الفصل 17 / 25

الحب الحلال 159

عاصفةٌ مفاجئةٌ تقلب الموازين

بقلم ليلى الأحمد

لم يأتِ الصباح أبداً كما اعتادته ليلى. لم تكن شروق الشمس مجرد بدايةٍ ليومٍ جديد، بل كانت بمثابة إيذانٍ ببدء معركةٍ مصيرية. استيقظت قبل أن يؤذن الفجر، وقلبها يدقّ بعنفٍ في صدرها كطبلٍ يقرع بضراوة. كانت كلمتا يوسف "سأذهب غداً" ترنان في أذنيها، حاملتين وعداً بالأمل، ومقدمتين إنذاراً بالخطر.

ارتدت ملابسها بعناية، اختارت ثوباً فضفاضاً بلونٍ نيليٍ عميق، يذكرها بالصفاء، بلون السماء قبل أن تشتعل بنار الأقدار. نزلت إلى غرفة المعيشة، حيث كانت أمينة، والدتها، قد استيقظت بالفعل، تصلي بخشوع. عند انتهائها، احتضنتها وقالت بصوتٍ خفيض: "لقد كلمني يوسف يا أمي. إنه سيذهب إلى أبي اليوم ليطلب يدي رسمياً."

نظرت أمينة إلى ابنتها بعينين واسعتين، مزيجٌ من الخوف والرجاء. "هل هو جادٌ في ذلك؟"

"نعم يا أمي. قال إنه لن يسمح لأحدٍ بفرض رأيه علينا."

تنهدت أمينة، وضمّت ابنتها بقوة. "إنها خطوةٌ شجاعةٌ منه، ولكنه قد يضع نفسه في موقفٍ حرج. والدكِ… ليس من النوع الذي يتقبل الأمور بسهولة، خاصةً عندما يتعلق الأمر بسمعة العائلة."

"ولكن، هل هذا هو ما تريده يا أمي؟" سألت ليلى، وعيناها تترقرقان بالدموع. "هل تريدينني أن أتزوج رجلاً لا أحبه؟"

"لا يا ابنتي،" قالت أمينة، وقد بدت كلماتها ثقيلةً بالندم. "ولكنني أخشى أن تفتح هذه المواجهة أبواباً لم نكن نتوقعها. الحاج سالم… إنه عنيدٌ جداً عندما يتعلق الأمر بما يعتبره صواباً."

بعد قليل، دخل الحاج سالم الغرفة. كان وجهه لا يزال يحمل آثار الغضب من الأمس، لكن عينيه كانتا تحملان بصيصاً من الحيرة. رأى ليلى تجلس مع أمها، فاقترب ببطء.

"هل تكلمتِ مع يوسف؟" سأل، وقد بدت نبرته أكثر هدوءاً هذه المرة، ولكنها تحمل تحدياً خفياً.

"نعم يا أبي،" قالت ليلى، وقد رفعت رأسها بثبات. "لقد كلمني. وهو سيأتي لطلب يدي منك اليوم."

انفجر الحاج سالم ضاحكاً، ضحكةً جافةً خاليةً من البهجة. "يطلب يدكِ؟ وهو ما الذي يملكه ليطلب يدكِ؟ هل يملك المال الذي يملك المهندس طارق؟ هل يملك المكانة الاجتماعية التي تضمن لكِ مستقبلاً مشرقاً؟"

"يملك قلباً يحبني يا أبي،" قالت ليلى، وبدأت كلماتها تخرج بجرأةٍ لم تعهدها من نفسها. "ويملك رجولةً ترفض أن يرى من يحب تُباع وتُشترى. وهو على استعدادٍ لمواجهة كل الصعاب من أجلي."

"هذه ليست شجاعة يا ليلى، هذه طيشٌ وتهور!" قال الحاج سالم، وقد عاد الغضب يلوح في عينيه. "هل تظنين أنني سأوافق على زواجٍ يجعل ابنتي في حاجةٍ لمن يعطف عليها؟ سأكون قد خنتُ الأمانة!"

"ولكنك قلت إنك لا تريد إجبارى،" قالت ليلى. "وهذا ما يحدث الآن. أنت تريد إجبارى على رجلٍ لا أحبه، لمجرد أنه يملك المال والمكانة."

"أنا أبحث عن استقراركِ يا ليلى! عن أمانكِ!" صاح الحاج سالم. "وهذا الرجل، المهندس طارق، رجلٌ كفءٌ وقادرٌ على توفير كل ما تحتاجينه."

"ولكنه لن يوفر لي السعادة يا أبي،" قالت ليلى، وعيناها ما زالتا ثابتتين على وجه والدها. "وهل السعادة تُشترى بالمال؟"

لم يستطع الحاج سالم الرد. كان يعلم أن لابنته حقاً، لكن تقاليده وقيمه كانت تحكمه.

في هذه الأثناء، كان يوسف يسير في الطريق إلى منزل الحاج سالم. كان يرتدي أجمل ما لديه، ثوباً جديداً بلونٍ داكن، وحذاءً لامعاً. في جيبه، كان يحمل علبةً صغيرةً من الشوكولاتة، أعدها خصيصاً لليلى، كهديةٍ رمزية. كان قلبه يرتعش، لكن عزيمته كانت قوية. لقد وعد ليلى، ولا يمكنه التراجع.

عندما وصل إلى بيت الحاج سالم، كان الظلام قد بدأ يخيّم على المكان. ترجل من سيارته، ووقف أمام الباب، يشعر بترددٍ غريب. هل هو مستعدٌ حقاً لهذه المواجهة؟

دقّ الباب. فتح الحاج سالم الباب، ونظر إلى يوسف نظرةً استغرابٍ لم تخفِ استياءً.

"أنت؟" قال الحاج سالم، بنبرةٍ تحمل الكثير من المعاني. "ما الذي جاء بكَ إلى هنا؟"

"جئتُ يا عمي،" قال يوسف، بثباتٍ وهدوء، "لأطلب يد ابنتك ليلى. طلباً رسمياً، بعلمكم جميعاً."

ارتعش وجه الحاج سالم، ولم يستطع أن يخفي دهشته. "تطلب يدها؟ وأنت؟ هل تعرف من أنا؟ وهل تعرف من هي ليلى؟"

"أعرف يا عمي. وأنا على استعدادٍ لمواجهة أي تحدٍ. أنا أحب ابنتك، وأريد أن أكون سندها ورفيق دربها في حياتها. حبٌ حلالٌ، يرضي الله ويرضيكم."

"حب؟" سخر الحاج سالم. "الحب لا يبني بيوتاً، ولا يطعم أفواهًا. أنا أفكر بمصلحة ابنتي، لا بأوهام الشباب."

"ولكن الحب هو أساس كل شيء يا عمي،" تدخلت ليلى، التي كانت تقف خلف والدها، وقد سمعت ما دار بينهما. "الحب يمنح القوة، ويجعل المستحيل ممكناً. وأنا أحب يوسف، وهو يحبني. هذا هو الزواج الذي أريده."

اتسعت عينا الحاج سالم، ونظر إلى ابنته بدهشةٍ أكبر. لم يكن يتوقع أن تكون جريئةً إلى هذا الحد.

"أبي،" قالت ليلى، وقد تقدمت قليلاً، "إذا كنت تحبني حقاً، فأرجوك، استمع إلى قلبي. لا تفرض عليّ رجلاً لا أشعر معه بأي شيء."

كانت نظرة الحاج سالم تنتقل بين يوسف وليلى. كان يشعر بصراعٍ داخليٍ عنيف. تقاليده، قيمته، ما يعتبره مصلحةً لابنته، كل هذا كان يتصادم مع رؤية ابنته، ورؤية يوسف الذي بدا واثقاً وصادقاً.

"أنا لن أقبل بهذا الأمر،" قال الحاج سالم أخيراً، وقد عاد صوتُه يحمل شيئاً من التحدي. "لديّ عرضٌ أفضل بكثير لابنتي. المهندس طارق. رجلٌ ذو مالٍ وجاهٍ، سيضمن لها مستقبلاً آمناً."

"ولكنه لن يضمن لها السعادة يا أبي،" كررت ليلى.

"وهل السعادة هي كل شيء؟" صاح الحاج سالم.

"نعم يا أبي! السعادة هي كل شيء! وهي لا تُشترى ولا تُباع!" قالت ليلى، وقد بلغت بها الإرادة مبلغها. "لقد كبرتُ، وأنا أعرف ما أريد. ولا أريد أن أعيش حياةً لا أختارها بنفسي."

وفجأة، حدث ما لم يكن في الحسبان. خرج الحاج عبد الله، والد المهندس طارق، من السيارة التي كانت واقفةً بالقرب، وقد رأى المشهد من بعيد. كان رجلاً ضخم الجثة، وصوته جهوري.

"ما كل هذه الضجة يا سالم؟" قال الحاج عبد الله، مقترباً. "هل هناك مشكلة؟"

نظر الحاج سالم إليه، وقد بدت على وجهه علامات الارتباك. "لا، لا شيء يا عبد الله. كنت أتحدث مع ابنتي."

"رأيتُ الشاب،" قال الحاج عبد الله، وهو ينظر إلى يوسف بازدراء. "هل هذا هو من تتحدثون عنه؟ لا أظنه مناسباً لابنتك."

"هو مناسبٌ لي يا عمي،" قالت ليلى، وبدأت تشعر بالخوف من هذا الرجل الغريب.

"وما الذي جعلكِ تظنين ذلك؟" سأل الحاج عبد الله، وقد علت نبرته. "هل يملك شيئاً؟ هل لديه عائلةٌ تضمن لكِ مستقبلاً؟"

"يملك قلباً طيباً،" قالت ليلى.

"قلب؟" سخر الحاج عبد الله. "القلوب لا تبني قصوراً."

"ولكنها تبني بيوتاً سعيدة،" رد يوسف، وقد تقدم خطوةً للأمام. "وهذه هي السعادة التي نبحث عنها. أنا أحب ليلى، وهي تحبني. وجئتك اليوم يا عمي، لا لأتحدث عن المال، بل لأطلب يدها منك، لتكون زوجتي على سنة الله ورسوله."

تغير وجه الحاج عبد الله، وقد علت عليه علامات الغضب الشديد. "تطلب يدها؟ هل جننت؟ هذه ابنة الحاج سالم، وهي مخطوبةٌ رسمياً لابني طارق. لا يمكن لأحدٍ أن يكسر هذه الصفقة."

"مخطوبة؟" سأل الحاج سالم، وقد بدت عليه علامات الاستغراب. "لم يتم أي شيءٍ رسمي بعد."

"ولكن الاتفاق تم،" قال الحاج عبد الله، وقد وقف وجهاً لوجه مع الحاج سالم. "وقد وافقت أنتَ بنفسك على بدء الإجراءات. لا يمكن أن تتراجع الآن."

"لم أوافق على شيءٍ رسمي،" قال الحاج سالم، وقد بدأ يشعر بالارتباك.

"ولكنك وعدت!" قال الحاج عبد الله، وقد ارتفع صوته. "والآن يأتي هذا الشاب ليخرب كل شيء؟"

"لا أخرب شيئاً،" قال يوسف، بثبات. "بل أقدم حباً صافياً، وطريقاً حلالاً."

"حباً؟" سخر الحاج عبد الله. "أين ذهب المال؟ أين ذهبت الوجاهة؟ هذه هي الأمور التي تهم في الزواج."

"بالنسبة لي، لا،" قالت ليلى. "بالنسبة لي، الحب هو كل شيء."

"ولم تعد أنتِ من تقررين!" قال الحاج عبد الله، ووجهه يحمرّ من الغضب. "الموضوع بيني وبين الحاج سالم. والاتفاق سيتم."

"ليس بالضرورة،" قال الحاج سالم، وقد بدأ يدرك حجم الورطة التي وقع فيها. "لقد قلتُ لابنتي إنني لا أريد أن أجبرها. وأنا… أنا لم أوافق رسمياً على زواجها من ابنك."

"هذا كذب! لقد وعدتني!" صاح الحاج عبد الله.

"وعدتك بأنني سأفكر،" قال الحاج سالم، وقد شعر بشيءٍ من القوة يتسلل إلى روحه. "ولكن ابنتي ترفض، وأنا… أنا لن أجبرها."

"إذاً، أنتَ ترفض عرض ابني؟" سأل الحاج عبد الله، وعيناه تقدحان شرراً.

"أنا… أنا لم أرفض عرضك،" قال الحاج سالم، وقد نظر إلى يوسف بعينين تحملان خليطاً من الغضب والحيرة. "ولكن ليلى… ليلى لديها رأيٌ آخر."

"هذه فضيحة!" صاح الحاج عبد الله. "لقد وعدتني، والآن تتراجع؟"

"لقد قلتُ لكَ، أنا لم أوافق رسمياً،" قال الحاج سالم، وقد شعر بشيءٍ من الانتصار، ولكنه كان ممزوجاً بالخوف من العواقب.

"حسناً،" قال الحاج عبد الله، وقد اقترب من يوسف، وكأنه يريد أن يبطشه. "إذا كان هذا هو رأيك، فلتنتظر العواقب. لا تعتقد أن الأمر سينتهي هكذا."

قال الحاج عبد الله كلماته الأخيرة، ثم استدار وغادر مسرعاً، تاركاً وراءه صمتاً مطبقاً.

وقفت ليلى ويوسف، والحاج سالم وأمينة، ينظرون إلى بعضهم البعض، وقد غمرهم خليطٌ من الصدمة، والارتياح، والخوف. لقد حدث ما لم يكن في الحسبان، وانقلبت الموازين بشكلٍ جذري. لكنهم كانوا يعلمون أن هذه العاصفة المفاجئة لم تكن سوى بدايةٍ لمعركةٍ أشدّ ضراوة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%