الحب الحلال 159
لقاء في دوامة الأحداث
بقلم ليلى الأحمد
تلاشت أصداء حفل الخطبة، وبدأت الحياة تعود إلى مجاريها الطبيعية، ولكنها لم تكن طبيعية تماماً بالنسبة لزينب. كان عقد القران قد تم، وباتت هي وأحمد على وشك أن يبدآ رحلة حياتهما معاً. كانت تشعر بالسعادة، وبالامتنان لأحمد على تفهمه وصبره. ولكن، في الوقت نفسه، كانت ذكريات لقاءاتها بيوسف تتردد في ذهنها كأصداء سحيقة.
في أحد الأيام، وبينما كانت زينب وأحمد في جولة تسوق تحضيراً لمنزلهما الجديد، دخلت زينب إلى أحد المتاجر الفاخرة، باحثة عن بعض الديكورات. وبينما هي تتفحص بعض التحف الفنية، لمحت شخصاً مألوفاً في زاوية بعيدة من المتجر. كان يوسف.
"يوسف!" نادت زينب بدهشة، وبدون وعي، نسيت للحظة أنها مع أحمد.
استدار يوسف، وظهرت على وجهه ابتسامة خفيفة. "زينب، ما هذا اللقاء الغريب؟"
في هذه اللحظة، شعر أحمد ببعض الغيرة، لكنه حافظ على هدوئه. "أهلاً بك يا يوسف. هذه خطيبتي، زينب."
"أعلم،" قال يوسف، ونظر إلى زينب بنظرة تحمل الكثير من المعاني. "لقد سمعت عن عقد قرانكما. أتمنى لكما السعادة."
"شكراً لك،" قالت زينب، وهي تشعر بالتوتر يتصاعد. "كيف حالك؟"
"أنا بخير، شكراً لسؤالك. هل ما زلتِ تقرأين الكتب القديمة؟" سأل يوسف، متذكراً لقاءهما الأول في معرض الكتاب.
"نعم، أحب التاريخ والأدب."
"هذا رائع. العالم مليء بالقصص الجميلة، ولكن الأهم هو قصة حياتك أنت. هل أنت سعيدة يا زينب؟"
تأهبت زينب للرد، وشعرت بنظرات أحمد عليها. "نعم، أنا سعيدة."
"أتمنى ذلك حقاً. فالحياة قصيرة، ويجب أن نعيشها بأجمل ما فيها. لا تدعي شيئاً يعيق سعادتك."
شعر أحمد ببعض الانزعاج من حديث يوسف. كانت نبرته تحمل شيئاً من العمق، ولكنه كان أيضاً يشعر بأن هناك أمراً غامضاً بينه وبين زينب. "يبدو أنكما تعرفان بعضكما جيداً،" قال أحمد بابتسامة مصطنعة.
"نعم، لقد التقينا عدة مرات،" قالت زينب، محاولة أن تبدو طبيعية.
"هذا جيد،" قال يوسف، ثم استدار لينصرف. "يجب أن أذهب الآن. ولكن، أتمنى أن نلتقي مرة أخرى، ربما في مناسبة مختلفة."
بعد أن غادر يوسف، سأل أحمد زينب بهدوء: "من هذا الشاب؟"
تنهدت زينب، وشعرت بأنها يجب أن تخبر أحمد بالحقيقة، ولكنها لم تكن تعرف كيف تبدأ. "إنه… شاب التقيت به في معرض الكتاب. أثار فضولي بآرائه."
"آرائه؟ وما هي آراؤه؟" سأل أحمد، وعيناه لا تزال تحملان بعض الشك.
"آراء عن الحياة، عن السعادة، عن البحث عن الذات. كان لديه رؤية مختلفة للأمور."
"وهل تعتقدين أنه كان على حق؟"
"لا أدري يا أحمد. ولكن… كان لديه شيء مميز. شيء جعلني أفكر."
شعر أحمد ببعض القلق. هل كانت زينب لا تزال تشعر بشيء تجاه هذا الشاب؟ هل كان هناك شيء لم تخبره به؟ "زينب،" قال بحزم، "أنا أحبك، وأريد أن أكون صادقاً معك. هذا الشاب، يوسف، يبدو أنه يثير لديك مشاعر مختلفة. هل أنت متأكدة من مشاعرك تجاهي؟"
نظرت زينب إلى أحمد، ورأت في عينيه الصدق والخوف. شعرت بالذنب. "يا أحمد، أنا أحبك. ولكن… ربما أنا بحاجة إلى فهم نفسي بشكل أفضل. ربما لم أكن أفهم معنى الحب الحقيقي بعد."
"الحب الحقيقي هو أن تكوني بجانبي، وأن تثقي بي. وأن تعلمي أنني سأكون دائماً معك، في السراء والضراء."
في تلك الأثناء، كان يوسف قد عاد إلى منزله، وهو يشعر ببعض الرضا. لقد أراد أن يعرف ما إذا كانت زينب قد وجدت السعادة حقاً. لقد رأى في عينيها بعض التردد، بعض الحيرة. ربما، لم يكن أحمد هو الاختيار المناسب لها.
"أتمنى أن تجدي ما تبحثين عنه يا زينب،" تمتم يوسف لنفسه، وهو يحتسي قهوته. "أتمنى ألا تضيع روحك الجميلة."
بدأت تفاصيل تجهيزات الزفاف تأخذ حيزاً أكبر من وقت زينب. كان هناك قائمة طويلة من المهام، من اختيار الزهور إلى تحديد قائمة الطعام. كانت تحاول أن تركز على هذه الأمور، وأن تنسى أي شيء آخر.
في أحد الأيام، تلقت زينب اتصالاً هاتفياً. كانت والدتها، السيدة سهام، تتحدث بصوت متوتر. "يا ابنتي، هل أنت بخير؟ سمعت بعض الأخبار… هناك بعض الإشاعات عنك وعن شاب غامض."
شعرت زينب بالصدمة. "ماذا؟ من قال هذا؟"
"لا أعرف يا ابنتي. ولكن، والدة أحمد، السيدة فاطمة، اتصلت بي، وهي قلقة. تقول إنها سمعت عن لقاء لك مع شاب اسمه يوسف."
"يا أمي، لقد كان لقاءً عابراً. لم يكن هناك شيء. أحمد يعرف كل شيء."
"أتمنى ذلك يا ابنتي. ولكن، يجب أن تكوني حذرة. بعض الناس يحبون نشر الفتن."
شعرت زينب بالضيق. هل ستصبح حياتها متاحة للجميع؟ هل ستتحول هذه اللحظات السعيدة إلى حديث الناس؟
في المساء، تحدثت زينب مع أحمد. أخبرته بما قالته والدتها. بدا أحمد قلقاً، ولكنه حاول أن يهدئ من روعها. "لا تقلقي يا زينب. لا تدعي كلام الناس يؤثر عليك. نحن نعرف الحقيقة، وهذا هو المهم."
"ولكن… ماذا لو انتشرت هذه الإشاعات؟"
"سنواجهها معاً. ثقي بي، زينب. نحن أقوى من أي كلام. المهم أن حبنا مبني على الصدق، وعلى طاعة الله."
نظرت زينب إلى أحمد، ورأت فيه الثقة والأمان. شعرت بأنها قادرة على مواجهة أي شيء معه. ولكن، في أعماقها، لم تستطع أن تتجاهل نظرات يوسف، وكلماته الغامضة. هل كان ظهوره مجرد صدفة؟ أم أنه كان يختبر مشاعرها؟