نصفي الآخر 161
المواجهة الصادقة وحدود الحقيقة
بقلم فاطمة النجار
في صباح اليوم التالي، اتخذ أحمد قراراً حاسماً. لم يكن يريد أن يترك الأمور معلقة. التقى بوالده في حديقة القصر، حيث كانت أشجار البرتقال تبسط عبيرها اللطيف في الهواء.
"يا أبي، لقد فكرت كثيراً. لا يمكننا ترك هذه المسألة هكذا. يجب أن نتحدث مع ليلى. يجب أن تكون صريحة معنا."
"وهل أنت متأكد يا بني؟ قد يكون هذا الأمر حساساً لها."
"ولكن، إذا كان هناك ما يؤثر على مستقبلنا، فيجب أن نعرفه. لن أتركها تواجه هذا بمفردها. إذا كانت هناك مشاكل، فسوف نجد حلاً لها معاً. ولكن، يجب أن تكون الحقيقة هي أساس علاقتنا."
"حسناً يا بني. كما ترى. ولكن، كيف ستقوم بذلك؟"
"سوف أتصل بها. وأطلب منها أن نلتقي. وفي مكان عام، ربما في مقهى هادئ، لنتحدث براحة."
"فكرة جيدة. ولكن، كن لطيفاً. ولا تضعها في موقف محرج."
"بالطبع يا أبي. أريد أن أطمئن قلبي، وقلبك، وقلبها."
في الجهة الأخرى من المدينة، استقبلت ليلى مكالمة من أحمد. شعرت بانقباض في قلبها. كانت تتوقع منه شيئاً كهذا، خاصة بعد حديثها مع والدتها.
"أهلاً يا أحمد." قالت ليلى، وهي تحاول أن تبدو طبيعية.
"أهلاً بكِ يا ليلى. كيف حالك؟"
"بخير والحمد لله. وأنت؟"
"أنا بخير. ولكن، هل يمكن أن نلتقي اليوم؟ لدي أمر أريد التحدث معكِ فيه. أمر مهم."
شعر قلب ليلى بالخوف. "أمر مهم؟ هل كل شيء على ما يرام؟"
"كل شيء على ما يرام. فقط، أريد أن أتحدث معكِ بصراحة. هل يمكن أن نلتقي في مقهى 'الوردة البيضاء' بعد صلاة الظهر؟"
"حسناً يا أحمد. سأكون هناك."
بعد انتهاء المكالمة، جلست ليلى تتأمل. هل يجب أن تخبر أحمد بكل شيء قبل أن يلتقي بها؟ أم تنتظر حتى يسألها؟ شعرت بأنها تقف على مفترق طرق.
"أمي،" قالت ليلى، وهي تدخل إلى غرفة والدتها، "أحمد يريد أن يلتقي بي اليوم. ليخبرني بشيء مهم."
"وما هو هذا الشيء المهم؟" سألت السيدة فاطمة، وبدا القلق واضحاً على وجهها.
"لا أدري. ولكني أشعر أنه يتعلق بما تحدثنا عنه. هل يجب أن أخبره بكل شيء؟"
"إذا كان هذا هو السؤال الذي يشغل بالك، فإجابته واضحة يا ابنتي. الصدق هو أفضل طريق. إذا كنتِ تحبين أحمد، فلا تخفي عنه شيئاً. ولكن، كوني حذرة فيما تقولين. تذكري أن هناك من قد يستغل أي معلومة ضدنا."
"ولكن، كيف سأقول له؟"
"قولي له ما تعرفينه، وما حدث. ولا تخافي. إذا كان يحبك، فسوف يتفهم. وإذا لم يفهم، فهذا يعني أن هذه العلاقة لم تكن لتستمر."
كانت كلمات والدتها كالنور الذي يضيء لها الطريق، ولكنها لم تخفف من ثقل قلبها.
عند موعد اللقاء، كانت ليلى قد وصلت قبل أحمد بدقائق. اختارت طاولة في زاوية هادئة. كانت تتأمل المارة، وقلبها يخفق بسرعة. ثم رأت أحمد يقترب. كان وجهه يحمل جدية لم تعهدها فيه.
"مرحباً ليلى." قال أحمد، وهو يجلس مقابلها.
"مرحباً أحمد."
"شكراً لحضورك. أعرف أن هذا قد يكون مفاجئاً."
"لا بأس. ولكن، ما هو الأمر المهم الذي تريد التحدث فيه؟"
نظر أحمد في عينيها، ثم بدأ يتحدث. "ليلى، في الأيام الماضية، دار حديث بيني وبين والدي. وتحدثنا عنكِ وعن عائلتكِ. وأخبرنا والدي أن هناك بعض الأمور الغامضة التي تتعلق بقضية إرث قديمة، تخص عائلتكِ."
تجمدت ليلى في مكانها. شعرت بأن الكلمات تلتف حولها. "قضية إرث؟"
"نعم. قيل لنا إن هناك نزاعاً، وأن الأمور لم تكن واضحة تماماً. وأن هناك شخصاً يدعى هاشم، كان يدعي حقه، ثم اختفى."
نظرت ليلى إلى أحمد، وعيناها مليئة بالحزن. "هذا صحيح يا أحمد. هناك قصة معقدة."
"وهل كنتِ تعلمين بذلك؟" سأل أحمد، وبدا صوته هادئاً ولكنه يحمل ترقباً.
"نعم. والدتي، السيدة فاطمة، أخبرتني قليلاً. ولكنها لم تخبرني بكل التفاصيل. كانت تحاول أن تحميني."
"وماذا تخفي والدتكِ؟ ما هي التفاصيل التي لم تخبركِ بها؟"
بدأت ليلى تتحدث، وبدأت الدموع تنهمر من عينيها. "لقد كان هناك نزاع حول تركة جدي. والدتي، وهي ابنة المرحوم السيد إبراهيم، ورثت نصيبها. ولكن كان هناك السيد هاشم، وكان قريباً بعيداً، يدعي أن له حقاً. وقد رفعت والدتي دعوى قضائية ضده."
"وماذا حدث بعد ذلك؟" سأل أحمد، وهو يراقب ملامح وجهها التي تعبر عن الألم.
"لقد كانت الأمور معقدة. وكان هناك ضغط. وفي النهاية، تم تسوية الأمر بطريقة ما. ولكن، السيد هاشم اختفى بعد ذلك. لا أحد يعرف أين ذهب. والدتي كانت تخشى أن يكون قد تعرض لأذى، أو أن يكون قد عاد ليبحث عن حقه."
"وهل والدتكِ تعرف أين هو الآن؟"
"لا. لم تسمع عنه شيئاً منذ سنوات."
"وهل تعتقدين أنه قد يكون له علاقة بأي مشاكل قد تواجهنا؟"
"أخشى ذلك يا أحمد. والدتي قلقة جداً. إنها تخشى أن يعود هذا الماضي ليؤذينا. خاصة أنني مرتبطة بك الآن. وهي لا تريد أن ترى أي أذى يلحق بك أو بعائلتك."
صمت أحمد للحظة، وهو يستوعب كل ما سمع. لم تكن الأمور بسيطة كما ظن. كانت هناك قصة، وقصص أخرى قد تكون مخفية.
"ليلى،" قال أحمد، وبدا صوته مليئاً بالحنان، "أنا أقدر صدقك. وأعلم أنكِ لم تخطئي. ولكن، هل أنتِ متأكدة أنكِ تعرفين كل شيء؟ هل هناك أي شيء آخر قد نكون غافلين عنه؟"
تنهدت ليلى. "أحمد، أنا صادقة معك. هذه كل ما أعرفه. ولكن، أخشى أن يكون هناك ما هو أكثر من ذلك."
"وهل والدتكِ... هل لديها أي معلومات أخرى؟ أي شخص قد تتواصل معه؟"
"ربما... ربما تتواصل مع محامٍ قديم كان يساعدها في تلك القضية. ولكن، لا أتذكر اسمه."
"حسناً. هذا قد يكون مفتاحاً. علينا أن نجد هذا المحامي."
"ولكن، لماذا كل هذا القلق يا أحمد؟"
"لأنني أريد أن نتزوج ونبدأ حياتنا بسعادة. ولا أريد أن يكون هناك أي شيء يهدد هذه السعادة. لا أريد أن يأتي شخص في المستقبل ويقول إننا أخفينا عنه أمراً مهماً."
"وأنا أيضاً لا أريد ذلك." قالت ليلى، وبدت على وجهها علامات الارتياح. "شكراً لك يا أحمد. شكراً لثقتك بي."
"الثقة هي أساس كل شيء يا ليلى. والصدق هو سبيلنا."
بعد لقائهما، عاد أحمد إلى قصر الغانم، وقلبه أثقل قليلاً، ولكنه مطمئن. تحدث مع والده، وقص عليه كل ما دار بينه وبين ليلى.
"إذاً، ليلى كانت صادقة معك. ولكن، والدتها لا تزال تخفي بعض التفاصيل." قال السيد سالم.
"نعم يا أبي. ولكن، على الأقل، نعرف الآن أن هناك محامياً قديماً قد يكون لديه معلومات. سنحاول أن نجده."
"حسناً. ولكن، لا تتسرع. الأمور قد تكون معقدة. وتذكر، أن ليلى بريئة. لا تدع هذه المشاكل تؤثر عليها."
"بالطبع يا أبي. لن يؤثر شيء عليها."
في منزل عائلة الزين، كانت ليلى قد تحدثت مع والدتها. "أمي، تحدثت مع أحمد. وأخبرته بكل ما أعرفه. وكان متفهماً."
"الحمد لله." قالت السيدة فاطمة، وارتسمت على وجهها علامات الراحة. "ولكن، هل سأل عن المحامي؟"
"نعم. ولن نبحث عنه. ولكنه قال إننا سنتصرف بحذر."
"هذا جيد. ولكن، تذكري يا ابنتي، أن هناك دائماً أزقة مظلمة في الماضي. يجب أن نكون حذرين."
"أعرف يا أمي. ولكن، مع أحمد، أشعر أنني أقوى."
"أتمنى ذلك يا ابنتي. أتمنى ذلك."
كانت ليلى تشعر بأنها قد تجاوزت مرحلة صعبة. ولكنها كانت تعرف أن الأمور لم تنته بعد. كان خيط الماضي لا يزال متدلياً، ينتظر أن يتم سحبه.