الزوجة الصالحة 160

همسات القدر وتحديات الأيام

بقلم ليلى الأحمد

كانت نسمات الصباح الباكر تلفح وجه لبنى وهي تقف على شرفة منزلها المطل على واحة النخيل الممتدة. تركت شعاع الشمس الأول يداعب خصلات شعرها الداكنة، تتأمل الأفق الذي كان يختزل كل آمالها ومخاوفها. ما زال صوت جدها يتردد في أذنيها، تلك الكلمات التي جاءت كصاعقة في ليلة أمس، وكأنها تلقي بظلالها الثقيلة على كل ما كان يبدو واضحاً قبلها. "يا ابنتي، لم تعد فاطمة وحدها في الصورة، هناك آخرون، وأمور تتشابك أكثر مما تتخيلين."

لم تكن لبنى قد فهمت تماماً ما كان يقصده جدها. كان الشيخ محمود، عميد الأسرة وركنها المتين، رجلاً قليل الكلام، لا يلجأ إلى الحديث إلا إذا كان الأمر جللاً. تلك الليالي التي شهدت حديثه مع والدتها، سهام، كانت مليئة بالنظرات القلقة والأحاديث الهامسة التي كانت تثير فضولها منذ صغرها. لطالما شعرت بأن هناك سراً ما يحيط بأسرتها، سراً يتناقلته الأجيال في طيات التاريخ العائلي، ولكنه لم يظهر قط بشكل واضح.

جلست على مقعد خشبي قديم، تحف به زهور الياسمين التي تعبق بأريجها المنعش، ووضعت كوب الشاي الدافئ بين يديها. تذكرت لقاءها الأخير مع سالم، المهندس الشاب ذي القلب الكبير والنوايا الصافية. كان لقاءً عادياً، حديثاً عن مستقبل مشاريعهما المشتركة، وعن خططهما لبناء بيت هادئ تحت ظلال رضى الله. ولكن الآن، باتت كل كلمة قالها، وكل نظرة تبادلاها، تحمل وزناً جديداً. هل كان سالم على علم بشيء مما يجول في خواطر جدها؟ هل كان هذا الزواج، الذي طالما رأته ملاذاً آمناً، مجرد خطوة ضمن مخطط أكبر؟

في الأيام القليلة الماضية، لاحظت لبنى تغيراً طفيفاً في تصرفات سالم. كان يزداد انشغالاً، ويتلقى مكالمات هاتفية متكررة، غالباً ما يبتعد عنها لإجرائها. كانت تفسر ذلك بضغوط عمله، فطالما عرفته شغوفاً بمهنته، ولكن القلق بدأ يتسلل إلى قلبها. هل كانت مجرد ظنون أم أن هناك ما يستدعي انتباهها حقاً؟

في صباح ذلك اليوم، قررت أن تتجاوز حيرتها. كان لا بد من المواجهة، لا بد من فهم الحقيقة، مهما كان ثمنها. تركت الشرفة وصعدت إلى غرفة جدها، حيث كان يجلس يقرأ في مصحفه الشريف. استأذنت بالدخول، ودخلت وقلبها يخفق بشدة.

"صباح الخير يا جدي"، قالت بصوت حاول أن يكون هادئاً. "صباح النور يا لبنى. تفضلي بالجلوس." جلست لبنى أمامه، واستجمعت قواها. "جدي، أنا بحاجة إلى فهم. بالأمس، قلت لي أن فاطمة لم تعد وحدها في الصورة، وأن هناك أموراً تتشابك. ما الذي تعنيه بذلك؟"

نظر إليها الشيخ محمود بعمق، وعيناه تحملان خليطاً من الحكمة والتأمل. "يا ابنتي، إن تاريخ عائلتنا، كغيره من العائلات العريقة، له أحداثه وظروفه. قصة جدتك فاطمة، رحمة الله عليها، لم تكن قصة حب بسيطة كما روينا لكم. كانت هناك ظروف، كانت هناك مؤامرات، كانت هناك قرارات اتخذت بدافع الحاجة، وليس بدافع الرغبة."

تنهدت لبنى. "ولكن ما علاقة ذلك بي؟ وماذا عن سالم؟" "سالم شاب طيب، ونعم الزوج. ولكن يا لبنى، الحياة ليست دائماً كما تبدو. هناك من لا يريد لنا أن نصل إلى بر الأمان. هناك من يحاول زرع الشقاق، وخاصة في هذه الأوقات التي تقتربين فيها من تكوين أسرتك."

"من تقصد يا جدي؟" سألت بتوتر. "لا أريد أن أقلقك أكثر من اللازم، ولكن هناك أطرافاً لا ترتاح لتوحد عائلتنا، ولا لنجاحها. ورثنا أرضاً، ورثنا إرثاً، وهناك من يرى في ذلك فرصة للاستحواذ. وقد استخدموا كل الوسائل، حتى استغلوا ضعف البعض، أو طمع البعض."

ثم استطرد قائلاً: "والدتك، سهام، كانت في الماضي على وشك الزواج من شخص آخر. رجل لم يكن على خلق، ولكنه كان ذا جاه ومال. حاولت جدتك فاطمة، جاهدة، أن تمنع ذلك الزواج. وكان لها أسبابها. وقد نجحت في النهاية، ولكن بثمن غالٍ."

بدأت الصورة تتضح بشكل مرعب في ذهن لبنى. "هل تتحدث عن...؟" "نعم، عن عمك راشد." قال الشيخ محمود بجدية. "لقد حاول راشد، بكل الطرق، أن يفسد حياتنا. لم يكن يرى فينا سوى منافسين على ما يعتقد أنه حقه. وقد استخدم سالم، أو بالأحرى، استخدم بعض أصدقاء سالم الذين كانوا في حاجة للمال، ليبثوا الفتنة."

ارتعش قلب لبنى. "ماذا؟ سالم؟" "ليس سالم نفسه يا ابنتي. سالم بريء، وقلبه أبيض. ولكن، كما قلت، هناك من حوله. راشد، وبمساعدة بعض الأشخاص الذين يثق بهم سالم في عمله، حاولوا زرع الشك في قلبك، وزرع الخوف في قلب والدتك. كانوا يريدون أن يتراجع سالم عن خطبته، أو أن تتراجع أنتِ. كانوا يريدون أن يبقوا الأمور في حالة اضطراب."

شعرت لبنى ببرودة تسري في عروقها. كل ما كانت تبنيه، كل ما كانت تثق به، بدأ يتداعى أمام عينيها. "ولكن لماذا؟ لماذا يريدون ذلك؟" "لأنهم يرون في زواجك من سالم، زواجاً قوياً، زواجاً يضم عائلتين، زواجاً يحمي إرثنا. إنهم لا يريدون أن تكوني قوية، ولا أن تكون عائلتك موحدة. أرادوا أن يضعفوا سالم، وأن يضعفوكِ. وقد استخدموا مسألة المال، مسألة الشكوك حول مشاريع سالم، ليبثوا الشائعات. لقد حاولت منع ذلك، ولكن الأمور تسارعت."

"وهذا يعني... أن سالم قد يكون على علم بما يحدث؟" سألت بصوت مرتجف. "لا أظن ذلك. سالم شاب عفيف. ولكنه ربما لم ينتبه لخيوط المؤامرة التي نسجت حوله. راشد، وبيده مبالغ طائلة، استطاع أن يؤثر على البعض. أرادوا أن يجعلوكِ تشكين في سالم، وأن تشك والدتك فيه، وبالتالي، تتفرق العائلة."

لم تستطع لبنى استيعاب كل ما تسمعه. كانت تتخيل سالم، المهندس الواثق، الرجل الذي لطالما أحبته لا لأجل ماله أو جاهه، بل لأجل أخلاقه ودينه، متورطاً، ولو بشكل غير مباشر، في مؤامرة. كان ذلك أمراً يفوق قدرتها على الاحتمال.

"وماذا عن أبي؟" سألت بصوت بالكاد مسموع. "والدك... كان يحاول حمايتك. كان يعلم أن هناك شيئاً ما، ولكنه لم يكن يملك الدليل القاطع. لقد أردت أن أخبركِ أنا بنفسي، لأن الأمر يتعلق بتاريخ العائلة، وبمسؤوليتكِ المستقبلية. لا يمكننا أن نترك راشد ينتصر. لقد أضر بنا كثيراً، ولا نريد أن يمد يده إلى مستقبل عائلتنا."

نظرت لبنى إلى جدها، ورأت في عينيه حكمة سنين طويلة، وحزناً عميقاً على ما مرت به العائلة. شعرت بأن ثقل العالم كله قد وقع على كتفيها. إنها ليست مجرد فتاة تبحث عن حياة هادئة، بل هي جزء من صراع تاريخي، صراع على الحق، وعلى مستقبل الأجيال.

"ماذا علي أن أفعل يا جدي؟" سألت، ودموعها بدأت تتساقط. "عليكِ أن تكوني قوية يا ابنتي. عليكِ أن تواجهي الحقيقة. عليكِ أن تثقي بمن يستحق الثقة، وأن تبعدي عنكِ كل ما يثير الشك. سالم هو خير لكِ، وهذا ما رأيته، وهذا ما رأته والدتك. ولكن عليكِ أن تتأكدي بنفسك، وأن تكتشفي ما خلف هذه المؤامرة."

حين خرجت لبنى من غرفة جدها، لم تعد هي نفسها. كانت الأفكار تتصارع في عقلها. سالم، المهندس المحبوب، هل يمكن أن يكون قد سمح لشخص ما بالتأثير عليه؟ هل كان ما يحدث هو مجرد سوء فهم؟ أم أن هناك مؤامرة حقيقية تحاك حول زواجها؟

نظرت إلى هاتفها، ترددت في الاتصال بسالم. ماذا ستقول له؟ كيف ستواجهه بهذه الاتهامات، وهي نفسها لا تملك الدليل القاطع؟ شعرت بأنها تقف على حافة الهاوية، وأن كل خطوة ستتخذها قد تكون مصيرية.

في تلك اللحظة، وبينما كانت واقفة تحت أشعة الشمس، وبين نسمات الهواء العليل، شعرت بأن قدرها قد اتخذ منعطفاً جديداً. لم تعد الأيام القادمة مجرد أيام عادية، بل ستكون أياماً مليئة بالتحديات، أياماً تتطلب منها شجاعة لم تكن تعرف أنها تمتلكها. أما سالم، فكان عليها أن تتأكد من حقيقته، من صدقه، وأن تفهم ما إذا كانت مشاعره تجاهها أعمق من أي تأثير خارجي. لقد دخلت لبنى في مرحلة جديدة، مرحلة لم تكن تتوقعها أبداً، مرحلة ستكشف فيها عن معادن الرجال، ومعادن النساء.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%