الفصل 3 / 25

الحب الحلال 159

نظراتٌ تتجاوز الحجب

بقلم ليلى الأحمد

بعد لقاءٍ خاطفٍ وغير متوقعٍ في سوق العطارين، وشعورٍ غامضٍ رافقها إلى مكتبة "زاوية الحكمة"، كانت "ليلى" تشعر بأن هناك قوةً خفيةً تدفعها نحو اكتشاف المزيد. لم تعد الأمور مجرد أحلامٍ مؤجلة، بل تحولت إلى رغبةٍ عارمةٍ في البحث عن معنىً أعمق، عن نورٍ يهدي قلبها.

في صباح يومٍ مشمسٍ، قررت ليلى أن تتجه إلى المخبز البلدي، حيث اعتادت والدتها أن ترسلها لشراء الخبز الطازج. لم يكن هذا مجرد عملٍ روتيني، بل كان فرصةً لرؤية العالم من منظورٍ مختلف، ولملاحظة التفاصيل الصغيرة التي غالباً ما تمر دون انتباه.

ارتدت ليلى عباءتها البسيطة، ووشاحها الذي يزين كتفيها بلونٍ هادئ. كانت تخطو بخطواتٍ واثقة، تحمل في عينيها ذلك البريق الجديد من التساؤل والأمل. وعندما وصلت إلى المخبز، كان المكان يعج بالحياة. رائحة الخبز الساخن، أصوات الباعة، وضحكات الأطفال، كلها كانت تتناغم لخلق جوٍ من الدفء والألفة.

وقفت ليلى في الصف، تنتظر دورها. كانت تتفحص الوجوه من حولها، تحاول أن تلتمس فيها قصصاً وحياة. وبينما كانت عيناها تتجول، وقعت على وجهٍ مألوف. كان الشاب الذي رأته في سوق العطارين. كان يقف في ركنٍ بعيدٍ من المخبز، يطلب شيئاً من البائع، ويبدو مشغولاً بحديثٍ معه.

شعرت ليلى بقلبها يقفز، واختلط مشاعر الفرح والارتباك. هل هو مصادفة؟ أم أن القدر يتدخل ليجمعهما مرةً أخرى؟ لمعت عيناها، ورغم محاولتها إخفاء اهتمامها، إلا أن نظراتها كانت تتسلل إليه بخفة.

كان الشاب يرتدي ثوباً مختلفاً عن الذي رأته به سابقاً، ثوبٌ أكثر رسميةً قليلاً، يدل على أنه ربما يعمل في مكانٍ يتطلب ذلك. كانت ملامحه الهادئة، ونظراته المركزة، تمنحه هالةً من الغموض والجاذبية.

تحدث مع البائع بصوتٍ منخفض، ثم التفت ليبتعد. في تلك اللحظة، رفعت ليلى رأسها، ووقعت عيناهما مرةً أخرى. هذه المرة، كانت النظرة أطول، وأكثر وعياً. لم تكن مجرد نظرةٍ عابرة، بل كانت نظرةً فيها اعترافٌ متبادل، وفيها سؤالٌ مبطن.

شعر ليلى بأن الزمن قد توقف. لم تكن تدرك ماذا تفعل، لكنها لم تستطع أن تسحب بصرها. ابتسم الشاب ابتسامةً خفيفة، تكاد تكون غير مرئية، ثم أومأ برأسه قليلاً قبل أن يغادر المكان.

ترك الشاب وراءه أثراً عميقاً في نفس ليلى. لم تعد مجرد اهتمامٍ فضولي، بل تحول إلى شعورٍ بالانجذاب، ورغبةٍ قويةٍ في معرفة المزيد عن هذا الشخص. هل هو شخصٌ طيب؟ هل لديه أخلاقٌ كريمة؟ هل يتوافق مع ما تعلمته من الشيخ عبد الرحمن؟

"واحدٌ من خبز الشعير، لو سمحت." قالت ليلى للبائع، بصوتٍ فيه بحةٌ خفيفة.

عندما عادت إلى المنزل، وجدت والدتها، الحاجة "أمينة"، في المطبخ. كانت الحاجة أمينة، امرأةٌ طيبةٌ القلب، وذات أخلاقٍ حميدة، لطالما كانت مرشدة ليلى في أمور الدين والدنيا.

"تفضلي يا ابنتي، هذا الخبز الطازج." قالت الحاجة أمينة، وهي تستلم الخبز من ليلى.

"أمي، هل رأيتِ الشاب الذي كان يقف في ركن المخبز؟" سألت ليلى، وهي تحاول أن تبدو طبيعية.

"أي شابٍ يا ابنتي؟ المخبز دائماً مليءٌ بالشباب." أجابت الحاجة أمينة، وهي تضع الخبز في السلة.

"ذلك الذي كان يرتدي ثوباً رمادياً، ويبدو مشغولاً."

فكرت الحاجة أمينة للحظة. "آه، تقصدين الشاب الذي يعمل في محل العطور بجوار سوق العطارين؟ إنه ابن الحاج "خالد"، الذي يملك المحل. شابٌ هادئٌ جداً، وكثيرٌ ما أرى والدته تأتي معها إلى المخبز. تبدو امرأةً صالحة."

شعرت ليلى بقلبها ينبض بتفاؤل. ابن الحاج خالد! لقد سمعت عن الحاج خالد، فهو رجلٌ معروفٌ بأمانته وتقواه. هذه المعلومة كانت كافيةً لتمنحها دافعاً قوياً.

"ابن الحاج خالد؟" تكررت ليلى، وعادت بها الذاكرة إلى رائحة العطور التي كانت تنبعث من متجره. "نعم، هو. رأيته مرةً في السوق."

"إذاً، يبدو أنكِ مهتمةٌ به." قالت الحاجة أمينة، بابتسامةٍ تحمل حكمة الأمهات.

"ليس اهتماماً يا أمي، مجرد فضول." أجابت ليلى، وهي تشعر باحمرارٍ يتسلل إلى خديها.

"الفضول هو بداية البحث. والبحث عن شريك الحياة الصالح هو أمرٌ محمود. ولكن، يجب أن يكون البحث في إطاره الشرعي. هل تعرفين عنه شيئاً آخر؟"

"علمتُ أنه ابن الحاج خالد، وهو تاجرٌ معروفٌ بالأمانة. وهذه المرأة التي رأيتها معه، يبدو أنها والدته."

"هذه معلوماتٌ جيدة. فاسم العائلة، وطريقة التربية، لها دورٌ كبير. ولكن، الأهم هو جوهر الرجل نفسه. هل رأيتِ فيه ما يسرّك؟"

"رأيتُ فيه هدوءاً، وتركيزاً. ونظراته كانت عميقة." قالت ليلى، وهي تصف ما شعرت به.

"هذه صفاتٌ جميلة. الهدوء يدل على العقل، والتركيز يدل على الجدية. ولكن، هل فكرتِ في الخطوة القادمة؟"

"الخطوة القادمة؟"

"نعم، إذا كان هناك اهتمامٌ متبادل، فالخطوة الطبيعية هي أن يأتي لخطبتكِ. أو أن يطلب والدكِ، أو أخي ، إذا كان لديكِ، أن يتقدم لطلب يدكِ. هذا هو الطريق الحلال."

شعرت ليلى بضيقٍ في صدرها. الخطبة؟ لم تكن مستعدةً لهذه الفكرة بهذه السرعة. كانت لا تزال في مرحلة البحث والفهم.

"أمي، لم أفكر في ذلك بعد. أنا فقط... أريد أن أفهم أكثر. أريد أن أرى إن كانت هناك فرصةٌ للتعارف الشرعي."

"هذا هو المطلوب يا ابنتي. التعارف الشرعي. ولكن، يجب أن يكون التعارف موجهاً نحو هدفٍ نبيل. لا ترضي بأقل مما أراد الله لكِ. الحب الحلال يبدأ بمعرفةٍ طيّبة، وينتهي بزواجٍ مبارك."

"إذاً، ما رأيكِ يا أمي؟ هل يمكن أن أسأل عن الشاب بطريقةٍ أخرى؟"

"يمكنكِ أن تسألي والدكِ. هو له علاقاتٌ طيبةٌ مع الحاج خالد. أو يمكنكِ أن تأذني لي أن أسأل عنها. نحن نعرف بعضنا البعض منذ زمن."

شعرت ليلى بالارتياح. لم تعد وحيدةً في هذا الشعور الجديد. والدتها كانت سندها، ومرشدتها.

"نعم يا أمي، بالطبع. يمكنكِ أن تسألي. ولكن، أريد أن أتأكد أولاً من أن هذه المشاعر ليست مجرد وهمٍ عابر."

"توكلي على الله يا ابنتي. والله لا يضيع أجر من أحسن عملاً. اذهبي الآن، وعدتِ والدكِ بأنكِ ستأتين إلى السوق لشراء بعض الأقمشة."

غادرت ليلى، وهي تشعر بأن خيوطاً جديدةً بدأت تتشابك في حياتها. لم يعد الأمر مجرد لقاءٍ عابر، بل أصبح بدايةً لرحلةٍ أعمق، رحلةٍ نحو الحب الحلال، نحو اكتشاف شريك الحياة الذي اختاره الله لها. كانت نظرات الشاب، وكلمات والدتها، وهدى الشيخ عبد الرحمن، كلها تتناغم في عقلها، ترسم معالم طريقٍ جديدٍ لم يكن يتوقعه أحد، ولا حتى هي نفسها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%