نصفي الآخر 161
أشباح الماضي تُطارِد الحاضر
بقلم فاطمة النجار
عادت ليلى إلى شقتها، وبعد أن استأذنت عمر، جلست وحدها بين أوراق وجدتها. لم تكن مجرد أوراقٍ، بل كانت نافذةً مفتوحةً على تاريخٍ غامضٍ، تاريخٍ نسجت خيوطه جدتها السيدة نفيسة، بمشاعرٍ صادقةٍ، وبآلامٍ عميقةٍ. كانت الرسائل تتحدث عن حبٍّ جارفٍ جمعها بـ "أحمد"، الرجل الذي لم تذكره عائلتها قط، لكنها كانت تشعر برابطٍ خفيٍّ يربطها به. لم يكن أحمد سوى أحد رجال الأعمال الذين كانوا في صراعٍ دائمٍ مع عائلة السيد رضوان.
قرأت ليلى رسالةً أخرى، كانت مؤرخةً قبل زواجها بفترةٍ قصيرةٍ. فيها، كانت السيدة نفيسة تعبّر عن قلقها الشديد من عائلة رضوان، وعن مخططاتهم الاستيلائية على أراضي العائلة، التي ورثتها عن والدها. كانت تتحدث عن وثائقٍ مهمةٍ، كانت بحوزتها، تثبت أحقيتها في تلك الأراضي، والتي كانت بمثابة ثروةٍ عظيمةٍ. لكن يبدو أن السيد رضوان، في ذلك الزمن، قد لجأ إلى الحيل والترهيب، ليتمكن من الاستيلاء على هذه الأراضي.
"ولكن هذا لا يفسر لماذا لم تتحدث أمي أو جدتي عن هذا الموضوع." تمتمت ليلى لنفسها.
"لأنهم كانوا خائفين، يا ليلى." جاء صوت عمر من خلفها، وقد دخل الشقة بهدوء. "كانوا يعرفون أن مواجهة السيد رضوان ستكون صعبةً، وأنهم قد يدفعون ثمنًا باهظًا."
"ولكن كيف عرفت أنني هنا؟" سألت ليلى، وقد ابتسمت ابتسامةً صغيرةً.
"كنتُ أشعر أنكِ بحاجةٍ إلى بعض الهدوء، لتفكري فيما اكتشفتِه. كما أن قلبي كان يدفعني إليكِ." قال عمر، وقد جلس بجانبها، وقام بحمل إحدى الرسائل.
"هذه ليست مجرد أراضي، يا عمر. هذه قصةُ حياةٍ، قصةُ حبٍّ، قصةُ ظلمٍ." قالت ليلى، وعيناها تلمعان بالدموع.
"ونحن سنعيد هذه القصة إلى نصابها." قال عمر، بحزمٍ. "لقد تعهدتُ أمام الله، ثم أمامكِ، أن نحمي ما هو لنا. وهذه الأراضي، وهذه الحقوق، هي لنا."
أمضى الاثنان ساعاتٍ في تفحص الوثائق. وجدوا سنداتٍ قديمةً، وعقودًا تعود إلى القرن التاسع عشر، تثبت ملكية أجداد ليلى لأراضٍ واسعةٍ، تمتد على طول الساحل الشرقيّ. وكان السيد رضوان، في الماضي، قد تمكن من الحصول على هذه الأراضي بطرقٍ ملتويةٍ، عن طريق تزوير بعض الوثائق، واستغلال ضعف بعض الورثة.
"انظري إلى هذا يا ليلى." قال عمر، وهو يشير إلى وثيقةٍ معينةٍ. "هذه الوثيقة تثبت أن السيد رضوان، وجده، قد استولوا على هذه الأراضي قبل حوالي خمسين عامًا. لقد كانت خطةً متقنةً، استخدموا فيها الرشوة والتهديد."
"ولكن كيف تمكنوا من إخفاء هذا كل هذه السنوات؟" سألت ليلى.
"ربما كان هناك اتفاقٌ بين عائلة رضوان وبعض المسؤولين الفاسدين في ذلك الوقت. أو ربما دفنوا الوثائق الأصلية، واستبدلوها بنسخٍ مزورةٍ." قال عمر، وقد شعر بالاشمئزاز.
"والآن، ماذا سنفعل؟" سألت ليلى، وقد بدأت تفكر في الخطوة التالية.
"سنبدأ بالبحث عن أي دليلٍ إضافيٍّ، يتعلق بالسيد أحمد. قد يكون لديه بعض المعلومات أو الوثائق التي لم تكن بحوزة جدتكِ." قال عمر. "ثم، سنقوم بإبلاغ محامينا، وسنبدأ الإجراءات القانونية."
"ولكن، هل تعتقد أن القانون سيكون قادرًا على ردّ الحقّ لنا؟" سألت ليلى، وهي تشعر ببعض الشك.
"نحن سنفعل ما بوسعنا. وبالقوة التي أعطانا إياها الله، سننتصر." قال عمر، وقد أمسك بيدها. "لقد رأيتُ كيف أن السيد رضوان يستخدم المال والنفوذ لترهيب الناس. ولكن الله أقوى من أي قوةٍ بشريةٍ."
في تلك اللحظة، سمعا طرقًا عنيفًا على الباب. استيقظ عمر وليلى من تفكيرهما.
"من عساهم أن يكونوا في هذا الوقت؟" تساءلت ليلى، وقد شعرت بالقلق.
ذهب عمر لفتح الباب، بحذرٍ. وجد أمامه شخصين، رجلين ضخمين، يبدو عليهما أنهما من رجال الأمن الخاص، أو ربما من البلطجية.
"هل أنتَ عمر؟" سأل أحدهما بصوتٍ خشنٍ.
"نعم، أنا عمر. ومن أنتم؟" سأل عمر، وقد استعدّ للدفاع عن نفسه.
"نحن هنا نيابةً عن السيد رضوان." قال الرجل الآخر، وقد ابتسم ابتسامةً شريرةً. "لقد سمعنا أنكم وجدتم شيئًا يخصه."
"ليس لديكم أي شيء يخصكم هنا." قال عمر، بحزمٍ.
"السيد رضوان يطلب منكم تسليم كل ما وجدتموه. وإلا..." هدد الرجل الأول، ثم أشار بيده إلى الخارج، حيث كانت تقف سيارةٌ سوداءٌ مظلمةٌ.
"وإلا ماذا؟" سألت ليلى، وقد خرجت من خلف عمر، وقد تغلبت على خوفها.
"وإلا ستواجهون عواقب وخيمة." قال الرجل الثاني، وقد اتجه نحو ليلى.
شعر عمر بالغضب الشديد. "لن أسمح لكما بتهديدها!" صرخ، ودفع الرجل الثاني بعيدًا.
بدأت مشاجرةٌ قصيرةٌ وعنيفةٌ. حاول الرجال اقتحام الشقة، لكن عمر دافع عنها ببسالةٍ. لحسن الحظ، لم يكن الرجال مسلحين، وكان عمر يتمتع بقوةٍ بدنيةٍ كبيرةٍ. بعد لحظاتٍ، تمكن عمر من دفعهم خارج الشقة، وأغلق الباب بإحكامٍ.
"هل أنتِ بخير يا ليلى؟" سأل عمر، وهو يلهث.
"نعم، أنا بخير. ولكن... لقد أصبح الأمر أكثر خطورةً مما كنتُ أتوقع." قالت ليلى، وقد شعرت بالخوف.
"لقد أكدوا لنا أننا على الطريق الصحيح. السيد رضوان لا يريدنا أن نكشف الحقيقة." قال عمر، وقد بدأت عيناه تشتعلان بالحقد. "سنكشف كل شيء، ولن نخاف منه."
في تلك اللحظة، أدركت ليلى أن أشباح الماضي لم تعد مجرد أشباحٍ، بل أصبحت تهديدًا حقيقيًا في حاضرهم. وأن رحلتهم نحو استعادة الحقّ، قد تحولت إلى معركةٍ مفتوحةٍ، معركةٍ تتطلب منهم شجاعةً لا حدود لها، وإيمانًا لا يتزعزع.