الحب الحلال 159
خيوط متشابكة وكلمات مكتومة
بقلم ليلى الأحمد
كان الهواء في غرفة المعيشة خانقاً، مشبعاً بصمت ثقيل يلفّ المكان ككفن. جلست ليلى على الأريكة، ووجهها شاحب كوجه الموتى. أمامها، كان والدها، الحاج سالم، يجلس في مقعده المفضل، وعيناه مثبتتان على نقطة بعيدة في الفراغ، كأنه يرى أشباح الماضي تتراقص أمامه. أما والدتها، أمينة، فكانت تقف قرب النافذة، تتظاهر بتلميع زجاجها، لكن يديها المرتعشتين كانتا تفضحان قلقها العميق.
"يا ابنتي،" بدأ الحاج سالم بصوت خفيض، يكاد يكون همساً، "هناك أمرٌ جللٌ يحتاج منا جميعاً إلى تدبر. أمرٌ يتعلق بمستقبلك، وبمستقبل عائلتنا."
اتسعت عينا ليلى، شعرت بقلبها يخفق بجنون. كانت تتوقع هذا، بل كانت تنتظره بصعوبة، لكن سماعه بهذه الصيغة الرسمية، بهذه الكآبة، كان أشد وطأة مما تخيلت. "خير يا أبي؟" سألت بصوت بالكاد مسموع، كأن كلماتها تخشى أن تصطدم بالجدار الصامت الذي أحاط بهم.
تنهدت أمينة، وأدارت وجهها نحوهم، وعيناها تلمعان بالدموع المكتومة. "لقد جاءنا اليوم عرضٌ لزواجك، يا ليلى. عرضٌ من رجلٍ ذي مكانة، ومن عائلةٍ عريقة."
شعرت ليلى وكأن الأرض تزلزلت تحت قدميها. عرض زواج؟ وهي ما زالت في خضمّ أفكارها المتضاربة حول يوسف؟ هل يقصد والدها رجلًا آخر؟ هل سمعت أذنها ما سمعت؟ "عرضٌ؟ من أي رجلٍ تقصدون يا أبي؟" سألت، محاولةً التحكم في صوتها المتوتر.
ابتسم الحاج سالم ابتسامة باهتة، خالية من أي سرور. "إنه رجلٌ نعرفه جيداً، بل ربما تعرفينه أنتِ أيضاً. إنه المهندس طارق. نعم، طارق ابن عم الحاج عبد الله. عائلةٌ كريمة، ورجلٌ تقي، ولديه من المادة ما يكفي لسدّ حاجة الدنيا."
جمدت الدماء في عروق ليلى. طارق! الشاب الذي رأته في عرس ابنة عمها، والذي لفتته عيناه المتفحصة ببرود، والذي أحست تجاهه بانقباض غريب في قلبها. المهندس طارق، ذو السيرة الذاتية اللامعة، والذي طالما مدحته جدتها بصوت عالٍ. كان هذا بالضبط ما تخشاه. أن يأتي الزواج كخيارٍ مفروض، كصفقةٍ تُبرم دون اعتبارٍ لرغباتها القلبية.
"المهندس طارق؟" كررت بصوتٍ مرتجف. "ولكن… ولكن أبي، أنا…"
قاطعتها أمينة بحنانٍ قسري، "يا ابنتي، نحن نعلم أنكِ ربما لديكِ بعض الأفكار، ولكن هذا الزواج سيكون لنا عوناً كبيراً. سمعة العائلة، استقرارنا المادي… المهندس طارق رجلٌ مناسبٌ بكل المقاييس. دينٌ وخلقٌ ومال."
"وهل المال هو كل شيء يا أمي؟" سألت ليلى، وبدأ صوتها يرتفع قليلاً، معلنةً عن بدايات تمرّدٍ مكتوم. "وهل سمعتكم أهم من سعادتي؟"
لم تستطع أمينة تحمل نظرة ابنتها المليئة بالأسى واللوم، فاكتفت بإلقاء نظرةٍ سريعة على زوجها، كمن يطلب منه التدخل.
تنهد الحاج سالم بعمق، وقام ليجلس بجوار ليلى. وضع يده على كتفها، وكان ملمسها ثقيلاً كالصخر. "يا ليلى، يا ابنتي العزيزة. نحن لا نتجاهل سعادتكِ أبداً. ولكن في هذه الحياة، هناك أمورٌ تتجاوز مجرد رغباتنا اللحظية. والدكِ يريد لكِ الأمان والاستقرار. المهندس طارق رجلٌ قادرٌ على منحكِ ذلك. عائلتهُ تحترمنا، وعائلتنا تحترمهم. هذه فرصةٌ لا تعوّض."
"ولكن أبي،" قالت ليلى، وعيناها تغرقان في بحرٍ من الدموع، "قلبي… قلبي لا يشعر بشيءٍ تجاهه. لا أشعر بالارتياح، ولا بالسكينة. هل تريدني أن أعيش عمري كله مع رجلٍ لا أشعر تجاهه بأي اتصالٍ روحي؟"
"الاتصال الروحي يأتي مع الوقت يا ليلى،" قال الحاج سالم، وقد بدا عليه الإرهاق. "الزواج ليس مجرد قصة خيالية. إنه مؤسسة. وهو يبنى على الاحترام، وعلى الوفاء، وعلى تحمل المسؤولية. والمهندس طارق رجلٌ يتحمل المسؤولية."
كانت هذه الكلمات كسهامٍ تخترق قلب ليلى. هل أصبحت حياتها مجرد صفقةٍ تُجرى، ومسألةٍ تُحلّ بغير إرادتها؟ كانت تدرك أن والديها يقصدان الخير، لكنهما لم يمنحا قلبها المساحة التي يحتاجها.
فجأة، تذكرت يوسف. تذكرت ابتسامته الحانية، وكلماته المشجعة، ونظرته التي تحمل دفئاً لم تعرفه من قبل. هل كل هذا سيذهب هباءً منثوراً؟ هل سيُجبر قلبها على نسيان ما بدأ يتشكل فيه؟
"يا أبي،" قالت بصوتٍ مهزوز، "أرجوك. أعطني بعض الوقت. أحتاج أن أفكر."
"الوقت يا ليلى،" قال الحاج سالم، وقد ارتسمت على وجهه علامات القلق، "هو ما يضغط علينا. المهندس طارق ووالده سينتظرون رداً نهائياً خلال أسبوع. يجب أن نقرر."
أسبوع؟ أسبوع واحد لتقرر فيه مصير حياتها؟ شعرت بالاختناق. نظرت إلى والدتها، فوجدت عينيها تلتمسان منها التفهم، ولكن بدا أن ثقل هذه المسؤولية قد أثقل كاهلها أيضاً.
"لن أستطيع أن أتزوج المهندس طارق يا أبي،" قالت ليلى أخيراً، بصوتٍ ثابتٍ لكنه مكسور. "قلبي لم يوافق. وروحي ترفض."
تغير وجه الحاج سالم. ظهرت عليه علامات الاستياء الواضحة. "ليلى! لا تكوني طائشة. نحن نتحدث عن مستقبلٍ مشرق، عن رجلٍ صالح."
"ولكنه ليس الرجل المناسب لي يا أبي،" أصرت. "رجوتك، لا تضغط عليّ. إذا اضطررت، سأذهب إلى عمي الشيخ أحمد وأستشيره."
كان تهديداً ضمنياً، لكنه بدا قوياً في ظلّ هذا الموقف. كانت تعرف أن والدها لا يحبذ التدخلات الخارجية في أمور العائلة.
"حسناً،" قال الحاج سالم بعد صمتٍ طويل، وقد خفتت حدة صوته قليلاً، "لكن اعلمي أن هذا القرار سيكون له عواقب. عواقب قد لا تتوقعينها. لقد أصبحتِ في سن الزواج، يا ليلى، ولم يعد بإمكاننا تأخير الأمر إلى ما لا نهاية."
خرجت ليلى من غرفة المعيشة، تشعر وكأنها تركت خلفها جزءاً من روحها. صعدت إلى غرفتها، وأغلقت الباب خلفها. جلست على الأرض، تحتضن ركبتيها، وبدأت تبكي بصوتٍ عالٍ، كمن فقد كل شيء. الدموع كانت تنساب بلا انقطاع، تحمل معها كل ما كتمته في صدرها من حزنٍ وخوفٍ وحيرة. هل ستكون هذه نهاية قصة يوسف؟ هل ستُكتب نهايتها قبل أن تبدأ؟
في هذه الأثناء، كان يوسف يقف في شرفة منزله، ينظر إلى النجوم. كانت ليلة هادئة، والسماء صافية، لكن قلبه كان مضطرباً. كان يفكر في ليلى، في لقائهما القادم، وفي كلماته التي يريد أن يبوح بها. لم يكن يعلم شيئاً عن العرض الذي وصل ليلى، ولم يكن يتوقع أن تكون الأمور بهذه التعقيد. كان يحلم بمستقبلٍ معها، مستقبلٍ مبنيٍ على المودة والاحترام، مستقبلٍ حلال. لكنه كان يشعر أيضاً بقلقٍ ينمو في داخله، قلقٌ لا يستطيع تفسيره. كأن هناك غيمةً سوداء تتجمع في الأفق، تهدد بتبديد كل أحلامه.
في مكانٍ آخر، كان المهندس طارق يتحدث عبر الهاتف مع والده. "الأمر محسوم يا أبي. الفتاة وافقت مبدئياً. غداً سأذهب إلى والدها رسمياً لتقديم طلبي. إنها فرصةٌ ذهبية للعائلتين. لم أتوقع أن تكون بهذا الجمال، وبهذا الأدب."
كان يبتسم، واثقاً من نفسه، غير مدركٍ للصراع الداخلي الذي تعيشه ليلى، وغير عالمٍ بأن قلباً آخر بدأ ينمو في فضاء هذه القصة، قلباً قد يغير كل شيء.