الزوجة الصالحة 160

غيمةٌ تخيّم على الأفق

بقلم ليلى الأحمد

استيقظت ليلى على صوت أذان الفجر، لكن روحها لم تستجب للنداء الإلهي كما اعتادت. كانت الوساوس تتراقص في أرجاء نفسها، تلفّها كعباءةٍ ثقيلةٍ من الشك والحيرة. لم يكن ليلة أمس سوى بدايةٍ لما بدا أنه عاصفةٌ هوجاء ستجتاح سكون حياتها الهادئة. وجه والدها، المشبع بالقلق العميق، ظلّ عالقًا في مخيلتها، وكلماته الأخيرة كالسهم اخترقت قلبها. "هناك ما لا تعلمينه يا ابنتي، أمرٌ خطيرٌ يهددنا جميعًا. وأنا، بوصفِي أباكِ، لا أستطيع أن أسمح بأن تنجرفي نحو المجهول دون أن تعرفي الحقيقة."

الحقيقة. ما هي الحقيقة التي كانت تخفاها الأيام؟ وما هو الخطر الذي كان يتربص بعائلتها؟ كانت أحلامها بالزواج المستقر، بالعيش الهانئ مع الفارس الذي اختارته قلبها، تبدو الآن كسرابٍ بعيد، يتلاشى مع كل نسمةٍ من رياح الشك. شعرت بالدوار، وكأن الأرض تدور بها. رفعت يديها لتعدّل حجابها، لكن أناملها ارتعدت.

نزلت إلى المطبخ حيث كان والدها يجلس وحيدًا، يحتسي فنجان قهوته ببطء، وعيناه غائرتان في الفراغ. لم يكن ينظر إليها، لكنه شعر بوجودها. "صباح الخير يا أبي." "صباح النور يا ابنتي." جاء صوته خافتًا، يحمل عبئًا يفوق طاقته. جلست أمامه، تنتظر بلهفةٍ وشيءٍ من الخوف. "أبي، هل يمكنك أن تخبرني؟ قل لي ما الذي يقلقك." تنهد والدها بعمق، ثم رفع رأسه ونظر إليها. في عينيه، رأت مزيجًا من الحب العميق والألم الذي لا يوصف. "يا ليلى، أنتِ تعلمين أنني لم أخفِ عنكِ شيئًا طوال حياتك. لكن هذه المرة، الأمر مختلف. يتعلق بأمرٍ أكبر من مجرد تفاصيل عائلية. يتعلق بشرفنا، بمستقبلنا، وربما… ربما بحياتنا."

ارتجفت ليلى، واقتربت منه. "حياتنا؟ يا أبي، ما الذي تقوله؟" "والدكِ لا يريد إلا حمايتكِ. والحماية تتطلب معرفة. والبعض لا يريدون لهذه المعرفة أن تصل إليكِ." "من هؤلاء البعض يا أبي؟ ومن هو هذا الفارس الذي… الذي تريد أن تحميني منه؟" كان اسمها، اسم عمر، يتردد في فمها بصعوبة، ممزوجًا بشعورٍ غريبٍ من الخوف والارتباك.

"عمر… نعم. عمر شابٌ طيب، عرفناه منذ زمن. لكن، الأمور ليست دائمًا كما تبدو. لقد اكتشفتُ مؤخرًا… شيئًا. شيئًا كان مخفيًا لسنوات." صمت والدها، وكأن الكلمات تعجز عن الخروج. ثم أكمل بجهدٍ واضح: "لقد ورث عمر عن والده تركةً ثقيلة. تركةٌ ليست مجرد أموالٍ وعقارات، بل ديونٌ قديمة، وعهودٌ بالية، وأشخاصٌ لا يتورعون عن فعل أي شيءٍ لاسترداد ما يعتقدون أنه حقهم."

"وما علاقة كل هذا بي يا أبي؟" سألت ليلى، وصوتها يرتعش. "علاقتكِ يا ابنتي… أن هذا الأمر قد تطور. أصبح يمسّ سمعة عائلتنا، بل يهدد وجودنا. لقد علمتُ أن هناك من يحاول التقرب منكِ، ليس لحبكِ، بل كوسيلةٍ للضغط على عمر. يريدون أن يتزوجكِ، ليضمنوا أنكِ تحت سيطرتهم، وأن عمر لن يستطيع التصرف بحرية. يريدون أن يستخدموكِ كدرعٍ واقٍ، أو… أو كرهينة."

تلألأت عينا ليلى بالدموع. "ولكن… عمر؟ هل يعرف بهذا؟ هل هو جزءٌ من هذا؟" "هنا تكمن المعضلة يا ليلى. عمر… يبدو أنه لا يعلم شيئًا عن نوايا هؤلاء الأشخاص. أو ربما… ربما يعلم، لكنه لا يملك القوة الكافية لمواجهتهم. لقد حاول أن يخبرني بشيءٍ ذات مرة، لكنه بدا مترددًا، خائفًا. وقد يكون خوفه مبررًا. إنهم أناسٌ ذوو نفوذٍ كبير، وسمعتهم سيئةٌ للغاية."

"من هم يا أبي؟" الحاحها كان يزداد. "لا أستطيع أن أذكر أسماءً محددة الآن يا ابنتي، فهذا قد يعرضنا للخطر. لكن، يكفي أن تعلمي أن هذه العائلة لها جذورٌ عميقة في بعض دوائر الأعمال التي لا تخشى الله. لقد اتخذوا من أفعالهم طريقًا، ومن القوة أداة. ولقد رأيتُ في عيني عمر… خوفًا لم أره من قبل. خوفٌ يشي بأن الأمر ليس مجرد نزاعٍ تجاري."

"ولماذا لم تخبرني بهذا قبل الآن؟ لماذا تنتظر حتى… حتى هذه اللحظة؟" "لأنني كنتُ أخشى عليكِ يا ابنتي. أخشى أن يؤثر هذا القلق على زواجكِ، على سعادتكِ. وكنتُ أتصور أن عمر، بشجاعته وطيبته، سيتمكن من تجاوز هذه العقبات بمفرده. لكن الآن، تطورت الأمور بشكلٍ لم أكن أتوقعه. أصبحتِ أنتِ في مرمى الخطر."

"وماذا أفعل الآن يا أبي؟" سألت ليلى، تشعر باليأس يتسلل إلى قلبها. "هل أتوقف عن رؤية عمر؟ هل ألغي كل شيء؟" "الأمر ليس بهذه البساطة يا ابنتي. إذا فعلنا ذلك، قد نزيد من غضبهم. علينا أن نتصرف بحذرٍ شديد. لقد طلبتُ من عمر أن يأتي إلينا اليوم، بعد صلاة العصر. نريد أن نتحدث معه بوضوح. أريد أن أرى ما في جعبته، وما هي خططه. وأنتِ، عليكِ أن تكوني قوية، وأن تكوني مستعدةً لأي شيء."

نهض والدها، ثم وضع يديه على كتفيها. "أنا أحبكِ يا ابنتي أكثر من أي شيءٍ في هذا العالم. ولن أسمح لأي أحدٍ بأن يمسّك بسوء. استعيني بالله، واثبتي. فالحياة، يا ليلى، غالبًا ما تكون اختبارًا للصبر والثبات."

خرج والدها من الغرفة، تاركًا ليلى في دوامةٍ من الأفكار. كانت كلماته تحمل وزنًا ثقيلًا، وشعورًا بالخطر يحيط بها. عمر. الرجل الذي أحبته، والذي كانت تبني معه مستقبلًا مشرقًا، بدا الآن كشخصٍ غامض، له أسرارٌ لم تكن لتخطر ببالها. هل كان يعلم؟ هل كان يخدعها؟ هل كان زواجه منها مجرد خطةٍ جهنمية؟

كانت الشمس قد بدأت ترتفع في الأفق، تلقي بأشعتها الذهبية على المدينة، لكن في نفس ليلى، كان الظلام يتعمّق، والأسئلة تتكاثر، والخوف يزرع بذوره في أعماق روحها. لم تعد تدري ما هو الصحيح، وما هو الخطأ، ومن هو الصديق، ومن هو العدو. كل ما كانت متأكدة منه هو أن حياتها على وشك أن تتغير بشكلٍ جذري، وأنها قد تكون على أعتاب معركةٍ لم تكن مستعدةً لها على الإطلاق.

نظرت إلى هاتفها. كان اسم عمر يظهر على الشاشة، وكأنه استجابةً لأفكارها. رسالةٌ منه. "صباح الخير يا حبيبتي. أنتظر لقاءنا بفارغ الصبر. قلبكِ هو عالمي." شعرت ليلى بغصةٍ في حلقها. أي عالمٍ هذا الذي يتحدث عنه؟ عالمٌ ملطخٌ بالأسرار والخوف؟ أم عالمٌ صافٍ كصفاء روحه التي كانت تراها؟ لم تعد تدري. لقد أصبحت على حافة الهاوية، والخطوة القادمة قد تكون السقوط، أو… ربما… ربما النجاة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%