الزوجة الصالحة 160
نبض القلب في سوق العطارين
بقلم ليلى الأحمد
كانت أزقة سوق العطارين تضج بالحياة، تتشابك فيها الروائح الزكية كعقودٍ من اللؤلؤ. رائحة البخور الفاخر، وخشب الصندل، والورد المجفف، والقرفة، والهيل، وعبق الأعشاب الطبية التي لا يعرف سرها إلا أولئك الذين قضوا حياتهم بين هذه الأرفف المليئة بالكنوز. "خالد" كان يمشي بخطواتٍ واثقة، يرتدي جلبابًا بنيًا فضفاضًا، ويعتلي وجهه نورٌ يدل على طمأنينةٍ وسكينة. كانت عيناه تلمعان بذكاءٍ وحيوية، تتجولان بين البضائع المعروضة، تستشعر التجارة، وتبحث عن فرصٍ جديدة.
لم يكن خالدٌ مجرد تاجرٍ عادي. كان سليل عائلةٍ عريقة في التجارة، لكنه لم يكتفِ بما ورثه. كان شابًا طموحًا، يسعى دائمًا إلى التميز، وإلى الارتقاء بمهنته. تعلم أصول التجارة من والده، لكنه أضاف إليها بصمته الخاصة، بصمة الابتكار، والاجتهاد، والصدق الذي كان عنوانه الأبرز. اليوم، كان في السوق لسببٍ آخر، سببٌ شغل تفكيره منذ الأمس. سببٌ يتمثل في صورة فتاةٍ نقية، خطفت قلبه في لحظةٍ عابرة، ولم يجد لها وصفًا إلا "الزوجة الصالحة".
تذكر اللحظة التي رأى فيها ليلى لأول مرة، قبل أسابيع. كان مع والده في زيارةٍ لأحد البيوت في القبيلة، وسمع صوتًا رخيمًا قادمًا من الداخل. وعندما دخلت السيدة فاطمة، والدة ليلى، كانت هي معها، تحمل طبقًا من التمر. لم تكن ليلى بحاجةٍ إلى وصفٍ طويل، فقد كانت صورةً للملائكة، بشعرها الداكن، وعينيها الواسعتين، وابتسامتها الهادئة التي أضاءت وجهها. كان حديثها قليلًا، لكن كل كلمةٍ خرجت من فمها كانت تحمل في طياتها أدبًا ورزانة. منذ تلك اللحظة، شعر خالدٌ بشيءٍ مختلف. لم يكن مجرد إعجاب، بل كان شعورًا عميقًا بالارتياح، وبأن هذه هي الفتاة التي يرتضيها لنفسه، والتي يراها شريكة دربه.
لم يكن الأمر سهلًا. كان يعرف أن ليلى من أسرةٍ كريمة، وأن والديها يحرصان على اختيار الأنسب لابنتهما. لذا، قرر أن يبدأ بالأسلوب الشرعي، بالتشاور مع والده، وتقديم طلبٍ رسميٍ لخطبتها. لقد تحدث مع والده، الشيخ أحمد، وأبدى له رغبته الشديدة، وشرح له سبب إعجابه العميق بليلى. كان الشيخ أحمد، بخبرته وحكمته، قد لاحظ إعجاب ابنه، ولم يخفَ عليه ما في قلبه.
"لقد رأيت الفتاة يا أبي، ورأيت فيها ما سرني." قال خالدٌ لوالده. "إنها تملك حسن الخلق، والجمال، والرزانة. أرى فيها الزوجة الصالحة التي أبحث عنها."
ابتسم الشيخ أحمد. "أعلم يا بني. لقد رأيتُ جمالها، ورأيتُ أدبها. هي من بيتٍ صالح، وأهلها كرماء. سأتحدث مع والدها، الشيخ صالح، وسنرى ما سيكون."
وكانت نتيجة حديث الوالدين هي ما سمعته ليلى بالأمس. الموافقة المبدئية، وتحديد موعدٍ للقاء. اليوم، كان خالدٌ في السوق، لا يهدف إلى التجارة فحسب، بل كان يستشعر ببهجةٍ خاصة، وبأن شيئًا هامًا على وشك الحدوث. كان يفكر في ليلى، في صورتها، وفي حوارهم القصير جدًا قبل أن تذهب مع والدتها. كان يريد أن يعرفها أكثر، وأن تُعرفه هي.
مرّ بجانب دكانٍ للعطور، وكان البائع، رجلٌ كبير السن ذو لحيةٍ بيضاء، ينادي على بضاعته. "يا سيدي، هل تبحث عن عطرٍ يفوح بأسرار الطبيعة؟ لدينا ما يُبهج الروح، ويُسعد القلب."
ابتسم خالدٌ، وتوقف. "أريد عطرًا يعبر عن صفاء الروح، وعن جمالٍ لا يُضاهى."
نظر إليه البائع بتمعن. "آه، تبحث عن ما يُلهم العشق، ويُبقي الذكرى. عندي لكَ من دهن العود الأصيل، ومن مسك الغزال النادر، ومن عطر الياسمين الذي يُذكرك بالجنة. لكن، عطرٌ يليق بفتاةٍ مثلك، فتاةٍ تملك جمال الروح، ربما يكون عطرٌ خاصٌ جدًا."
أخذ خالدٌ فنجانًا صغيرًا من دهن العود، وشمه. كانت رائحته قوية، غنية، لكنها كانت تفتقر إلى تلك النعومة التي شعر بها في حضور ليلى. ثم أخذ مسكًا، كانت رائحته قوية أيضًا، تحمل معها شيئًا من الغموض.
"ماذا عن هذا؟" سأل البائع، وقدم له قارورةً صغيرةً زجاجية، تحتوي على سائلٍ بلون الذهب. "هذا عطرٌ نادر، مزيجٌ من زهورٍ بريةٍ لا تنبت إلا في الجبال العالية، وقليلٌ من خلاصة الورد الطائفي، ولمسةٌ من العنبر. رائحته هادئة، لكنها تظل عالقةً بالذاكرة. إنها رائحةٌ تُذكر بالجمال الطبيعي، وبالنقاوة."
شَمَّ خالدٌ العطر. كانت رائحته مختلفة. هادئة، لكنها قوية في ذات الوقت. ليست صارخة، بل هي دعوةٌ للتأمل، دعوةٌ للقرب. كانت تحمل عبق الطبيعة، ودفء المشاعر. شعر بأن هذه الرائحة تُمثل ليلى.
"سآخذ هذا." قال خالدٌ، وأخرج نقوده.
"أتمنى أن تجد فيه ما تبحث عنه يا سيدي." قال البائع بابتسامة.
واصل خالدٌ سيره في السوق، وكان قلبه يخفق بشدة. كان يتخيل كيف سيقدم هذه الهدية لليلى، وكيف ستكون ردة فعلها. كان يأمل أن يُعجبها. لم يكن يريد أن يُقدم لها مجرد هدية، بل أراد أن يُقدم لها شيئًا يعبر عن تقديره العميق، وعن مكانتها التي بدأت تتشكل في قلبه.
وصل إلى دكانٍ كبير، كان يملكه والده، ويعمل فيه مجموعةٌ من العمال. كان الدكان يبيع أجود أنواع التمور، والفواكه المجففة، والمكسرات. هذا هو عمل والده، وهذا هو مستقبله. لكن اليوم، لم يكن تفكيره في التجارة، بل كان في المستقبل الآخر، في مستقبلٍ سيشاركه مع ليلى.
"أهلاً يا خالد." قال له أحد العمال. "أتيت مبكرًا اليوم."
"نعم، لدي بعض الأمور الخاصة." أجاب خالدٌ بابتسامة.
نظر حوله، ثم سأل: "هل أحضرتم لنا أجود أنواع التمر الملكي؟ لقد وعدتُ أحد الأصدقاء."
"بالطبع يا سيدي. إنه في المخزن، ونحن نعده بعناية."
شعر خالدٌ بالرضا. كان يحب أن يكون دقيقًا في عمله، وأن يُقدم أفضل ما لديه. هذه الصفة، صفة الإتقان، كان يراها ضروريةً في كل جوانب الحياة، بما في ذلك الحياة الزوجية.
مرّ الوقت وهو يتفقد البضائع، ويتحدث مع العمال. لكن عقله كان يسبح في أفكارٍ أخرى. كان يتساءل عن ليلى. هل هي قلقة؟ هل هي سعيدة؟ هل هي تتخيل المستقبل كما يتخيله هو؟
عندما حان وقت العودة إلى المنزل، شعر خالدٌ بأن كل خطوةٍ يقدمها تقربه أكثر من اللحظة المنتظرة. عندما وصل إلى بيت والده، وجد الشيخ أحمد جالسًا في الديوان، يرتدي ثيابًا أنيقة.
"لقد عدت يا بني." قال الشيخ أحمد. "اليوم يومٌ سعيد. لا تخف، الأمر سيسير على ما يرام إن شاء الله."
"أعلم يا أبي. لكن قلبي يخفق." قال خالدٌ بصدق.
"هذا طبيعي. إنها بدايةُ طريقٍ جديد. تذكر، الهدف هو بناء أسرةٍ ترضى الله، وتُسعد بعضها البعض. كن لها الزوج الصالح، والسند القوي."
"بإذن الله يا أبي."
وبينما كان خالدٌ يتحدث مع والده، سمع صوتًا قادمًا من الخارج، صوت عربةٍ تصل. علم أنهم قد أتوا. شعر بقلبه يقفز في صدره. أمسك بيده قارورة العطر التي اشتراها، ورفعها بخفة.
"حان الوقت." قال الشيخ أحمد.
وقف خالدٌ، وشعر بأن هذه اللحظة ستكون بداية كل شيء. لقد رأى ليلى، ورغب فيها. واليوم، سيُقدم لها نفسه، وسيخطب يدها. كان يتمنى أن تكون هذه الخطوة مباركة، وأن تكون ليلى هي "الزوجة الصالحة" التي يبحث عنها، والتي ستُكمل دينه، وتُسعد قلبه.