نصفي الآخر 161
سرٌّ يتجلّى في ليلٍ بهيم
بقلم فاطمة النجار
كان الليل قد أرخى سدوله على مدينة القاهرة، وغطى أزقتها الضيقة بوشاحٍ من السكينة الممزوجة بشيءٍ من الغموض. في شقةٍ تعلو أحد المباني القديمة المطلة على النيل، جلست ليلى، وقد استقرت بين يديها مخطوطةٌ قديمةٌ، تفوح منها رائحةُ الورق العتيق والغبار. كانت قد وجدتها في صندوقٍ خشبيٍّ صغيرٍ، أخفته جدتها في مكانٍ سريٍّ داخل خزانة ملابسها، بعد أن أقسمت عليها مرارًا ألا تبوح بسرّها لأحدٍ حتى يحين الوقت المناسب. وقد حان هذا الوقت، كما شعرت ليلى في أعماقها، حينما باتت الأمور معقدةً بينها وبين عمر، وباتت الشكوك تحوم حول نوايا الكثيرين.
فتحَت المخطوطة بحذرٍ، وبدأت عيناها تتتبعان الحروف العربية القديمة، المرسومة بحبرٍ باهتٍ كأنه يحمل ذكريات زمنٍ بعيد. كانت كلماتٍ متداخلة، تنطق بحكايةٍ قديمةٍ، عن جدتها الكبرى، السيدة نفيسة، وعن علاقتها برجلٍ غامضٍ، لم تذكر اسمه صراحةً، لكن أوصافها دلت على رجلٍ ذي نفوذٍ وجاه. حكت المخطوطة عن قصة حبٍ جمعت بينهما في زمنٍ مضى، حبٍ كان محفوفًا بالمخاطر، وحبٍ انتهى بمأساةٍ، تركت ندوبها عميقةً في تاريخ العائلة.
ثم، وبين طيات هذه الحكاية، لمحَت ليلى اسمًا تكرر بوضوحٍ، اسمٌ يعرفه عمر جيدًا، بل يعرفه الجميع تقريبًا في الأوساط التجارية والعقارية. كان اسم "السيد رضوان"، ذلك الرجل الثريّ، صاحب الأعمال المشبوهة، الذي سعى بكل الطرق للسيطرة على عقارات عائلتها. شعرت ليلى ببرودةٍ تسري في عروقها. هل يمكن أن يكون هناك رابطٌ بين هذا السرّ القديم وبين محاولات السيد رضوان المستمرة؟
واصلت القراءة، لتكتشف أن جدتها السيدة نفيسة، لم تكن مجرد فتاةٍ أحبت ثم فقدت، بل كانت تملك قصةً أعمق، قصةً تتعلق بحقٍّ قديمٍ، حقٍ في أرضٍ واسعةٍ، كانت قد أُخذت منها ظلماً. وأن هذا الحق، قد تناقلته الأجيال، وإن كان مخبوءًا في ثنايا السجلات القديمة، وفي وثائقٍ مفقودةٍ. وذكرت المخطوطة، بلهجةٍ غامضة، أن هذا الحقّ، إذا ما استُعيد، فسيغير موازين القوى في المدينة.
في تلك اللحظة، سمعت طرقًا على الباب. ارتبكت ليلى، وأسرعت بإخفاء المخطوطة تحت وسادةٍ، وهي تشعر بخفقانٍ متزايدٍ في قلبها. من عساه أن يكون في هذا الوقت المتأخر من الليل؟ فتحت الباب بحذرٍ، لتجد أمامها وجه عمر، وقد ارتسمت على ملامحه قلقٌ واضحٌ، وعيناه تبحثان عنها بلهفة.
"ليلى! ما الذي تفعلينه هنا وحدكِ في هذا الوقت؟ قلقت عليكِ." قال عمر بصوتٍ حمل دفءًا ممزوجًا بخوفٍ.
"لا شيء يا عمر، كنتُ أتصفح بعض الكتب القديمة." أجابت ليلى، محاولةً السيطرة على ارتباكها، لكن عينيها سرعان ما تلاقت مع عينيه، فبات من الصعب عليها إخفاء ما تشعر به.
"هل كل شيء على ما يرام؟ تبدين شاحبةً." قال عمر، ومدّ يده ليلامس جبينها، لكنه تراجع في اللحظة الأخيرة، احترامًا لرغبتهما في الالتزام بالحدود الشرعية.
"أنا بخير، فقط بعض الأخبار المفاجئة." قالت ليلى، وهي تشعر أن كلمة "مفاجئة" بالكاد تعبر عن حجم ما اكتشفته.
"أخبريني، أرجوكِ. منذ أن غادرتِ منزلكم اليوم، وأنا أشعر بقلقٍ لا يوصف." أصرّ عمر، وقد جلس على أقرب مقعدٍ، ناظرًا إليها بترقب.
تنهدت ليلى بعمقٍ، ونظرت إلى وجه عمر، الذي لطالما رأته ملاذًا آمنًا لها، وشريكًا لطريقٍ قد يرسمه الله لهما. هل حان الوقت لتقول له كل شيء؟ هل يمكن أن يكون هو من سيساعدها في كشف هذا السرّ، وإعادة الحقّ إلى أصحابه؟
"لقد وجدتُ شيئًا غريبًا اليوم." بدأت ليلى، وصوتها يرتجف قليلاً. "شيئًا يخصّ جدتي، وسرًّا قديمًا جدًا."
وبدأت ليلى تحكي لعمر ما وجدته في المخطوطة، عن جدتها السيدة نفيسة، وعن حبها الممنوع، وعن الحقّ الذي ضاع. وكلما نطقت بكلمةٍ، كان وجه عمر يزداد عبوسًا، وعيناه تشتعلان بالغضب تارةً، والدهشة تارةً أخرى. وصل الأمر بليلى إلى ذكر اسم السيد رضوان، عندها انتفض عمر واقفًا، وقد احمرّ وجهه.
"السيد رضوان؟ هل قلتِ السيد رضوان؟" صرخ عمر، وقد امتلأت نبرته بالغضب المكبوت. "لا يمكن! كيف يتورط اسم عائلتنا بهذه الطريقة؟"
"هذا ما وجدته يا عمر. يبدو أن هناك تاريخًا طويلاً من الصراع بين عائلتكم وعائلته، حتى قبل أن تعرفوه." قالت ليلى، وقد شعرت بأنها قد فتحت صندوقَ باندورا.
"هذا يكشف الكثير من الأمور." تمتم عمر، وقد بدأ يسير جيئةً وذهابًا في الغرفة. "محاولاته المستمرة للاستيلاء على أراضينا، سخريته من مساعينا القانونية، كل هذا لم يكن محض صدفة. إنه يسعى لاستعادة شيءٍ يعتبره حقّه."
"لكن هذا الحقّ ليس له يا عمر. إنه حقّ جدتي، وحقّنا." قالت ليلى، وهي تشعر بشيءٍ من القوة الجديدة تتسلل إلى نفسها.
"نحن بحاجةٍ إلى تأكيد كل هذه المعلومات، يا ليلى. بحاجةٍ إلى البحث في الوثائق القديمة، إلى العثور على ما ضاع." قال عمر، وقد توقف أمامها، ونظر إليها بنظرةٍ حملت مزيجًا من التصميم والوعد. "هذا ليس مجرد سرٍّ عائليٍّ قديمٍ، بل هو صراعٌ على الحقّ، صراعٌ بدأ قبل عقودٍ، ويجب أن ننهيه الآن."
في تلك اللحظة، أدركت ليلى أن نقطة اللاعودة قد تم تجاوزها. لقد انفتحت صفحةٌ جديدةٌ في حياتهما، صفحةٌ مليئةٌ بالتحديات، لكنها أيضًا صفحةٌ تحمل وعدًا بالعدالة، وبإعادة الحقّ إلى نصابه. وبينما كان الليل لا يزال يلفّ المدينة، شعرت ليلى بأن نورًا قد بدأ يلوح في الأفق، نورٌ يتجسد في عزم عمر، وفي قوة الحقّ الذي يدافعان عنه.