الفصل 1 / 25

نصفي الآخر 161

لقاء تحت السماء المرصعة بالنجوم

بقلم فاطمة النجار

كانت الرياح تحمل عبير الياسمين وفحيح النخيل في تلك الليلة الصحراوية الهادئة. السماء، تلك اللوحة المتلألئة بالنجوم، شهدت على موعد غير متوقع، وعلى بداية قصة حبٍ تترعرع في أروقة التقاليد الأصيلة، وتتجاوز حدود العادة لتلامس شغاف القلب. في تلك الليلة، لم تكن "ليلى" تتوقع أن تتشكل ملامح مستقبلها على هذا النحو. كانت تقف عند شرفة منزلها الواسع، يتخلل هواء الليل المنعش غبار الأرض الدافئ، مستندةً على السياج الخشبي الباهت بفعل الزمن، وعيناها تلاحقان ظلال الأشجار المتراقصة على ضوء القمر.

كانت ليلى، ابنة العائلة العريقة "العامرية"، قد بلغت من العمر اثنتين وعشرين عاماً. لم تكن مجرد فتاة جميلة، بل كانت تحمل في عينيها بريق الذكاء، وفي صوتها رنين الحكمة. تعلمت منذ صغرها تقدير قيمة الأسرة، واحترام الأعراف، والالتزام بتعاليم الدين. لم تكن حياتها خالية من الطلبات، فوالدتها، السيدة "فاطمة"، كانت دائمًا تحرص على أن تكون ليلى في أفضل حال، مستعدةً لتكون زوجةً صالحةً وأمًا حنونة. لكن ليلى، في أعماقها، كانت تحمل أحلامًا تتجاوز حدود ما رسم لها المجتمع. كانت تتوق إلى فهم أعمق للحياة، إلى شغفٍ يملأ أيامها، إلى حبٍ يكون ملاذًا وعونًا.

لم تكن هذه الليلة استثنائية في ظاهرها. كانت ليلى قد انتهت لتوها من قراءة وردها القرآني، واستعدت للنوم. لكن فضولًا غامضًا دفعها نحو الشرفة. ربما كان ذلك الفضول تجاه صوتٍ خافتٍ قادمٍ من حديقة المنزل المجاورة، صوتٌ لم تعتد سماعه. كان الصوت يرتفع وينخفض، كأنه يتلو شيئًا بصوتٍ هامس. لفت انتباهها ذلك الهمس، وشعرت بأن هناك شيئًا مختلفًا يدور في تلك اللحظة.

تسللت بخفة، محاولةً ألا تُحدث أي صوتٍ يُنبه من في المنزل. وقفت عند أقصى الشرفة، حيث يمكن رؤية جزءٍ من الحديقة المجاورة. كان ضوء القمر يسقط على أشجار الليمون المثمرة، وعلى بعض الورود التي تفوح رائحتها في سكون الليل. وهناك، تحت ظل شجرةٍ مورقة، رأت شخصًا. كان رجلًا، يقف وظهره إليها، ويُمسك بكتابٍ في يده. لم تستطع تمييز ملامحه بوضوح، لكن وقفته المهيبة، وهدوء حركاته، أضفت عليه هالةً من الغموض.

استمر في القراءة بصوتٍ خافت، وبين الحين والآخر كان يتوقف، ويرفع رأسه للسماء، وكأنه يتأمل النجوم. شعرت ليلى بنبضات قلبها تتسارع. لم تكن هذه عادةً تجذب انتباهها، لكن شيئًا في هذا الرجل، في حضوره الصامت، كان يثير فضولها بشكلٍ كبير. هل كان جارهم الجديد؟ لم تسمع عن انتقال أحدٍ جديدٍ إلى المنازل المجاورة.

بينما كانت تحدق فيه، انتبه لشيءٍ آخر. كان الرجل يرتدي ملابس بسيطة، لكنها أنيقة. بدا أنه في أواخر العشرينات من عمره. كان يضع يديه خلف ظهره، ثم يعود ليحتضن الكتاب. بدا أنه في عالمٍ آخر، منفصلٍ تمامًا عن ضوضاء الحياة.

فجأة، انحنى الرجل، ووضع الكتاب على الأرض. ثم مد يده، وقطف شيئًا من غصنٍ قريب. لم تستطع ليلى رؤية ما قطفه. ثم عاد ليجلس على مقعدٍ حجريٍ صغيرٍ كان في الحديقة. استمر في الصمت لدقائق، بدا وكأنه يفكر بعمق.

ثم، في لحظةٍ لم تتوقعها، استدار الرجل. وبشكلٍ مباشر، نظرت عيناه إلى حيث كانت ليلى تقف. شعرت ليلى بأن الدم تجمد في عروقها. لقد اكتشفها! هل سيفزع؟ هل سيغضب؟

لكن الرجل لم يبدُ عليه أي فزعٍ أو غضب. بدلًا من ذلك، رفعت زاوية شفتيه في ابتسامةٍ خفيفة، تكاد لا تُرى. ثم، في حركةٍ بطيئة، رفع يده اليمنى، مشيرًا إليها. لم تكن تلك إشارةً للإبعاد، بل كانت أشبه بتحيةٍ صامتة، دعوةٍ صامتةٍ للتواصل.

شعرت ليلى بحرجٍ شديد، وبدأ وجهها يحمر. لم تعرف كيف ترد. هل تلوح بيدها؟ هل تتحدث؟ هل تهرب؟

ثم، وبشكلٍ غير متوقع، تحدث الرجل. صوته كان عميقًا، رخيمًا، يحمل نبرةً دافئةً لم تسمعها من قبل. قال بصوتٍ مسموعٍ بالكاد، لكنه وصل إليها بوضوح: "يا ليلة الهنا، ما الذي أتى بكِ إلى هنا في هذا الوقت المتأخر؟"

كانت كلماته مهذبةً، وتحمل شيئًا من الغزل البريء. لفتت عبارة "يا ليلة الهنا" انتباهها بشكلٍ خاص. لم يعرفها، ومع ذلك خاطبها بهذه اللطف.

ترددت ليلى لحظة، ثم جمعت شجاعتها. قالت بصوتٍ مرتجفٍ قليلًا: "مساء الخير. لم أكن أعرف أن هناك أحدًا في الحديقة."

ابتسم الرجل مرةً أخرى، وهذه المرة كانت الابتسامة أوضح. "أعتذر إن كنت قد سببت لكِ أي إزعاج. كنتُ أستمتع ببعض الهدوء."

"لا بأس أبداً." ردت ليلى، وشعرت بأنها بدأت تستعيد رباطة جأشها. "الجو جميلٌ وهادئٌ الليلة."

"جميلٌ جدًا." وافقها الرجل. "خاصةً عندما يجتمع هدوء الليل بسحر النجوم."

تبادل الاثنان نظراتٍ صامتةً للحظة. كانت ليلى تشعر بأنها أمام شخصٍ مختلف. كان حديثه بسيطًا، لكنه كان عميقًا في الوقت نفسه. كان يحمل ثقافةً ولغةً رفيعة.

"هل أنتَ جارنا الجديد؟" سألت ليلى، محاولةً كسر حاجز الغموض.

ابتسم الرجل. "نعم، انتقلتُ قبل أيامٍ قليلة. اسمي 'مالك'."

"أهلاً بكَ في الحي. أنا ليلى." قالت ليلى، وشعرت بأنها تقول اسمَها لأول مرةٍ لشخصٍ يهتم حقًا.

"ليلى." كرر مالك اسمَها، وكأنها لحنٌ جميل. "اسمٌ يطابق جمال الليلة."

شعرَت ليلى بخجلٍ شديد، لكنها في الوقت نفسه شعرت بشيءٍ جميلٍ يتفتح في قلبها. كانت تلك مجاملةً بريئةً، لكنها وصلت إلى أعماق روحها.

"شكرًا لكَ." قالت بصوتٍ خفيض.

"كنتُ أقرأ هنا." أشار مالك إلى الكتاب الذي كان على الأرض. "قصائد قديمة، عن الحب والفراق، وعن جمال الصحراء."

"أحب الشعر." قالت ليلى بعفوية. "والدي كان يحب الشعر كثيرًا."

"حقا؟" لمعت عينا مالك. "ربما نتشارك الاهتمامات إذن."

"ربما." ردت ليلى، وشعرت بأنها تتحدث مع شخصٍ تفهمه.

"لكن الآن، أعتقد أن الوقت متأخرٌ جدًا." قال مالك. "لا أريد أن أُبقيَكِ واقفةً في البرد."

"بالتأكيد. أنا أيضًا يجب أن أعود." قالت ليلى.

"ليلى." نادى مالك عندما كانت ليلى تستدير لتغادر. "أتمنى أن نلتقي مجددًا. ربما في وقتٍ أفضل."

نظرت إليه ليلى، وابتسمت ابتسامةً واسعةً هذه المرة. "أتمنى ذلك أيضًا."

غادرَت ليلى الشرفة، وعادت إلى غرفتها. لكنها لم تستطع النوم. بقيت مستيقظةً، وقلبها يخفق بسرعة. كانت تفكر في مالك، في صوته، في كلماته، وفي تلك النظرة التي تبادلاها. لم تكن تعلم ماذا يعني هذا اللقاء، لكنها شعرت بأن شيئًا قد بدأ. شيئًا جميلًا، ووعدًا بوجود نصفي الآخر الذي لطالما بحثت عنه.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%