الحب الحلال 159
بوحٌ لم يُنتظر وهمسةٌ كفيلةٌ بقلب السحر
بقلم ليلى الأحمد
كان الصباح يبدو مختلفاً. لم تعد أشعة الشمس الذهبية تنعكس على أوراق الشجر في الحديقة بنفس البهجة المعهودة. استيقظت ليلى على وقع صوتٍ داخليٍ يئنّ، يحمل ثقل قرارٍ مصيريٍ لم تكن مستعدةً له تماماً. أمس، استقرّ القرار المرعب في صدرها، وأعلنت لوالديها رفضها القاطع للزواج من المهندس طارق. كان الرفض صادراً من أعماق روحها، من حيث لا تستطيع منطق العائلة أو حساباتهم أن تصل.
جلست على طرف سريرها، تنظر إلى انعكاس وجهها في المرآة. كانت تبدو شاحبة، وعيناها تحملان أثراً لسهرٍ طويلٍ وبكاءٍ خفي. تذكرت كلمات والدها الأخيرة: "اعلمي أن هذا القرار سيكون له عواقب." ماذا تعني هذه الكلمات؟ هل سيتبرأ منها؟ هل سيُجبرونها على الزواج رغم أنفها؟ كانت تعرف أن والديها يحبانها، لكنهما كانا أيضاً رجلين يعتزان بكرامتهما وبمكانتهما الاجتماعية.
ارتدت ملابسها ببطء، وكل حركةٍ كانت تحمل ثقل التفكير. اختارت ثوباً بسيطاً بلون الس سماوي، لونٌ هادئٌ يحاول أن يخفف من حدة الاضطراب الذي تعيشه. نزلت إلى غرفة المعيشة، فوجدت والدتها تجهز الإفطار، وعلامات القلق لا تزال باديةً على وجهها.
"صباح الخير يا أمي،" قالت ليلى بصوتٍ خفيض، محاولةً رسم ابتسامةٍ باهتة.
"صباح النور يا حبيبتي،" ردت أمينة، وقد امتلأت عيناها بالحزن. "هل أنتِ بخير؟"
"سأكون بخير يا أمي،" قالت ليلى، وإن كانت الحقيقة بعيدةً كل البعد. "أنا فقط… احتاج إلى بعض الهدوء."
"أنا أعلم أن الأمر صعبٌ عليكِ،" قالت أمينة، وقد اقتربت منها واحتضنتها. "ولكن والدكِ… إنه غاضبٌ بعض الشيء. تخشين من ردة فعله."
"أنا أخشى يا أمي،" اعترفت ليلى، "لكن لا أستطيع أن أبيع نفسي لرجلٍ لا أطيقه. هذا ليس عدلاً."
"وأنا معكِ يا ابنتي،" قالت أمينة، وعادت لتجلس، "ولكن أخشى أن يزداد الأمر تعقيداً. لقد رأيتُ المهندس طارق ووالده بالصدفة أمس في السوق، وبدا عليهما الارتياح والثقة. كأنهما يعتبران الأمر محسوماً."
صعق الخبر ليلى. هل استغلوا حديثهم مع والديها ليُسرّعوا الخطى؟ هل كانوا يتلاعبون بها؟ شعرت بغضبٍ خفيٍ يشتعل في داخلها، ممزوجاً بالخوف.
بعد قليل، دخل الحاج سالم الغرفة. كان وجهه متجهمًا، ولم يلقِ التحية كعادته. تناول صحن الفطور بصمت، وبدأ يأكل ببطء. كان الجو متوتراً، وكل واحدٍ منهم يشعر بثقل وجود الآخر.
"لقد أبلغتهم يا ليلى،" قال الحاج سالم أخيراً، بعد صمتٍ طويلٍ أكل كل الكلام. "لقد أبلغت المهندس طارق ووالده أنكِ… غير مستعدةٍ للزواج حالياً."
شعرت ليلى بنغزةٍ في قلبها. هل كانت كلمة "غير مستعدة" كافية؟ ألم تكن صريحةً بما فيه الكفاية؟
"وهل اقتنعوا؟" سألت، تحاول أن تبدو هادئة.
"لم يبدُ عليهم القبول،" قال الحاج سالم، وقد بدا صوته فيه شيءٌ من الإحباط. "لقد أصرّ والده على اللقاء بكِ شخصياً. وقال إن الأباء والأمهات يعرفون مصلحة أبنائهم أفضل من الأبناء أنفسهم. قال إنني لستُ أبًا مخلصًا لابنتى إذا لم أزوجها رجلاً صالحاً مثل ابنه."
صمت الحاج سالم، وقد احمرّ وجهه. "لقد ضغط عليّ، وأنا… لم أرد أن أفسد العلاقة أكثر. ولكنني لم أوافق على لقاءٍ مباشرٍ بينكِ وبينه دون موافقتكِ."
"ولماذا أوافق يا أبي؟" سألت ليلى، وقد بدأت تشعر بأنها محاصرة. "لماذا أمنح هذا الرجل فرصةً ليقنعني بشيءٍ أنا لا أريده؟"
"لأنه رجلٌ ذو وجاهة، يا ليلى! لأني أنا لا أقبل أن يُقال عني أنني رفضتُ عرضاً جيداً لابنتي بسبب تعنتها!" قال الحاج سالم، وقد ارتفع صوته قليلاً. "أنتِ لا تفهمين طبيعة الأمور في مجتمعنا."
"ولكنك قلت إنك لن تجبرني يا أبي،" قالت ليلى، وعيناها تلمعان بالدموع.
"ولم أقل إني سأجبرك،" قال الحاج سالم، وقد أخذ نفساً عميقاً. "ولكنني أريد منكِ أن تفكري جيداً. هذه سمعتنا، يا ليلى. وسمعة العائلة. هل تريدين أن تجلبي لنا العار؟"
كانت هذه الكلمة الأخيرة كالصاعقة. العار؟ هل وصل الأمر إلى هذا الحد؟
"والآن،" قال الحاج سالم، وقد ألقى بمنشفته على الطاولة، "أبلغتهم أنكِ ستفكرين في الأمر. وأنكِ ربما تسمحين بلقاءٍ قصيرٍ في وجودي. هذا ما استطعتُ فعله لتجنب إفساد الأمر برمته."
خرج الحاج سالم من الغرفة، تاركاً وراءه ليلى وأمينة في صمتٍ مهيب. نظرت ليلى إلى والدتها، وقد بدت عليها الحيرة والقلق.
"يا أمي،" قالت ليلى، وصوتها يرتعش، "هل سأضطر للقاء به؟"
"لا أعلم يا ابنتي،" قالت أمينة، وهي تمسح دمعةً تسللت من عينها. "والدكِ في وضعٍ صعب. المهندس طارق ووالده رجلان لا يتنازلان عن رأيهما بسهولة."
شعرت ليلى بأنها على وشك الانهيار. ماذا ستفعل؟ هل ستُجبر على لقاء رجلٍ تكرهه، ورجلٍ يعتقد أنه يعرف مصلحتها أكثر منها؟
وفي هذه الأثناء، كان يوسف يشعر بقلقٍ متزايد. لم يستطع النوم جيداً في الليلة الماضية. كان يتصل بليلى، لكن هاتفها كان مغلقاً. بدأت الأفكار المظلمة تتسلل إلى ذهنه. هل حدث شيءٌ ما؟ هل تعرضت لضغوط؟
قرر أن يذهب إلى منزلها بعد صلاة العصر. كان مصمماً على رؤيتها، على الاطمئنان عليها، وعلى إخبارها بما يشعر به. كانت لديه كلماتٌ كثيرةٌ تودّ أن يبوح بها، كلماتٌ عن حبٍ بدأ ينمو في قلبه، حبٌ حلالٌ نقيّ.
في الظهيرة، وبينما كانت ليلى تبكي بصمتٍ في غرفتها، وصلها اتصالٌ من رقمٍ مجهول. ترددت قليلاً، ثم أجابت.
"ألو؟"
"ليلى؟"
كان الصوت عميقاً، مألوفاً بشكلٍ غريب.
"نعم، من يتحدث؟"
"إنه أنا… يوسف."
تجمدت ليلى في مكانها. يوسف! قلبه يخفق بقوة. لم تتوقع أن يتصل بها اليوم.
"يوسف؟" قالت بصوتٍ بالكاد مسموع.
"أجل يا ليلى. أردتُ أن أتأكد أنكِ بخير. هاتفكِ مغلقٌ منذ الأمس."
"كنت… كنت مشغولةً قليلاً،" قالت ليلى، تحاول أن تجمع أفكارها.
"هل أنتِ بخير حقاً؟" سأل يوسف، وقد شعر بشيءٍ من القلق في صوتها. "يبدو صوتكِ مختلفاً."
"أنا… أنا لستُ بخير تماماً يا يوسف،" اعترفت ليلى، وبدأت الدموع تنهمر من عينيها مرةً أخرى. "مررتُ ببعض الضغوط."
"ماذا حدث؟" سأل يوسف، وقد بدأت نبرته تتغير من القلق إلى الاهتمام العميق.
"عائلتي… لقد جاءهم عرضُ زواجٍ من رجلٍ آخر،" قالت ليلى، وبدأت الكلمات تتدفق منها. "رجلٌ لا أحبه، ولكنه مناسبٌ لوالديّ من الناحية المادية والاجتماعية. ويريدونني أن أوافق."
شعر يوسف بصدمةٍ عميقة. عرض زواج؟ من رجلٍ آخر؟ هل هذا ما كانت تخشاه؟
"ولكنكِ… أنتِ رفضتِ، أليس كذلك؟" سأل، ونبرته تملؤها الرجاء.
"نعم، رفضتُ. ولكن يبدو أن الأمر لم ينتهِ. والديّ… إنهما مضطران للتعامل مع عائلة هذا الرجل، ولا يريدان إثارة المشاكل."
"وماذا تريدين أن تفعلين؟" سأل يوسف، وهو يشعر ببرودةٍ تسري في عروقه.
"لا أعرف يا يوسف،" قالت ليلى، وبكت. "أشعر أنني محاصرة. أشعر أن مصيري يُقرر دون علمي."
"لا تقلقي يا ليلى،" قال يوسف، محاولاً أن يهدئ من روعها، وإن كان قلبه يرتجف. "سنفكر في الأمر معاً. لا تدعي أحداً يفرض عليكِ شيئاً. أنتِ لكِ الحق في اختيار حياتكِ."
"ولكن كيف؟" قالت ليلى. "كيف سأقنع والديّ؟"
"سأكون معكِ،" قال يوسف، وبنبرته الحازمة، شعر وكأنه يقف على أرضٍ صلبة. "سأذهب غداً إلى والدكِ. سأتحدث معه. سأطلب يده من والدكِ رسمياً. لا تخافي يا ليلى. لا تدعي أي ظلامٍ يعبث بمستقبلك."
كانت كلمات يوسف كبلسمٍ شُفيت به جراح ليلى. لأول مرةٍ منذ أيام، شعرت بنورٍ يخترق الظلام. أملٌ جديدٌ يولد. لكنها كانت تعلم أيضاً أن هذه الخطوة الجريئة قد تكون بداية لمواجهةٍ شرسة. مواجهةٍ بين رغبات القلب والتقاليد الجامدة، بين حبٍ حلالٍ ناشئٍ وبين مصالح عائليةٍ متجذرة.
"هل أنت جاد يا يوسف؟" سألت، وعيناها ما زالتا تلمعان بالدموع، ولكن هذه المرة، كانت دموع رجاء.
"أنا جادٌ جداً يا ليلى،" قال يوسف، وبنبرته الواثقة، شعر وكأنه يخوض معركةً حاسمة. "سأذهب غداً. وأرجو أن تكوني مستعدةً لما سيحدث."
أنهت ليلى المكالمة، وشعرت بثقلٍ هائلٍ قد زال عن صدرها. لم تعد وحدها في مواجهة هذا الأمر. يوسف معها. لكنها كانت تعلم أن الغد سيكون يوماً مليئاً بالتوتر، وأن هذه المواجهة القادمة قد تكون نقطة اللاعودة في حياتها.