الفصل 13 / 25

نصفي الآخر 161

عاصفة الخوف وزهرة الأمل

بقلم فاطمة النجار

تسللت نسمات الفجر الباردة عبر نوافذ قصر الغانم، حاملة معها همسات الشتاء المتأخر، ولم تعد شمس النهار تبسط دفئها المعتاد إلا بعد طول انتظار. كان أحمد، وقد غادرته غفوة الليل، يجلس قرب النافذة المطلة على الحديقة المهيبة، يرنو ببصره إلى السماء التي بدأت ترتسم عليها خيوط الذهب الباهت. لم يكن هدوء الصباح ينعكس على روحه الهائجة، بل كانت الأفكار تتصارع في عقله، تتشابك كجدائل متشعبة، ويبقى خيط واحد يدور حول عودتها. هل كانت مجرد وهم؟ هل كان حلمه الوردي، الذي داعب مخيلته طويلاً، سيتبخر مع أول خيوط الشمس؟

تذكر تلك الليلة، ليلة العقد. ابتسامة والدته التي كسرت حاجز السنين، ودموع الفرح التي انهمرت من عينيها كشلال عذب. كانت تلك اللحظة، لحظة تلاقي الأيدي، لحظة الوعد، تحمل في طياتها آمالاً كثيرة، آمالاً كان يخشى أن تبتلعها بحر الشكوك. ما دار بينه وبين ليلى في تلك الليلة، لم يكن مجرد حديث عابر، بل كان جسراً يعبر به نحو مستقبل مشترك، جسراً نسجت خيوطه من الثقة والأمان. كانت كلماتها، بنبرتها الهادئة والصادقة، كبلسم شافٍ لروح متعبة، وكلماته، وإن بدت مبعثرة في البداية، سرعان ما اكتسبت وضوحاً وقوة تحت تأثير حضورها.

لكن، صوت والده، السيد سالم، كان لا يزال يتردد في أذنيه. "علينا أن نتأكد يا بني، قبل أن نخطو خطوة نندم عليها." كانت كلمات الأب تحمل من الحكمة الكثير، لكنها زرعت في نفس أحمد بذرة قلق عميقة. هل أخطأ في تقييمه للأمور؟ هل كانت هناك جوانب خفية في قصة ليلى وعائلتها لم تصل إليه؟

في الجهة الأخرى من المدينة، في منزل عائلة الزين، كانت ليلى تستقبل شروق يوم جديد بقلب مثقل. لم تنم ليلتها كثيراً. كلما أغمضت عينيها، تراءت لها صورة أحمد، وجهه الذي امتلأ بالأمل والحب، وابتسامته التي كانت تعدها بصباح أجمل. لكن صورة والدتها، التي كانت تراقبها بعينين تفيضان بالقلق، كانت تلقي بظلالها على كل تلك الصور.

"ليلى حبيبتي، هل أنتِ بخير؟" سألت والدتها، السيدة فاطمة، وهي تضع كوباً من الشاي أمامها. كان صوتها يحمل حنو الأمومة المعهود، لكنه كان ممزوجاً بمسحة من التوتر.

"الحمد لله يا أمي، مجرد قليل من التفكير." أجابت ليلى، محاولة أن تخفي حقيقة اضطرابها.

"التفكير في أحمد؟" سألت والدتها بابتسامة خفيفة، محاولة تخفيف حدة الموقف.

"نعم يا أمي." قالت ليلى، وقد شعرت بارتياح لطيف لاقتراب والدتها منها.

"إنه رجل طيب يا ابنتي، وأرى في عينيه الصدق. لكن... تذكري ما قلته لكِ. حياتنا ليست كحياة الآخرين. هناك أمور يجب أن تكوني حذرة منها." قالت السيدة فاطمة، وبدأت عيناها تتجول في أرجاء الغرفة، وكأنها تبحث عن شيء قد اختفى.

"لكن يا أمي، ماذا تقصدين؟ كل شيء كان واضحاً." تساءلت ليلى، وهي تشعر بأن شيئاً ما لا يزال غامضاً.

"الوضوح الظاهري قد يخفي وراءه تعقيدات كثيرة يا صغيرتي. العالم ليس دائماً كما يبدو." تنهدت السيدة فاطمة، وبدأت تبدو عليها علامات الإرهاق. "أحمد من عائلة مرموقة، وأنا لا أريد أن تقعي في مشكلة بسبب ماضٍ قد لا يكون في صالحك."

"ماضٍ؟ أي ماضٍ يا أمي؟"

"فقط كوني حذرة. وأي قرار تتخذينه، اجعليه يصب في مصلحتكِ ومصلحة عائلتنا. لا أريد أن أراكِ تتألمين مرة أخرى." قالت والدتها، وبدأت تلملم أطباق الشاي، وانسحبت بهدوء، تاركة ليلى في دوامة من التساؤلات.

في نفس الوقت، كان السيد سالم، والد أحمد، قد قرر أن لا يترك الأمر هكذا. اتصل بصديقه القديم، المحامي القدير، الأستاذ خالد، الذي يعرفه معرفة وثيقة منذ أيام الدراسة.

"أهلاً يا سالم، كيف حالك؟" رد الأستاذ خالد على الهاتف بصوت ودود.

"بخير والحمد لله يا خالد. أريد أن أستشيرك في أمر مهم." قال السيد سالم، وبدا صوته جدياً.

"تفضل يا صديقي، سمعك."

"أحمد يريد الزواج من فتاة تدعى ليلى الزين. أرى في عينيه السعادة، والفتاة تبدو محترمة وطيبة. لكنني أشعر بالقلق. هناك شيء غامض حول عائلتها."

"ليلى الزين... هل لي أن أسألك عن اسم والدتها؟" سأل الأستاذ خالد، وبدا صوته وكأنه يحمل مفاجأة.

"السيدة فاطمة. هل تعرفها؟"

"أعرفها... أو بالأحرى، أعرف قصتها. كانت هناك قضية عائلية معقدة قبل سنوات، تتعلق بإرث كبير، ودخلت فيها عائلة الزين. الأمور لم تكن واضحة تماماً، وشابها بعض الغموض."

"إرث؟ غموض؟" تكرر السيد سالم، وشعر بأن قلبه قد أخذ ينبض بقوة.

"نعم. كان هناك شخص آخر يدعي حقه في هذا الإرث، ولكن القضية انتهت بطريقة ما لم يتم توضيح تفاصيلها بالكامل. أخشى أن يكون هذا الغموض قد ترك آثاراً. هل تعرفين شيئاً عن والد الفتاة؟"

"لم يتم ذكر والدها. كانت تتحدث عن والدتها بشكل أساسي."

"هذا مثير للاهتمام. سأقوم ببعض البحث يا سالم. ولكن كن حذراً. لا تجعل الأمر يؤثر على أحمد، ولكن تأكد أن كل شيء واضح قبل أن تسير الأمور إلى أبعد من ذلك."

"شكراً جزيلاً لك يا خالد. أقدر لك مساعدتك."

بعد انتهاء المكالمة، جلس السيد سالم يفكر. هل كان خوفه مبرراً؟ هل كانت ليلى ضحية لظروف عائلية معقدة؟ أم أن هناك أمراً آخر؟ شعر بثقل المسؤولية على عاتقه، مسؤولية حماية ابنه من أي أذى محتمل.

في تلك اللحظة، دخلت والدة أحمد، السيدة هدى، إلى مكتبه.

"ما الذي يشغل بالك يا سالم؟ أراك مهموماً." قالت بقلق.

"الأمر يتعلق بأحمد وليلى يا هدى. هناك بعض الأمور التي أحتاج إلى التأكد منها قبل أن نمضي قدماً."

"ولكننا وافقنا، ألم تكن أنت نفسك سعيداً بقرار أحمد؟"

"كنت سعيداً، ولا أزال أريد سعادته. ولكن يجب أن نتأكد من أن هذه السعادة مبنية على أساس متين. لا أريد أن تكتشف ليلى أو أحمد مستقبلاً ما قد يعكر صفو حياتهما."

"ولماذا تشك الآن؟"

"لأنني تحدثت مع خالد. لديه بعض المعلومات التي تثير القلق حول عائلة ليلى."

"ماذا سمعت؟"

"قضية إرث غامضة. ربما لم تكن الأمور بسيطة كما بدت."

ارتسم القلق على وجه السيدة هدى. كانت تتمنى لابنها كل الخير، وكانت ليلى تبدو فتاة رائعة. لكن ما قاله زوجها ألقى بظلال من الشك على سعادتهما.

"ماذا سنفعل الآن؟" سألت.

"سأنتظر ما سيجده خالد. وفي غضون ذلك، لن أخبر أحمد شيئاً. لن أخبر ليلى شيئاً. أريد أن أرى ما سيحدث."

في ظهيرة ذلك اليوم، وبينما كانت ليلى تتناول طعام الغداء مع والدتها، طرق الباب. فتحت السيدة فاطمة لتجد شاباً في منتصف العمر، يرتدي بدلة أنيقة، ويحمل حقيبة جلدية.

"هل أنتِ السيدة فاطمة الزين؟" سأل الشاب بصوت مهذب.

"نعم، تفضل."

"اسمي يوسف، وأنا محامٍ. أتيت للاطمئنان على بعض الأمور المتعلقة بقضية قديمة."

"قضية قديمة؟" تساءلت السيدة فاطمة، وقد شعرت بوخزة من القلق.

"نعم. تتعلق بمسألة إرث. هل يمكنني الدخول؟"

"تفضل."

جلسا في غرفة المعيشة، وبدأت ليلى تراقب المشهد من خلف باب الغرفة، وقلبها يخفق بشدة. سمعت المحامي يتحدث عن تفاصيل معقدة، عن أسماء لم تسمع بها من قبل، عن وصية قديمة، وعن أطراف أخرى كانت تسعى للحصول على حقها. كلما سمعت كلمات مثل "نزاع" و "حقوق" و "تفاصيل قانونية"، شعرت بأن الدنيا تدور بها.

"لماذا تتحدثون عن هذا الآن؟" سألت السيدة فاطمة بصوت مرتعش.

"أردنا التأكد من أن كل شيء قد تم تسويته بشكل قانوني. أردنا أن نتأكد من أن الأمور لا تحمل أي مفاجآت مستقبلية."

"لم تكن هناك مفاجآت. كل شيء انتهى."

"على الورق نعم. ولكن في بعض الأحيان، قد تظهر تفاصيل جديدة. هل واجهتكِ أي مشكلة في هذا الشأن؟"

"لا، لم أواجه." قالت السيدة فاطمة، ولكن عينيها لم تخفيا قلقها.

بعد مغادرة المحامي، أغلقت السيدة فاطمة الباب، واتكأت على الباب، تشعر بالوهن.

"ماذا حدث يا أمي؟" سألت ليلى، وقد خرجت من غرفتها.

"لا شيء يا حبيبتي. مجرد بعض الأمور المتعلقة بالماضي."

"ولكنك تبدين متعبة. هل كل شيء على ما يرام؟"

"كل شيء سيكون على ما يرام." قالت السيدة فاطمة، وهي تحاول أن تجمع شتات نفسها. "فقط... كوني مستعدة لأي شيء."

في تلك الليلة، لم تستطع ليلى أن تنام. كانت كلمات المحامي، وحديث والدتها، تدور في رأسها. شعرت بأن حياتها، التي كانت تبدو كزهرة تتفتح ببطء، قد اصطدمت فجأة بعاصفة. ولم تكن تعرف ما إذا كانت ستتمكن من الصمود.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%