الفصل 18 / 25

نصفي الآخر 161

خططٌ تُنسج في الظلام

بقلم فاطمة النجار

اجتمع عمر وليلى في صباح اليوم التالي، وقد انعقدت العزيمة في قلبيهما على كشف الحقيقة كاملةً. لم تكن الأحاديث الهاتفية التي دارت بينهما في جنح الظلام كافيةً لتوضيح الصورة، بل كانت أشبه بتمهيدٍ للمعركة القادمة. كان السيد رضوان، ذلك الرجل الذي لطالما أثارت أفعاله قلق عائلة عمر، قد بات الآن يشكل خطرًا أكبر، فهو لم يكن يسعى فقط لامتلاك عقاراتهم، بل ربما كان يسعى لاستعادة حقٍّ يعتبره خاصًا به، حقٌّ قد يكون مرتبطًا بتارخه المظلم مع عائلة ليلى.

"يجب أن نكون حذرين جدًا يا ليلى." قال عمر، وهو يحتسي فنجان قهوته الصباحية، وعيناه ترصدان الشارع من نافذة شقته. "السيد رضوان رجلٌ لا يعرف الرحمة، وأنا متأكدٌ أنه لن يتردد في استخدام أي وسيلةٍ لإبقاء هذا السرّ مدفونًا."

"ولكن كيف سنواجهه؟ أين نبدأ؟" سألت ليلى، وهي تشعر بثقل المسؤولية يقع على عاتقها. المخطوطة كانت مجرد بداية، ولكنها لم تحمل دليلاً قاطعًا، بل كانت تحتاج إلى وثائقٍ داعمةٍ.

"جدتكِ السيدة نفيسة، هل ذكرتِ مكانًا معينًا كانت تحفظ فيه وثائقها؟" سأل عمر. "ربما هناك أشياءٌ أخرى يمكن أن تساعدنا."

فكرت ليلى مليًا. "تذكرتُ أن جدتي كانت دائمًا ما تتحدث عن صندوقٍ خشبيٍّ قديمٍ، كانت تضعه في مكانٍ آمنٍ بعيدًا عن الأعين. لم أعرف مكان ذلك المكان حتى وجدتُ المخطوطة."

"الصندوق الخشبيّ القديم..." ردد عمر، وقد لمح في عينيه بصيص أمل. "هذا هو مفتاحنا. يجب أن نجده. لا بد أن تكون فيه أدلةٌ قويةٌ."

وفي مساء ذلك اليوم، وبعد تنسيقٍ بينهما، اتجهت ليلى إلى منزل جدتها، وبصحبتها عمر. دخلت ليلى المنزل، الذي يحمل ذكرياتٍ لا تُعد ولا تُحصى، واستنشقت رائحة البخور المعتادة، التي لطالما أحبتها. كان المنزل يبدو هادئًا، لكنه كان يخفي بين جدرانه أسرارًا تنتظر من يكشفها.

بدأ عمر وليلى بالبحث في أرجاء المنزل، تحت إشراف ليلى التي كانت تحاول تذكر تفاصيل قد تكون مفيدة. بحثا في المكتبة، في غرفة المعيشة، وحتى في المخزن القديم الذي لم يمسّه أحدٌ منذ سنوات. كان البحث شاقًا، ومليئًا بالإحباط أحيانًا، لكنهما كانا يمسكان ببعضهما البعض، ويشجعان بعضهما البعض على الاستمرار.

"ربما لم يكن هذا الصندوق في المنزل." قالت ليلى، وقد بدأت اليأس يتسلل إلى صوتها.

"لا تستسلمي يا ليلى. جدتكِ امرأةٌ حكيمةٌ، ولم تكن لتخفي شيئًا بهذه الأهمية في مكانٍ سهلٍ. فكري، هل هناك مكانٌ آخر كانت تحب أن تختبئ فيه؟ مكانٌ تشعر فيه بالأمان؟" قال عمر، وهو يمسح الغبار عن رفٍّ علويٍّ في إحدى الغرف.

وفجأة، تذكرت ليلى شيئًا. "البئر القديم في الحديقة الخلفية! كانت جدتي تقول إنها كانت تحتفظ ببعض الأشياء الثمينة فيه عندما كانت صغيرة، لحمايتها من أعين المتطفلين."

"البئر؟" تعجب عمر، لكنه سرعان ما استوعب الفكرة. "هذا محتملٌ جدًا. لكن كيف سنصل إلى قاعه؟"

نظرا إلى بعضهما البعض، وقد لمعت في عينيهما شرارةٌ من العزيمة. لقد تعهدا بمواجهة هذا الأمر معًا، ولن يستسلما لأي عقبة.

في اليوم التالي، استأجر عمر بعض العمال الموثوقين، وذهبوا إلى الحديقة الخلفية. كان البئر قديمًا، ولم يعد يستخدم منذ زمنٍ طويلٍ، وقد غطته الأشجار والنباتات. بدأ العمال بإزالة الأعشاب المتسلقة، وكشف النقاب عن فوهة البئر. كان عميقًا، ومظلمًا، وينبعث منه هواءٌ باردٌ.

"سأنزل أنا." قال عمر، وقد ارتدى خوذةً وقام بتثبيت حبلٍ قويٍّ.

"لا، عمر. سأنزل أنا." قالت ليلى، وقد تقدمت بخطواتٍ ثابتةٍ. "هذا سرّ عائلتي، وأنا من يجب أن يكشفه."

"ليلى، هذا خطيرٌ جدًا." اعترض عمر، وقد بدأ الخوف يتسلل إلى صوته.

"وأنا قويةٌ بما يكفي، يا عمر. لقد أثبتُّ ذلك. أرجوكَ، ثق بي." قالت ليلى، وقد استقرت نظرتها في عينيه.

بعد ترددٍ، وافق عمر، وشعر بقلقه يزداد مع كل لحظة. قام العمال بتجهيز الحبل، وبدأت ليلى بالنزول بحذرٍ إلى قاع البئر. كان الظلام دامسًا، والصمت مخيفًا، ولم يكن يسمع سوى صوت تنفسها، وصوت ارتطام الحبل بالجدران.

وبعد دقائق بدت وكأنها ساعات، وصلَت ليلى إلى القاع. استعملت مصباحًا يدويًا، لتضيء المكان. كانت هناك بعض بقايا الأخشاب، وبعض الأشياء المنسية. وبحثت بعينيها، حتى لمحت في زاويةٍ بعيدةٍ، صندوقًا خشبيًّا قديمًا، بالكاد يمكن رؤيته.

"لقد وجدته!" صاحت ليلى، وصوتها يرنّ في البئر.

أسرع عمر والعاملون في سحب الحبل، وبدأوا برفع الصندوق ببطءٍ وحذر. وعندما خرج الصندوق من البئر، كان عمر وليلى يتنفسان الصعداء. كان الصندوق قديمًا، ومغطىً بطبقةٍ سميكةٍ من الأوساخ، لكنه كان يبدو سليمًا.

في غرفة المعيشة، وضعا الصندوق على طاولةٍ، وقد احتشدت حولهما كل الأعين. فتحت ليلى الصندوق بحذرٍ. بداخله، لم تكن هناك مجوهراتٌ أو ذهبٌ، بل كانت هناك مجموعةٌ من الوثائق القديمة، وبعض الرسائل المغلقة، وختمٌ يعود إلى حقبةٍ زمنيةٍ قديمةٍ.

بدأت ليلى بقراءة إحدى الرسائل، وكانت بخط يد جدتها السيدة نفيسة، وهي موجهةٌ إلى شخصٍ يدعى "أحمد". كانت الرسالة مليئةً بالحبّ، لكنها كانت تحمل أيضًا تحذيرًا، تحذيرًا من رجلٍ يدعى "رضوان"، لم يذكر اسمه كاملاً، لكن الأوصاف كانت مطابقةً للسيد رضوان الحالي.

"يا إلهي..." همس عمر، وقد امتلأت عينيه بالدهشة. "إذا كانت هذه الوثائق صحيحةً، فإنها تثبت كل شيء. السيد رضوان ليس مجرد منافسٍ، بل هو شخصٌ يريد استعادة شيءٍ يعتقد أنه له، شيءٌ سرقه منا."

"هذه الرسائل وهذه الوثائق هي الدليل يا عمر." قالت ليلى، وقد أمسكت بيديه بقوةٍ. "دليلٌ على حقٍّ ضاع، ودليلٌ على ظلمٍ وقع. والآن، يجب علينا أن نقاتل لاستعادته."

في تلك اللحظة، شعر عمر بمسؤوليةٍ أكبر تقع على عاتقه. لم يعد الأمر مجرد نزاعٍ عقاريٍّ، بل هو صراعٌ تاريخيٌّ، صراعٌ بين الخير والشرّ، صراعٌ تتوارثه الأجيال. وبينما كانت أشعة الشمس تغرب، وتلقي بظلالها الطويلة على المنزل، أدرك عمر وليلى أن رحلتهما قد بدأت للتو، وأن المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%