الزوجة الصالحة 160

خيوط الماضي العتيقة

بقلم ليلى الأحمد

عادَت عائشة إلى غرفتها، تحمل في قلبها ثقلاً يفوق وزن العالم. كلمات والدها الأخيرة، "هذه الأمور لا تفيدكِ في شيء"، كانت ترنّ في أذنيها كصدىً بارد. شعرت بأنها طفلةٌ تائهة في غابةٍ مظلمة، تبحث عن ضوءٍ لا تراه. لقد كشفت لها الرسالة القديمة عن جزءٍ من ماضي والدتها، لكنه كان مجرد فتيلٍ أشعل نار أسئلةٍ أكبر وأكثر تعقيداً.

مدّت يدها إلى هاتفها، وبترددٍ كبير، بدأت تبحث عن رقمٍ. لم يكن رقم عائلتها، ولا رقم أيٍّ من صديقاتها. كان رقماً قد حصلت عليه منذ فترةٍ، من حديثٍ عابرٍ مع جدتها، وهي تتحدث عن بعض الأقارب البعيدين. جدتها، التي كانت غالباً ما تتحدث عن "تلك العائلة العريقة" و"الأيام الخوالي". ربما تكون لديها مفاتيحٌ لم تكن والدتها مستعدةً لكشفها.

بعد رنينٍ طويل، أجاب صوتٌ نسائيٌّ دافئ، يحمل مسحةً من العمر. "نعم؟" "مرحباً، هل هذه السيدة خديجة؟" سألت عائشة، بلهجةٍ ملؤها الخجل. "أنا هي. ومن المتحدثة؟" "أنا عائشة، ابنة... ابنة محمد." ساد صمتٌ قصير، ثمّ شعرت عائشة بتغيّرٍ في نبرة الصوت. "عائشة؟ ابنة محمد؟ يا لها من مفاجأة! لم أتوقع أن تتصل بي فتاةٌ بهذا الاسم. كيف حالكِ يا عزيزتي؟" "أنا بخير، شكراً لكِ. ولكني... سمعتُ عنكِ من جدتي، وأردتُ أن أسأل عن بعض الأمور." "تفضلي يا ابنتي، أنا في خدمتكِ." بدأت عائشة تسرد قصتها، تارةً تتأتأ، وتارةً تجمع شتات أفكارها. تحدثت عن الرسالة، وعن حديث والدها، وعن شعورها بالضياع. تركت كلمات والدتها السابقة، "كان هناك شخصٌ... ميلٌ ورغبةٌ"، تترك فجوةً كبيرة لم تستطع سدّها. صمتت السيدة خديجة للحظةٍ أخرى، ثمّ قالت بصوتٍ حذر. "يا ابنتي، بعض الأسرار، إن كُشفت، قد تسبب ألماً لا يمكن تداركه. هل أنتِ متأكدةٌ من أنكِ تريدين الخوض في هذا البحر؟" "أنا حقاً بحاجةٍ إلى أن أفهم، سيدة خديجة. أشعر بأنّ هناك شيئاً كبيراً ينقصني، شيئاً يتعلق بوالدتي، وبجذوري." "أتفهم شعوركِ يا عزيزتي. لكنّ هذه الأمور... تتعلق بعائلتنا، بعائلة أبو أحمد. والدتكِ، آمنة، كانت ابنة عمّي. علاقتها بهذا الرجل الذي كتب تلك الرسالة... كانت معقدة. كان اسمه أحمد. وكان شاباً طيباً، وفناناً مرهف الحس. ولكنّ عائلتنا... كانت تولي اهتماماً كبيراً للمظاهر، وللمكانة الاجتماعية. لم يكن أحمد... مناسباً لنا في تلك الفترة. لقد رفضوا الزواج." "ولماذا كتب تلك الرسالة؟" "كان يحبّ آمنة بصدق، يا ابنتي. وكان يأمل في أن تتغير الأمور. لكنّ والديها، وجدّكِ، كانوا عنيدين. لقد أجبروا آمنة على الزواج من محمد، والدكِ الذي تعرفينه. كان محمد رجلاً ذا مالٍ وجاه، لكنه لم يكن... روحاً توافق روح آمنة. لقد ضحّت بقلبها من أجل عائلتها." شعرت عائشة بدموعٍ تتجمع في عينيها. إنها أول مرةٍ تسمع عن والدتها بهذه الطريقة، عن حزنٍ دفينٍ عاشته، عن حبٍّ ضائع. "وهل... هل كان أحمد على علمٍ بزواج أمي؟" "نعم، لقد علم. وكانت تلك ضربةً قاسية له. سافر بعيداً، وحاول أن ينسى. لكنّ الرسالة التي وجدتها، كانت قبل أن يغادر. كانت آخر محاولةٍ له لإيصال مشاعره، وتعبير عن ألمه. لم يرَ آمنة بعدها أبداً. ومحمد... لم يكن شخصاً يسامح بسهولة. لقد ترك والدتكِ تعيش في عالمٍ من الصمت، ومن المراقبة." "إذاً، فإنّ أبي... ليس والد أبي البيولوجي؟" سألت عائشة، والصوت بالكاد يخرج من حنجرتها. توقفت السيدة خديجة للحظة. "يا ابنتي، الأمر ليس بهذه البساطة. محمد هو من تزوج آمنة. وهو من سُجّل على أنه الأب. لكنّ القلب... قد يهيم بمن يشاء. وهذه الأمور، يا عائشة، يجب أن تُعامل بحذرٍ شديد. إنها تتعلق بسمعة العائلات، وتاريخها." "ولماذا لم يذكر أبي هذا الأمر؟ ولماذا أمي لم تتحدث؟" "لأنّ هذا كان اتفاقاً. اتفاقاً صامتاً بين العائلتين. لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من ماء الوجه. وليحافظ محمد على سلطته ونفوذه. أما آمنة، فربما لم تستطع تحمل عبء هذا السرّ. ربما فضّلت أن تعيش في هدوء، وتترك الماضي مدفوناً. أنتِ الآن، تحملين هذا السرّ. فكري جيداً قبل أن تتخذي أيّ قرار." انتهت المكالمة، وتركت عائشة تشعر بأنها تتنفس هواءً غريباً. كلّ شيءٍ بدا وكأنه قد انقلب رأساً على عقب. والدتها، التي كانت تراها دائماً كائنةً نقيةً ومثالية، كانت تحمل ألماً عميقاً، وحباً ضائعاً. ووالدها، الذي كانت تظنه قاسياً ولكنه يحبها، كان جزءاً من مؤامرةٍ لحماية سمعته.

نظرت عائشة إلى صورةٍ كبيرةٍ لوالدتها، كانت معلقةً على الحائط. وجهٌ هادئ، وعينان تحملان بريقاً لم تفهمه من قبل. هل كانت هذه العينان تحملان حنيناً لأحمد؟ هل كانت ترى في عائشة صورةً لحبٍّ ضائع؟ ذهبت إلى مكتبتها، وأخرجت ديوان شعرٍ قديم لوالدتها، كانت قد تركته في غرفتها. كانت والدتها تحبّ الشعر، لكنها لم تكن تقرأه أمام أحد. بدأت تقلب الصفحات، بحثاً عن أيّ إشارة، عن أيّ تلميح. وفي أحد الأبيات، وجدت ما جعل قلبها يتجمد. "يا من رحلتَ، تركتَ في قلبي جرحاً لا يبرأ، ولا يندمل، أبداً. وعدتُكِ، أن أبقى لكِ وفيةً، حتى لو كان الوعدُ، وعدَ المستحيل."

من يكون هذا "الذي رحل"؟ هل هو أحمد؟ يبدو أن كلّ شيءٍ يقودها إليه. فجأة، سمعت صوت الباب يُفتح. دخلت لينا، صديقتها المقربة. "عائشة! ما بكِ؟ تبدين وكأنكِ رأيتِ شبحاً!" ابتسمت عائشة ابتسامةً باهتة. "لا شيء يا لينا، مجرد بعض الأفكار. هل لديكِ وقتٌ لنتحدث؟" "بالطبع، دائماً. ماذا جرى؟" جلست عائشة ولينا، وبدأت عائشة تروي لها ما اكتشفته، بتفاصيل دقيقة. لم تكن تستطيع الاحتفاظ بهذا الحمل وحدها. لينا، الفتاة العملية والذكية، استمعت باهتمام، وحاولت أن تقدم بعض النصائح. "يا عائشة، هذا أمرٌ كبير. لكنّ أمكِ، يبدو أنها اتخذت قرارها. ربما كان أفضل لها في ذلك الوقت. وأبوكِ... يبدو أنه رجلٌ يحكمه منطقٌ مختلف. لكنّ ما يهم الآن هو أنتِ. وماذا ستفعلين بهذا الأمر؟" "لا أعرف، لينا. أشعر بأنّ كلّ شيءٍ ينهار. ولكنّي في نفس الوقت، أشعر بنوعٍ من القوة. كأنّي اكتشفتُ جزءاً مفقوداً من نفسي." "هذا جيد. هذه هي بداية الطريق. ربما يجب عليكِ أن تتحدثي مع أمكِ. بلطفٍ، وبحذر. ربما هي مستعدةٌ الآن لأن تتشارك معكِ ما في قلبها." "أخشى أن أؤذيها. أو أن أخرب العلاقة التي لم تكن أصلاً قويةً مع أبي." "الحياة مليئةٌ بالمخاطر يا صديقتي. لكنّ الحقيقة، مهما كانت مؤلمة، أفضل من العيش في وهمٍ دائم." تأملت عائشة كلماتها. لينا كانت على حق. يجب عليها أن تواجه، وأن تبحث عن الحقيقة كاملة. لم تكن تعرف كيف، لكنها كانت تعرف أنها لا تستطيع العودة إلى الوراء. لم تعد عائشة الفتاة الساذجة التي كانت قبل أيام. لقد بدأت ترى ظلال الماضي العتيقة، وبدأت تشعر بالرغبة في فكّ رموزها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%