نصفي الآخر 161
خيوط متشابكة وشكوك عميقة
بقلم فاطمة النجار
عاد أحمد إلى قصر الغانم، وقلبه مثقل بعبء الكلمات التي سمعها من والده. لم تكن تلك الكلمات مجرد تحذير، بل كانت إشارة واضحة إلى أن هناك ما يحتاج إلى استكشاف أعمق. جلس في مكتب والده، الذي كان يشبه ملاذه الهادئ، ولكنه اليوم بدا كمكان يفوح منه الغموض.
"أبي، هل يمكن أن تحدثني أكثر عن مخاوفك؟" سأل أحمد، وبدا صوته هادئاً رغم الاضطراب الذي يعتمل بداخله.
نظر إليه السيد سالم، وعيناه تعكسان مزيجاً من الحزن والجدية. "يا بني، أنت تعرف أنني لا أرغب إلا في سعادتك. ورؤيتك مع ليلى تجعلني أشعر بأن هناك أملاً جديداً في حياتك."
"ولكن..."
"ولكن، ليلة أمس، تحدثت مع صديقي الأستاذ خالد. لديه بعض المعلومات التي تتعلق بعائلة ليلى، وتحديداً بمسألة قديمة. قضية إرث، يا بني. كانت هناك بعض التعقيدات، وبعض الأمور التي لم تتضح تماماً."
"إرث؟" استغرب أحمد. لم يكن يتوقع شيئاً كهذا.
"نعم. يقول الأستاذ خالد إن الأمور لم تكن واضحة بالكامل، وهناك بعض الأطراف التي قد يكون لها علاقة بهذا الأمر. لم أرد أن أقلقك، ولكنني أريد أن نتأكد من أن كل شيء على ما يرام قبل أن نخطو خطوات أكبر."
شعر أحمد ببرودة تسري في عروقه. هل كانت ليلى على علم بكل هذا؟ وهل أخفته عنه؟
"هل تحدثت مع ليلى؟" سأل.
"لم أفعل. أردت أن آخذ رأيك أولاً. ما رأيك؟"
"أنا... لا أعرف يا أبي. ليلى فتاة نقية وصادقة. أرى ذلك في عينيها. ولكن إذا كان هناك ما تخفيه... فهذا أمر مقلق."
"بالضبط. ولذلك، قررت أن أطلب من الأستاذ خالد أن يقوم ببعض التحريات الإضافية. نريد أن نعرف ما حدث بالضبط. ليس للإضرار بأحد، بل للتأكد من أن مستقبلكم سيكون آمناً وخالياً من أي مشاكل."
"وهل وافقت على هذا؟"
"وافقت، لأنني أؤمن بأن الحقيقة هي أساس كل بناء سليم. إذا كانت هناك مشاكل، فمن الأفضل أن نعرفها الآن، وأن نجد لها حلولاً. أما إذا كانت الأمور بسيطة، فسوف ننسى كل هذا."
"شكراً لك يا أبي. أقدر لك اهتمامك." قال أحمد، وشعر ببعض الراحة لأن والده يتصرف بحكمة.
في تلك الأثناء، كانت ليلى تعيش حالة من القلق المتزايد. والدتها، السيدة فاطمة، أصبحت أكثر انطواءً، وكانت تنظر إلى ليلى بعينين تحملان خوفاً لم تفهمه ليلى تماماً.
"أمي، هل أنتِ بخير؟" سألت ليلى، وهي تجلس بجوارها في غرفة المعيشة.
"أنا بخير يا حبيبتي. فقط... بعض الذكريات القديمة تعود." قالت السيدة فاطمة، وهي تضع يدها على يد ليلى. "تذكري يا ابنتي، حياتنا لم تكن سهلة أبداً. ولكننا دائماً كنا نسير في طريق الحق."
"وأنا أؤمن بهذا يا أمي. ولكن... لماذا تشعرين بالقلق؟ هل يتعلق الأمر بزيارة المحامي؟"
"ليس تماماً. يتعلق الأمر بأن هناك أشخاصاً لا يريدون لنا الخير. هناك أشخاص يبحثون عن أي فرصة لإلحاق الأذى بنا."
"ولكن، من هم هؤلاء الأشخاص؟ ولماذا يفعلون ذلك؟"
"لا تقلقي يا ليلى. سأحرص على أن لا يصل أي أذى إليكِ. هذه هي أولوية حياتي."
"ولكن، هل يؤثر هذا على خططي مع أحمد؟" سألت ليلى، وشعرت بأن خيطاً رفيعاً يربط بين قلق والدتها وقلقها هي.
"هذا هو ما يزعجني يا ابنتي. لا أريد أن يكون هذا الأمر سبباً في تعكير صفو سعادتك. ولكن... يجب أن تكوني مستعدة. إذا كان هناك أي شيء قد يعرضك للخطر، أو يسبب لكِ ألماً، فيجب أن تكوني قوية."
"أمي، أنا أحب أحمد. وهو يحبني. وأعتقد أن زواجنا سيكون بداية حياة سعيدة لنا."
"وأنا أتمنى ذلك يا ابنتي. أتمنى ذلك من كل قلبي. ولكن... أحياناً، تأتي السعادة مصحوبة بتحديات."
شعرت ليلى بأن والدتها تحاول أن تقول شيئاً، ولكنها تعجز عن البوح به. كان الصمت الذي يخيم بينهما ثقيلاً، محملاً بالأسئلة غير المطروحة.
في هذه الأثناء، اتصل المحامي يوسف بالسيد سالم، ليقدم له نتائج بحثه الأولي.
"سالم، لقد وجدت بعض التفاصيل. القضية تتعلق بتقسيم تركة السيد إبراهيم الغامض. كان لديه ابن وبنت. الابن توفي مبكراً. والبنت، وهي والدة ليلى، السيدة فاطمة، ورثت جزءاً كبيراً. ولكن كان هناك طرف آخر، قريب بعيد، يدعى السيد هاشم، كان يدعي أن له حقاً في هذه التركة، وأن التقسيم لم يكن عادلاً."
"وماذا حدث؟" سأل السيد سالم، وشعر بالفضول الشديد.
"القضية رُفعت، ولكنها اختفت فجأة. لم يتم البت فيها بشكل رسمي. والغريب أن السيد هاشم، بعد فترة وجيزة، اختفى هو الآخر. لا أحد يعرف أين ذهب. ولم يتمكن أحد من الوصول إليه."
"اختفى؟ وهذا منذ متى؟"
"منذ حوالي عشرين عاماً. تقريباً في نفس الفترة التي تزوجت فيها السيدة فاطمة من والد ليلى."
"وهل يعتقدون أن السيد هاشم قد عاد؟"
"من الصعب الجزم. ولكن، المعلومات التي لدي تشير إلى أن هناك من كان يحاول استعادة حقه بشكل سري. ولذلك، أردت أن أخبرك، حتى تكون على دراية."
"شكراً لك يا يوسف. هذا كافٍ بالنسبة لي في الوقت الحالي. أقدر لك كل جهودك."
بعد إنهاء المكالمة، شعر السيد سالم بأن الصورة بدأت تتضح، ولكنها كانت أكثر تعقيداً مما توقع. كان هناك نزاع قديم، وشخص مفقود، واحتمالية عودة هذه المشاكل.
قرر السيد سالم أن يتحدث مع أحمد مرة أخرى.
"أحمد، لقد تحدثت مع الأستاذ خالد. يبدو أن هناك قصة خلف عائلة ليلى. قضية إرث قديمة، ونزاع بين والدتها وشخص يدعى هاشم. هذا الشخص اختفى فجأة، ولم يتم البت في القضية بشكل رسمي."
"وهذا يعني؟" سأل أحمد، وبدا عليه القلق.
"هذا يعني أن هناك احتمالاً بأن هذه المشاكل قد تعود للظهور. لا أعرف ما هو مدى خطورة هذا الأمر، ولكنني لا أريد أن تتعرض ليلى أو أنت لأي أذى."
"وهل ليلى تعرف بهذا؟"
"لا أدري. أردت أن أخبرك أولاً. ما رأيك؟ كيف سنتصرف؟"
نظر أحمد إلى والده، وفي عينيه تصميم. "يا أبي، أنا أحب ليلى. وأثق بها. ولكن، إذا كان هناك ما تخفيه، أو ما لم تخبرنا به، فيجب أن نعرف. سنواجه هذا الأمر معاً. ولكن، يجب أن نتصرف بحذر."
"وما هو الحذر الذي تقصده؟"
"سنتواصل مع ليلى. سنتحدث معها بصراحة. سنخبرها بما عرفناه، وسنرى رد فعلها. إذا أخفت عنا أمراً مهماً، فهذا سيغير كل شيء."
"أوافقك الرأي يا بني. الصدق هو أساس كل علاقة. إذا لم يكن هناك صدق، فما فائدة الزواج؟"
في تلك الليلة، كانت ليلى تشعر بثقل العالم على كتفيها. لم تستطع تجاهل القلق الذي بدا على والدتها. شعرت بأن هناك سحابة سوداء تحوم فوق مستقبلها.
"أمي، هل هناك شيء يخص الماضي يخيفك؟" سألت ليلى، وقد قررت أن تواجه الأمر.
نظرت السيدة فاطمة إلى ابنتها، وعيناها تلمعان بالدموع. "نعم يا ليلى. هناك أمور. قصة طويلة ومعقدة. تتعلق بوالدكِ، وبالأشخاص الذين حولنا. لم أكن أريد أن أثقل كاهلكِ بهذا، ولكن يبدو أن القدر يأبى إلا أن يذكرنا بذلك."
"ماذا حدث يا أمي؟"
"لقد كان هناك نزاع حول إرث والد جدي. كانت هناك جهود للحصول على كل شيء. ولكننا تمكنا من الحصول على ما لنا. ولكن، كان هناك رجل يدعى هاشم، كان يطالب بحقه. وقد اختفى فجأة، ولم يعد له أثر. خشيت أن يكون هذا الأمر قد انتهى بشكل سيء."
"وهل هذا السيد هاشم... قد يكون له علاقة بأي شخص تعرفه؟"
"لا أدري يا ابنتي. لقد مر وقت طويل. ولكني لا أريد أن أراكِ في وضع صعب. خاصة مع أحمد. هو رجل نبيل."
"وأنا أحبه يا أمي." قالت ليلى، وشعرت بأن عينيها تدمعان.
"أعلم يا حبيبتي. ولكن، يجب أن تكوني مستعدة. يجب أن تكوني قوية."
كانت ليلى تستمع إلى والدتها، وقلبها يعتصر ألماً. شعرت بأنها تقف على حافة عالمين. عالمها الحالي، الذي يلوح فيه الأمل، وعالم الماضي، الذي يحمل معه ظلالاً قاتمة. ولم تكن تدري أي عالم ستختار.