الزوجة الصالحة 160
ظلال الشك وقسوة الماضي
بقلم ليلى الأحمد
كانت ساعات الصباح الأولى تندسّ بخجل عبر نوافذ غرفة عائشة، ترسم خطوطاً ذهبية على جدران غرفتها التي ازدانت بزخارف شرقية أصيلة. لكن نور الشمس لم يستطع أن يخترق ظلمة القلق التي اعتلت قلبها. منذ ليلة أمس، لم تكفّ عن استرجاع تلك الكلمات التي قالها لها والدها، تلك الكلمات التي هزّت أركان عالمها الهادئ. "سمعتُ عن ماضيه يا ابنتي، عن بعض ما كان." لم يذكر تفاصيل، لكن الصمت الذي أعقب كلماته كان أبلغ من أي شرح.
نهضت من فراشها، وسارت بخطى متثاقلة نحو خزانة ملابسها. اختارت عباءة سوداء فضفاضة، تليق بمسحة الحزن التي لا تزال تخيّم عليها. في أسفل الخزانة، بعيداً عن أعين الناظرين، كانت تحتفظ بصندوق خشبي قديم، مزخرف بعناية، يحوي أسراراً بدأت تشعر بأنها بحاجة لكشفها. مفتاح الصندوق كان معلقاً بعنقها، سراً لا تعلم به إلا هي. بلمسة مرتجفة، فتحت الصندوق.
رائحة الورق القديم والياسمين الجافّ تغلغلت في أنفها. تحت أكوام الرسائل القديمة وصور بالية، وجدت ما كانت تبحث عنه. ورقة صفراء، مكتوبة بخطٍ أنيق لكنه متعب. إنها ليست لخط يد والدها، ولا لخط يد والدتها. إنها لخط يدٍّ لم تعرفه، لكنه يحمل وقعاً غريباً في قلبها. بدأت تقرأ، والكلمات تتراقص أمام عينيها، تحمل بين طياتها قصة حبٍّ مرير، وقراراتٍ مؤلمة.
"إلى من لم أتمكن من رؤيتها إلا من بعيد، يا من كنتِ شغلي الشاغل وبغيتي التي لم أنل منها شيئاً. كنتُ أحسب أن الأيام ستلين قلوباً أقسى من الصخر، لكنها طغت عليّ، وزرعت الشوك في دربي. لقد سلبوا مني حقي، وحقّ من وعدتُ بحمايتها. كنتُ أعيش في وهم، أحسب أن الحبّ قادر على قهر كلّ المستحيلات. لكنّ الواقع كان أقسى، وأكثر حكمةً في قسوته. لقد خُضتُ معركةً لا أملك أدواتها، وخسرتُها قبل أن أبدأها. أخشى على مستقبلها، على ما سيؤول إليه أمرها. أتمنى لو أنني أستطيع أن أقول لها ألف كلمة، كلمة حبٍّ، وكلمة اعتذار، وكلمة تحذير. لكنّي أخشى أن يزيد كلامي من وجعها، وأن يفتح جراحاً قد تفوق طاقتها. سأرحل، وأترك خلفي ألماً صامتاً، وندماً سيرافقني إلى آخر العمر. لعلي أجد في الغربة سلوى، أو نسياناً لذكرى لا تفارقني."
توقفت عائشة عن القراءة، وعيناها تفيضان بالدموع. هذه الرسالة، لمن؟ ولمن هذا الألم؟ هل هي عن والدتها؟ أم عن شخصٍ آخر؟ الشك الذي زرعه والدها بدأ ينمو كشجرة شوكية داخل صدرها، تعتصر قلبها. إنها تعلم أن والدتها لم تكن سعيدة في زواجها الأول، لكنها لم تتحدث كثيراً عن ماضيها. هل هذا الرجل هو والدها البيولوجي؟ أم هو زوج أمها السابق؟ والأسئلة تتكاثر، وتتلاحق، وتُلقي بظلالها القاتمة على ماضي لم تكن تظن أنها تعرفه.
نزلت عائشة إلى المطبخ، حيث كانت والدتها تعدّ فطوراً خفيفاً. رائحة القهوة العربية الأصيلة ملأت المكان، محاولةً أن تبعث بعض الدفء في جوٍّ يسوده التوتر. "صباح الخير يا أمي." قالت عائشة بصوتٍ مخنوق. نظرت إليها والدتها، ورأت في عيني ابنتها مسحة من القلق. "صباح النور يا حبيبتي. هل أنتِ بخير؟ تبدين شاحبة." ترددت عائشة للحظة. كيف تسأل؟ كيف تكشف عن رغبتها في معرفة ماضيٍ قد يكون مؤلماً؟ "أمي، هل يمكنني أن أسألكِ سؤالاً؟" "بالتأكيد يا ابنتي. ما الذي يشغل بالك؟" "لقد سمعتُ أبي يتحدث عن ماضيكِ، وعن... شخصٍ ما." تجمدت والدتها للحظة. اختفت ابتسامتها، وحلّ محلها تعبيرٌ غامض، مزيجٌ من الحزن والخجل. "والدكِ لا يزال يحمل بعض الشوائب من الماضي، يا عائشة. لا تدعي كلامه يؤثر فيكِ." "لكنّي أريد أن أفهم. هل كنتِ... مخطوبةً لشخصٍ آخر قبل أبي؟" تنهدت والدتها بعمق، وأشاحت بوجهها نحو النافذة، تتأمل السماء الصافية التي لا تعكس أبداً اضطراب المشاعر. "كان هناك شخص، نعم. ولكنّ الأمور لم تسر كما يجب. كانت هناك ظروفٌ قاسية، واختياراتٌ صعبة. لم يكن أمراً يسيراً." "وهل... أحببتِه؟" سؤالٌ خرج من عائشة لم تكن تنوي نطقه، ولكنه انطلق دون إرادتها. نظرت إليها والدتها، ورأت في عيني ابنتها الشغف لمعرفة الحقيقة، والرغبة في فهم من أين أتت. "الحبّ يا ابنتي... شيءٌ معقد. أحياناً يظهر في صورةٍ، وأحياناً أخرى في ذكرى. أحياناً يكون قوياً، وأحياناً يكون هشّاً كزجاجٍ رقيق. لقد كان هناك... ميلٌ، ورغبةٌ في بناء مستقبل. لكنّ القدر له أحكامه، والأقدار لا تتحدّث بلغة الأماني. لقد سلك كلٌّ منّا درباً مختلفاً، وانتهى بنا الأمر حيث نحن اليوم."
كلمات والدتها كانت غامضة، تحمل المزيد من الأسئلة أكثر من الإجابات. لقد أكدت وجود شخصٍ آخر، لكنها لم تكشف عن هويته، ولا عن طبيعة العلاقة. "هل كان هذا الشخص... والد أبي؟" سألت عائشة، مشيرةً إلى والدها الذي دخل للتوّ إلى المطبخ، بوجهه المتجهم المعتاد. تغير تعبير والدتها بسرعة، وعادت الابتسامة المصطنعة إلى شفتيها. "لا يا حبيبتي. والدكِ هو والدكِ. لا تشغلي بالكِ بهذه الأمور القديمة." نظر والد عائشة إليهما، ببرودٍ ظاهر. "ماذا تتحدثان؟" "كنا نتحدث عن ذكرياتٍ قديمة يا زوجي." قالت والدتها بنبرةٍ هادئة. تجاهل والد عائشة سؤاله، وأخذ كوب قهوته. "أريد أن أتحدث معكِ يا عائشة بعد الفطور." شعر قلب عائشة بقبضةٍ باردة. هل سيخبره؟ هل سيعترف بما يعرف؟ هل ستتفكك كلّ خيوط السلام التي نسجتها حول حياتها؟
في غرفة المكتب الفسيح، حيث تكسو الأرفف جدرانه بالكتب القديمة، جلس والد عائشة مقابلها. لم يشرع في الحديث فوراً، بل تناول سيجارةً من علبةٍ فضيةٍ قديمة، وأشعلها ببطء، وعيناه ثابتتان على وجه ابنته. "لقد سمعتُ أنكِ تبحثين عن إجاباتٍ في الماضي." قال أخيراً، والدخان يتصاعد من فمه كأفعى رمادية. "يا أبي، أنا فقط... أريد أن أفهم." "الفهم يا ابنتي، قد يكون سلاحاً ذا حدين. أحياناً يفتح لكِ أبواباً، وأحياناً أخرى يغلقها أمامكِ إلى الأبد. هناك أمورٌ في الحياة، من الأفضل أن تظلّ مدفونةً في ثرى النسيان." "لكنّ هذه الرسالة..." بدأت عائشة، تمسك بالورقة الصفراء في يدها. انتزعها والدها منها بحدة، وعيناه تشتعلان بغضبٍ دفين. "من أين لكِ بهذه؟" سأل بصوتٍ أجش. "من صندوق ذكريات أمي." رمى الورقة على الطاولة. "هذا أمرٌ قديم، انتهى. ولا دخل لكِ به." "لكنّها تخصّ شخصاً... ربما كان يحبّ أمي؟" قهقه والدها قهقهةً قصيرة، لا تخلو من مرارة. "الحبّ؟ الحبّ كلمةٌ يستخدمها الضعفاء ليبرروا ضعفهم. هناك أشياءٌ أقوى من الحبّ يا ابنتي. هناك المصالح، وهناك الخوف، وهناك الظروف التي تدفع الأقوياء إلى التراجع. هذا الرجل، الذي كتب هذه السطور، كان مجرد حلمٍ زائف. حلمٌ تبخّر مع شروق الشمس." "ولماذا لم يتزوج أمي؟" سألت عائشة، وقلبها يدقّ بعنف. "لأنّ عائلته لم ترضَ بذلك. لأنّ المال والسلطة كانا لهما الكلمة الفصل. لقد اضطرّت عائلتها، واضطرّ هو، لاتخاذ قرارٍ يصبّ في مصلحة الجميع... ظاهرياً." قال والدها، ونظرته تحمل ماضياً غامضاً. "أمكِ تزوجتني، وأنا وفرت لها العيش الكريم، والعائلة التي تستحقها. لقد كانت تلك هي الصفقة. صفقةٌ لم يكن فيها مكانٌ للعواطف." شعرت عائشة بالدوار. كلّ ما كانت تعرفه عن زواج والديها، كان مبنياً على أسسٍ واهية. لم يكن حباً، بل كان صفقة. ورجلٌ في هذه الرسالة، كان يعيش ألماً لم يعرفه أحد. "وهل... كنتَ تعلم بهذا كله؟" سألت، وهي تنظر إلى والدها بأعينٍ شاخصة. "أعلم يا ابنتي. أعلم كلّ ما يجري في هذا البيت، وفي هذا العالم. وهذه الأمور، لا تفيدكِ في شيء. عيشي حياتكِ، ولا تبحثي عن ماضٍ قد يدمّر مستقبلكِ." نهض والدها، وخرج من الغرفة، تاركاً عائشة وحدها مع أفكارها المتضاربة، وظلال الشك التي بدأت تتكاثف حول حقيقة عائلتها، وحول قصة حبٍّ قديمة، قُتلت قبل أن تولد. كانت تشعر بأنها على حافة هاوية، وأن كلّ ما ظنت أنها تعرفه عن هويتها، بدأ يتلاشى.