزال تلتقط آخر نظرةٍ للشاب.
عندما مروا بجانب متجره، رفعت ليلى رأسها قليلاً. كان الشاب يرفع رأسه في تلك اللحظة أيضاً. التقت عيناهما للحظةٍ خاطفة. كانت عيناه داكنتين، عميقتين، فيها بريقٌ من التحدي والذكاء. لم تكن نظرةً عابرة، بل كانت نظرةً تحمل شيئاً ما، شيئاً فهمته ليلى رغم قصر مدتها. لمسةٌ من اعترافٍ متبادلٍ بالوجود، بشيءٍ أعمق من مجرد عابر سبيل.
احمرّ وجه ليلى بشكلٍ لا إرادي، فخفضت بصرها بسرعة، وشعرت بنبضات قلبها تتسارع. لم يكن هذا شعوراً مألوفاً لديها، فهي لم تكن ممن ينجرفن بسهولةٍ خلف المظاهر. كانت دائماً تبحث عن العمق، عن المعنى.
"هل رأيتِ شيئاً أعجبكِ؟" سأل الحاج سليمان، وهو يلاحظ احمرار وجهها.
"لا شيء يا أبي، فقط... كان هناك رجلٌ يبيع عطراً جميلاً." أجابت ليلى، وهي تحاول استعادة هدوئها.
"إن كان كذلك، فلنطلب منه بعضاً لنجربه." قال والدها، ثم توقف.
شعرت ليلى بقلبها يقفز. هل سيذهب والدها إليه؟ هل سيتحدثان؟ كانت تتمنى ذلك، وفي نفس الوقت تخشى من هذا الشعور الذي لا تعرف مصدره.
"لا يا أبي، لا داعي. لقد اشترينا ما نحتاجه." قالت ليلى بسرعة، متفاجئةً بجرأتها.
ابتسم الحاج سليمان. "كما تريدين يا ابنتي. أنتِ من يملك رأيه."
واصلوا المسير، لكن ليلى لم تعد تشعر ببرودة الهواء، ولا بزحام السوق. كان هناك دفءٌ جديدٌ يتسلل إلى قلبها، ورائحةٌ أخرى غير رائحة العطارين بدأت تنبعث في خيالها. رائحةٌ تحمل وعداً بشيءٍ غير معروف، وبدايةٍ قد تكون مغايرة.
وبينما كانا يغادران السوق، ألقت ليلى نظرةً أخيرةً خلفها. كان الشاب لا يزال جالساً في مكانه، لكنه كان ينظر إلى الطريق الذي سلكته. رفعت يدها قليلاً، تكاد تلوح له، لكنها ترددت. هل سيرى؟ هل سيفهم؟
في تلك اللحظة، شعر قلبها وكأنه يمتلك أجنحة. شيءٌ بدأ يتحرك في عالمها الساكن، شيءٌ أثار فيها فضولاً وحياةً لم تكن تعرفها. كانت هذه مجرد لمحةٍ، مجرد همسةٍ في سوق العطارين، لكنها تركت أثراً عميقاً، وبذرةً من حلمٍ جديدٍ بدأت تتفتح في قلبها.
كانت تعلم أن هذه اللحظة لن تمر دون أثر. لقد شعرت بشيءٍ يختلف، بشيءٍ يتجاوز المألوف. كانت هناك جاذبيةٌ صامتة، لغةٌ بدأت تتشكل بينهما دون كلمةٍ واحدة. شعرت ليلى، وهي تسير بجانب والدها، وكأنها دخلت فصلاً جديداً من حياتها، فصلاً لم تقرأ نهايته بعد، لكن بدايته كانت مثيرةً بقدر ما هي غامضة.
كيف سيتقابلان مرةً أخرى؟ هل سيقدر لهما القدر أن يتقاطعا مجدداً في هذا العالم الواسع؟ كانت هذه الأسئلة تدور في رأسها، تزرع فيها قلقاً جميلاً، وترقباً حاراً. كان سوق العطارين قد منحها هديةً لم تكن تتوقعها، هديةً يمكن أن تغير مجرى حياتها.