الزوجة الصالحة 160
بين الشك واليقين: مواجهة الحقيقة
بقلم ليلى الأحمد
عادت لبنى إلى غرفتها، وقلبها ينبض بقوة، كطائر أسير يحاول الفرار من قفصه. الحوار مع جدها لم يزدها إلا حيرة وقلقاً. فكرة أن سالم، الإنسان الذي وثقت به، قد يكون متورطاً، حتى لو بشكل غير مباشر، كانت مؤلمة. لم تكن تتخيل أبداً أن تضعف ثقتها به، خاصة وأن ظروفهما كانت دائماً مبنية على الاحترام المتبادل والتقدير.
جلست على سريرها، وأغمضت عينيها، تحاول استعادة كل تفاصيل لقاءاتها مع سالم. كانت تتذكر كيف بدأ كل شيء: الصدفة التي جمعتهما في حفل عائلي، حديثهما الأول عن مشاريع مشتركة، إعجابه بذكائها وطموحها، وإعجابها بحكمته وتواضعه. كانت خطواتهما نحو الزواج مدروسة، ومباركة من الأهل. كان يبدو كل شيء مثالياً، مثالياً لدرجة أنها لم تخطر ببالها أبداً احتمالية وجود ما يعكر صفو هذا الصفاء.
ولكن كلام جدها لم يكن مجرد وساوس. لقد عرفت الشيخ محمود كرجل لا يتكلم إلا بالحق، ولا يخشى في الحق لومة لائم. إذا قال إن هناك مؤامرة، فإن هناك مؤامرة. وإذا ربطها بعمها راشد، فإن ذلك يفسر الكثير من العداوات القديمة التي كانت تشعر بها العائلة تجاه راشد.
تنهدت لبنى. "ماذا لو كان سالم قد استغل؟" فكرت بصوت عالٍ. "ماذا لو كان راشد قد وجد في سالم نقطة ضعف؟" كانت تعلم أن سالم، رغم كونه مهندساً ناجحاً، إلا أنه كان يواجه بعض التحديات المالية في بدايات مشاريعه الكبرى. هل يمكن أن يكون راشد قد استغل هذه الحاجة؟
كانت تعلم أن والدتها، سهام، كانت تشعر ببعض القلق تجاه سالم في الآونة الأخيرة، ولكنها لم تكن تعرف السبب. لقد كانت سهام دائماً حذرة، ولكنها كانت تثق بحدس لبنى. والآن، بدأت تتكشف أبعاد قلق والدتها.
"يجب أن أتحدث إلى سالم"، قررت لبنى. لكنها لم تكن تعرف كيف تبدأ. هل تواجهه مباشرة؟ هل تسأله عن أموال راشد؟ هل تطلب منه توضيحات بشأن مكالماته الهاتفية المتكررة؟ كل هذه الاحتمالات كانت تبدو مرهقة ومؤلمة.
في تلك اللحظة، رن هاتفها. ظهر اسم سالم على الشاشة. تنهدت بعمق، شعرت بأن قلبهما قد أرسل رسالة ما لبعضهما البعض. ترددت للحظة، ثم أجابت.
"السلام عليكم يا سالم." "وعليكم السلام يا حبيبتي. كيف حالك؟" صوت سالم كان هادئاً، ولكنه بدا فيه شيء من التعب. "أنا بخير، الحمد لله. أنت كيف حالك؟" "بخير. كنت أفكر بكِ. هل لديكِ وقت لمقابلتي الليلة؟ لدي أمر مهم أريد أن أتحدث فيه معكِ."
شعر قلب لبنى بانقباض. "أمر مهم؟" هل هذا هو الوقت الذي سيكشف فيه كل شيء؟ "بالتأكيد يا سالم. أين تحب أن نلتقي؟" "في المقهى الذي اعتدنا الذهاب إليه، بعد صلاة العشاء. أرجو أن تأتي."
"سآتي"، قالت لبنى، وحاولت أن يبدو صوتها طبيعياً. أنهت المكالمة، وشعرت بأن العرق بدأ يتصبب منها. كانت تعرف أن هذه الليلة ستكون فاصلة. إما أن تتبدد الشكوك، أو أن تتعمق أكثر.
ارتدت لبنى أجمل ما لديها من ملابس محتشمة، ووضعت عطراً خفيفاً. لم يكن الأمر يتعلق بالأناقة، بل بالشعور بالاستعداد لمواجهة أي شيء. حين وصلت إلى المقهى، وجدت سالم ينتظرها. كان يجلس بهدوء، وكأنه يفكر في أمر عميق.
"مساء الخير يا سالم." "مساء النور يا لبنى. تفضلي بالجلوس." جلست أمامه، وبدأت تتبادل معها نظراتهما. كانت نظرة سالم مليئة بالاهتمام، ولكنها كانت تحمل أيضاً شيئاً من القلق.
"ما هو الأمر المهم الذي أردت التحدث فيه يا سالم؟" سألت لبنى، مباشرة. نظر سالم إليها، وتنهد. "يا لبنى، أنا أردت أن أتحدث معكِ في أمر يشغل بالي كثيراً. مؤخراً، شعرت بأن هناك من يحاول أن يثير الشكوك حول مشاريعي. أناس لا أعرفهم جيداً، ولكنهم يظهرون اهتماماً زائداً بأعمالي."
"من هم هؤلاء الناس؟" سألت لبنى، وحاولت أن تخفي توترها. "لا أعرف هويتهم بالضبط. ولكنني تلقيت عروضاً مالية مغرية من بعض الأشخاص، لعقد شراكات جديدة. بعض هذه العروض تبدو غير منطقية، وتفوق قدرة أي مستثمر عادي. شعرت بأن هناك شيئاً مريباً."
"هل أنت متأكد يا سالم؟" سألت لبنى، متذكرة كلام جدها. "بالتأكيد. لقد رفضت هذه العروض. ولكن ما يقلقني أكثر هو أنني أخشى أن يكون قد تم استغلال هذه الفرص لإثارة الشكوك حول مصداقيتي. وخاصة، أن أرى بعض الحذر في عينيكِ في الأيام الماضية."
كانت هذه هي اللحظة. لحظة الحقيقة. "يا سالم"، قالت لبنى، بصوت واثق، رغم اهتزاز قلبها. "أنا أحبك، وأثق بك. ولكن... هل سمعت عن اسم راشد؟"
تبدل وجه سالم. ظهر عليه شيء من الدهشة، ثم شيء من الفهم. "راشد؟ عمك؟ ماذا له علاقة بالأمر؟" "جدتي فاطمة، رحمة الله عليها، كانت تخبرني أحياناً بأن هناك خلافات قديمة بين عمي راشد وعائلتنا. خلافات حول إرث، وخلافات حول سلطة. وقد أخبرني جدي اليوم، بأن راشد قد يكون يحاول استغلال هذه الأوقات، ليبث الفتنة بيننا."
نظر سالم إلى لبنى، بعينين واسعتين. "هل يعني هذا أن راشد هو من يقف وراء هذه العروض المغرية؟" "لا أعرف يا سالم. ولكن جدتي كانت تقول إن راشد لا يترك فرصة إلا واستغلها لزرع الشقاق. وقد أخبرني جدي بأن راشد قد يكون قد حاول التأثير على بعض الأشخاص المقربين منك، ليبثوا الشكوك في قلبي، وفي قلب والدتي."
صمت سالم للحظة، وكأنه يجمع أفكاره. ثم قال: "يا لبنى، أنا رجل مسلم، وأخشى الله. لم أفكر يوماً في أن أكون جزءاً من أي مؤامرة. ولكنني الآن أفهم. لقد حاولت هذه الأيام أن أبذل قصارى جهدي لتجاوز بعض الصعوبات المالية التي واجهتني في مشاريعي. وربما، في خضم هذه الضغوط، لم أنتبه بشكل كافٍ لمن يحاول استغلالي."
"وهل كان هناك أشخاص محددون يحاولون مساعدتك؟" سألت لبنى، وهي تشعر ببعض الأمل. "نعم. هناك بعض الأشخاص الذين عرفتهم في مجال العمل، وكانوا يظهرون اهتماماً كبيراً بمشاريعي. لقد عرضوا عليّ تقديم بعض المساعدات المالية، وبعضهم بدأ يزرع فكرة أن الشراكة معي قد تكون مفيدة لهم. الآن، أفهم أن هذه ربما كانت جزءاً من خطة. ربما كانوا يحاولون أن يجعلوني أعتمد عليهم، أو أن أتورط معهم بطريقة ما."
"وماذا عن مكالماتك الهاتفية المتكررة؟" سألت لبنى. "كنت أتحدث معهم. كنت أحاول أن أفهم ما يريدون. وكنت أخشى أن أرفضهم بشكل مباشر، حتى لا أثير حساسيتهم، وأقطع سبل التواصل. كنت أريد أن أكتشف ما الذي يرمون إليه. كنت أريد أن أحمي نفسي، وأن أحمي علاقتنا."
تنفس سالم بعمق. "يا لبنى، أنا آسف إذا كنت قد سببت لكِ أي قلق. لم تكن نواياي أبداً سيئة. كنت أخشى أن أضعف، أن أقع في فخ، وأن أكون سبباً في إضعافكِ أنتِ أيضاً. ولكن الآن، وبعد أن عرفت الحقيقة، سأتخذ الإجراءات اللازمة."
"وما هي هذه الإجراءات؟" سألت لبنى، وهي تشعر بأنها على وشك البكاء. "سأنسحب من أي شراكات مشبوهة. سأحاول كشف هوية هؤلاء الأشخاص. وسأذهب إلى جدي، وأشرح له كل شيء. أنا أريد أن أبني حياتي معكِ على أساس من الصدق والوضوح، وليس على أساس الشك والوهم."
نظرت لبنى إلى سالم. رأت في عينيه الصدق، ورأت في صوته العزم. شعرت بأن جدار الشك الذي بدأ يتكون حولهما قد بدأ ينهار. لم يكن كل شيء مثالياً، ولكن كان هناك طريق للخروج.
"شكراً لك يا سالم"، قالت لبنى، وابتسامة خفيفة بدأت ترتسم على وجهها. "أنا أقدر صدقك، وأقدر شجاعتك." "وأنا أقدر ثقتك يا لبنى. ثقتك هي أقوى سلاح لدينا. والآن، علينا أن نواجه راشد. علينا أن نثبت له أننا أقوى من مكائده."
في تلك الليلة، شعرت لبنى بأنها قد تخطت حاجزاً مهماً. الشكوك لم تتبدد تماماً، ولكن كانت هناك بداية واضحة للفهم. لقد عرفت أن أمامها تحديات كبيرة، ولكنها عرفت أيضاً أنها ليست وحدها. سالم، الشاب الذي أحبته، كان على استعداد لمواجهة الحقيقة، بكل ما فيها.