الفصل 5 / 25

الحب الحلال 159

أسرار الليل والغفلة

بقلم ليلى الأحمد

كانت الليلة قد أسدلت ستائرها المخملية الداكنة على مدينة تعج بالأحلام المكبوتة والآلام الخفية. في غرفته الهادئة، حيث يتسلل ضوء القمر الشاحب عبر نوافذها، كان أحمد يجلس وحده، يحدق في شاشة حاسوبه المضيئة، ينسج بخيوط الوهم عالماً آخر لا تمت للحقيقة بصلة. كانت أصابعه ترقص فوق لوحة المفاتيح بسرعة محمومة، كل نقرة، كل حرف، يرسله بعيداً عن واقعه، عن همومه، عن تلك الفتاة التي بدأت تطفو على سطح أفكاره كزورق يصارع أمواج الحياة.

"فاطمة". اسمٌ رقيقٌ كهمسة الريح، ولكنه يحمل في طياته ثقلاً لا يستطيع أحمد أن يتجاهله. منذ أن رأى ابتسامتها المتواضعة في ذلك المجلس العام، وذلك البريق الصادق في عينيها، وهو يشعر بشيءٍ يتغير بداخله. شيءٌ غريبٌ، مربك، ولكنه في الوقت ذاته، كان يدعوه للتساؤل. لكنه كان يخشى الاقتراب، يخشى الاعتراف بهذا الشعور الذي بدا له أشبه بالسراب، فالفرق بين عالمهما شاسع، وآلامه الداخلية أعمق من أن تُحكى.

كانت متعته الليلة، ككل الليالي، في ذلك العالم الافتراضي المظلم. حيث يرتدي قناعاً، يلعب دوراً، ويحقق انتصارات وهمية تمنحه شعوراً مؤقتاً بالقوة والسيطرة. كانت هذه هي متعته السرية، تلك التي يعلم في أعماقه أنها ستقوده إلى الهاوية، لكنه لم يستطع مقاومتها. كانت كعصا سحرية تبدد ظلام وحدته، وإن كان ظلاماً يزداد بؤساً كلما طالت مدة التعلق به.

"هل هذه هي الحياة التي أريدها؟" سأل نفسه بصوتٍ خفيض، بالكاد سمعه صدى الغرفة. كانت الإجابة مؤلمة. لم يكن راضياً، كان يشعر بالفراغ، وكان يبحث عن شيءٍ حقيقي، عن شيءٍ يملأ هذا الفراغ. كان يبحث عن فاطمة، عن تلك الابتسامة التي أضاءت له عتمة روحه، وعن تلك النظرة التي جعلته يتساءل عن معنى الحياة.

كان قد بدأ في الفترة الأخيرة يرى أحلاماً غريبة. صورٌ لفاطمة وهي تبتسم له، تتحدث إليه، تشاركه أحلامه. كانت أحلاماً تتركه متحمساً في الصباح، ولكنه كان سرعان ما يرتطم بجدار الواقع القاسي. واقعٌ فيه مسؤوليات، فيه واجبات، وفيه أيضاً ضعفٌ وتخاذل.

في تلك الليلة، وبينما كان ينغمس في عالمه الافتراضي، تلقى رسالةً عبر منصة تواصل خاصة. كانت من فاطمة. قلب أحمد تسارع، وشعر بقشعريرة تسري في جسده. تردد كثيراً قبل أن يفتحها، وكأنه يخشى ما قد تحمله.

"السلام عليكم يا أخ أحمد. أرجو أن تكون بخير. أردت أن أشكرك مجدداً على المساعدة التي قدمتها لوالدي في ذلك المشروع. لقد أشاد بك كثيراً، وقال إنك شابٌ ذو أخلاقٍ عالية وعقلٍ رشيد. كلامه أسعدني كثيراً، وأردت أن أشاركك هذه السعادة."

ابتسم أحمد وهو يقرأ الكلمات. كانت بسيطة، ولكنها تحمل دفئاً صادقاً. شعر بأن قلبه يخفق بقوة. هذه هي الرسالة التي كان ينتظرها، تلك التي تفتح له باباً، ولو كان ضيقاً، إلى عالمها. لكنه في الوقت ذاته، كان يشعر بالخوف. هل يستحق هذا الثناء؟ هل هو حقاً شابٌ ذو أخلاقٍ عالية وعقلٍ رشيد؟ أم أن ما يخفيه في عالمه السري يجعله شخصاً آخر؟

"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته يا أخت فاطمة. أسعدني جداً سماع ذلك. واجبٌ على كل مسلم أن يساعد أخاه المسلم. سررتُ كثيراً بأنني استطعتُ أن أقدم شيئاً مفيداً لوالدك الكريم. أدام الله صحته وعافيته." كتب أحمد رده بسرعة، محاولاً أن يبدو طبيعياً، ولكن في أعماقه، كانت هناك عاصفةٌ من المشاعر.

كانت تلك الرسالة بمثابة شرارةٍ أشعلت فيه أملاً جديداً، ولكنه كان أملاً ممزوجاً بقلقٍ عميق. كان يعلم أن ما يدخله من عالمٍ افتراضي مظلم قد يهدد كل شيء. كان يدرك خطورة إدمانه، وإلى أي مدى قد يجعله يبتعد عن القيم التي ينادي بها المجتمع، تلك التي يراها في فاطمة.

في تلك الليلة، لم يستطع أحمد النوم بسهولة. ظل يتقلب في فراشه، تتصارع في ذهنه أفكارٌ متناقضة. بين رغبته في الاقتراب من فاطمة، وبين خوفه من كشف حقيقته. كان يعلم أن الخطوة الأولى هي أن يتغلب على ضعفه، على تلك العادة السيئة التي تسللت إلى حياته كاللص. ولكن كيف؟ والظلام بدا له مريحاً، والعالم الافتراضي، رغم ما فيه من زيف، كان يمنحه شعوراً بالهروب من واقعٍ كان يراه أحياناً أشد قسوة.

تذكر كلمات شيخٍ كبيرٍ زاره قبل سنوات، حين كان يشكو له من ضيقٍ في الصدر. قال له الشيخ: "يا بني، إن الله خلق لنا نفساً أمارة بالسوء، ولكن جعل لنا عقلاً وبصيرة، وجعل لنا هدىً وعلماً. إن استجبنا لأمارة السوء، ضللنا. وإن استجبنا للعقل والنور، اهتدينا."

كانت كلمات الشيخ ترن في أذنيه الآن. هل كان يستجيب لأمارة السوء؟ هل كان عقله وبصيرته مستسلمة؟ نظر إلى هاتفه، ثم إلى شاشة حاسوبه. شعر بجدية الموقف. هذه ليست مجرد لعبة، هذه معركةٌ على روحه، وعلى مستقبله. وكان يعلم أن الانتصار في هذه المعركة، هو الشرط الأساسي لكي يحلم بأي مستقبلٍ مشرق، مستقبلٍ قد يجمع بينه وبين تلك الفتاة الصادقة، فاطمة.

وفي ختام الليل، بينما كان أذان الفجر يدوي في الأفق، أحس أحمد بنسمةٍ من الأمل. ربما، ربما يكون قادراً على التغيير. ربما يكون قادراً على كسر هذه القيود. ولكن المهمة كانت تبدو شاقة، والجبل الذي عليه أن يتسلقه بدا عالياً شاهقاً. هل ستمنحه فاطمة القوة الكافية ليصعد؟ أم أنه سيظل حبيس عالمه السري، يبتعد يوماً بعد يوم عن كل ما هو جميل وحقيقي؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%