الحب الحلال 159
أغواء الأرقام والمتاهات
بقلم ليلى الأحمد
تسللت خيوط الفجر الذهبية الأولى إلى نافذة غرفة أحمد، تحمل معها وعداً بيومٍ جديد، ولكنها لم تجد فيه سوى بقايا سهرٍ مضنٍ وأرقٍ لا ينتهي. لقد أمضى معظم الليل يتصارع مع أفكاره، وبين محاولةٍ يائسةٍ للنوم، وبين انغماسه مرة أخرى في أغواء عالمه الرقمي. كانت عيناه حمراوين، تفيضان بالإرهاف، وجسده منهكٌ، ولكنه كان يشعر بنشاطٍ غريب، نوعٌ من الأدرينالين الذي كان يمنحه إياه التحدي في اللعبة، والإثارة التي كانت تنتابه في كل مرةٍ يحقق فيها "انتصاراً" وهمياً.
كان يشعر بالذنب، ولكنه في الوقت ذاته، كان يشعر بالإدمان. كان يعلم أن ما يفعله ليس صحيحاً، ولكنه لم يكن يستطع التوقف. كانت تلك الأرقام، تلك المستويات، تلك المنافسات، قد أصبحت عالماً موازياً، عالماً يشعر فيه بالقوة والسيطرة، على عكس واقعه الذي كان يراه مليئاً بالصعوبات والتحديات التي لا يقوى عليها.
"فقط هذه المرة، سأخرج مبكراً"، كان يهمس لنفسه، ولكنه كان يجد نفسه يغوص أعمق، ينفق ساعاتٍ أطول، تاركاً ساعات النوم الثمينة تضيع سدى. لقد أثر ذلك على دراسته، وعلى عمله، وعلى علاقاته الاجتماعية. أصبح يفضل الوحدة، يفضل البقاء في غرفته، متجنباً أي لقاءاتٍ قد تكشف عن حالته.
في ذلك اليوم، وبينما كان يتناول فطوره ببطء، غارقاً في شاشات هاتفه، تلقى اتصالاً. كان من والده. ارتجف قلبه قليلاً. كان لقاؤهما الأخير قد شهد جدلاً خفيفاً حول مستقبله، حول تركيزه على "تلك الألعاب" كما وصفها والده.
"أهلاً يا أبي"، قال أحمد بصوتٍ خفيض، محاولاً أن يخفي إرهاقه. "أهلاً بك يا بني. كيف حالك؟ سمعت أنك كنت ساهراً الليلة الماضية؟" سأل والده بنبرةٍ تحمل قلقاً أبوياً. "لا يا أبي، مجرد بعض العمل على مشروعٍ مهم." كذب أحمد، وشعر بوخزةٍ من الضيق. "مشروعٌ مهمٌ لدرجة أن يضيع نومك؟ يا أحمد، أنا قلقٌ عليك. صحتك أهم من أي مشروع. وأخشى أن هذه "الألعاب" التي تقضي عليها معظم وقتك قد أثرت عليك."
أحس أحمد بالغضب، ولكنه كتمه. لم يكن يريد أن يفتح نقاشاً آخر. "يا أبي، أنا أعرف ما أفعله. أنا أسيطر على أموري." "أتمنى ذلك يا بني. ولكنني أرى بعيني أنك تتغير. وجهك شاحب، وعيناك متعبتان. لا أراك تخرج كثيراً، ولا تتواصل مع أصدقائك. أخشى أن هذه العادة قد أصبحت تتحكم فيك."
تنهد والده. "أتذكر عندما كنت صغيراً، كم كنت تحب قراءة القصص؟ كنت تقضي ساعاتٍ في المكتبة. والآن، أراك تضيع وقتك في عالمٍ افتراضي، يتلاشى مع شروق الشمس."
كانت كلمات والده مؤلمة، لأنها كانت قريبة من الحقيقة. كان أحمد يتذكر تلك الأيام، أيام الطفولة والشباب، حين كانت لديه أحلامٌ مختلفة، وطموحاتٌ أسمى. ولكن شيئاً ما قد تغير. شيئاً ما جعله ينحرف عن الطريق.
"يا أبي، أنا أفهم قلقك. وسأحاول أن أكون أفضل." قال أحمد، ولم يكن متأكداً من صدق كلماته. "أتمنى ذلك يا بني. استمع، إن كانت هناك أي مشكلة، أي شيءٍ يزعجك، تحدث معي. لست وحدك. ونحن هنا لدعمك."
شعر أحمد بالامتنان لكلمات والده، ولكن لم يستطع أن يفسر له طبيعة مشكلته. كيف له أن يشرح له أنه مهووسٌ بلعبةٍ لم يفهمها إلا هو؟ كيف له أن يشرح له الفراغ الذي يشعر به، والفراغ الذي تحاول هذه اللعبة أن تملأه؟
بعد انتهاء المكالمة، شعر أحمد بزيادةٍ في الضغط. كانت رغبة والده في مساعدته، ورغبته هو في الهروب، تتصارعان في داخله. فكر في فاطمة. هل كانت ترى فيه هذا الضعف؟ هل كانت تشعر بنفس القلق الذي يشعر به والده؟
لم يكن يعرف كيف يتعامل مع مشاعره تجاهها. كانت كالنور الذي يظهر من بعيد، ولكنه كان يخشى الاقتراب منه خشية أن يبتلعه الظلام. كان يرغب في أن يظهر لها بأفضل صورة، الشاب القوي، المسؤول، صاحب المبادئ. ولكنه كان يعلم أن صورته الحقيقية، على الأقل في هذه الفترة، كانت بعيدةً عن ذلك.
في تلك الظهيرة، قرر أن يذهب إلى المكتبة العامة. كان قد ابتعد عنها لفترةٍ طويلة. وبينما كان يتجول بين الرفوف، وقعت عيناه على قسم الكتب الإسلامية. تذكر أنه كان قد استعار كتاباً عن "التعلق الدنيوي" قبل فترةٍ طويلة، ولم يعده. ذهب ليجده، ولدى عودته إلى قسم الروايات، رأى كتاباً بعنوان "الحب الحلال". لفت انتباهه الاسم. شعر وكأنه نداءٌ له.
فتح الكتاب، وبدأ يقرأ بضع صفحات. كانت الكلمات تتحدث عن الحب النقي، عن العلاقات التي تبنى على أسسٍ صحيحة، عن الشفافية والصدق. شعر وكأن الكاتب يخاطبه مباشرة. كان يتحدث عن التحديات التي تواجه الشباب، عن كيفية تحقيق التوازن بين الرغبات الشخصية والالتزامات الدينية والأخلاقية.
"وما أدراك ما الحب الحلال؟" قرأ في إحدى الفقرات. "إنه ليس مجرد شعورٍ عابر، بل هو رباطٌ مقدس، ينمو ويزدهر في ظل رضا الله، ويُبنى على الاحترام المتبادل، والتفاهم العميق، والسعي المشترك نحو الخير. إنه نورٌ يشع، يدفع بصاحبيه إلى الارتقاء، لا إلى السقوط."
شعر أحمد بتأثيرٍ غريب. وكأن الكتاب يفتح له نافذةً جديدة، نافذةً على عالمٍ مختلف، عالمٍ يعيش فيه الناس ببساطةٍ وصدق. عالمٍ لم يكن فيه إدمانٌ أو وهم. كانت فاطمة، بعفويتها وصدقها، تجسيداً لهذا العالم.
في تلك الليلة، بدلاً من أن يفتح حاسوبه، أمسك بكتاب "الحب الحلال" وجلس يقرأ. كانت الكلمات تشد انتباهه، وتشرح له أموراً كان يشعر بها ولكنه لم يستطع أن يعبر عنها. كان يدرك أن عالمه الرقمي، الذي كان يرى فيه متنفساً، هو في الواقع سجنٌ يقيده.
"إن التعلق بالأشياء الزائلة، سواء كانت ألعاباً، أو مالاً، أو سلطة، هو ما ينسينا ما هو خالدٌ وما هو أبقى." قرأ، وشعر بصدق الكلمات. لقد كان يتعلق بالألعاب، وكانت تنسيه حقيقة حياته، تنسيه رغبته في البحث عن حبٍ حقيقي، عن علاقةٍ مباركة.
أدرك أحمد أن إدمانه ليس مجرد عادة سيئة، بل هو انعكاسٌ لفراغٍ داخلي، لفقدانٍ في معاني الحياة. وأن التغلب عليه ليس مجرد قرار، بل هو رحلةٌ تحتاج إلى صبرٍ ومجاهدة. كان يعرف أن الطريق سيكون صعباً، وأن المغريات ستظل تحيط به. ولكن، لأول مرةٍ منذ فترةٍ طويلة، شعر بأن لديه هدفاً، هدفاً يجعله يستحق أن يحاول.
عندما نظر إلى ساعته، وجد أن الفجر قد اقترب. كان قد أمضى الليل يقرأ، ولم يشعر بالتعب. كانت كلماته قد أنارت له الطريق، وأعطته بصيص أمل. هل كان قادراً على تحقيق "الحب الحلال"؟ هل كان قادراً على أن يصبح الشخص الذي تستحقه فاطمة؟ أسئلةٌ تلوح في الأفق، تنتظر إجاباتٍ ستتشكل على مدى الأيام القادمة.