نصفي الآخر 161
وهج الشهوة الخفي
بقلم فاطمة النجار
كانت نسمة، يا لبني، ما زالت تئن تحت وطأة العزلة المفروضة. لم تكن مجرد عزلة جسدية، بل كانت سياجاً من الصمت فرضته هي على نفسها، جداراً سميكاً أقامته بينها وبين العالم، وبينها وبين نفسها أحياناً. كلما مرّ يومٌ دون أن ترى وجهه، دون أن تسمع صوته، دون أن تشعر بوجوده الذي أصبح كالهواء الذي تتنفسه، شعرت بثقلٍ أكبر يطبق على صدرها، وكأنّ الأرض تميد بها، وأنّ كلّ ما حولها يتلاشى.
تسللت يداها إلى جيب الثوب الذي ترتديه، أخرجت منه هاتفها الصغير، كان قد أصبح رفيقها الوحيد في هذه الوحدة القاتلة. لم تكن تدرك كم مرّة فتحت فيه صورته، كم مرّة استمعت إلى تسجيلات صوته التي باتت كنزي الثمين. كان في كلّ صورةٍ حديثٌ، وفي كلّ نبرةٍ صوتٍ ألفُ حكاية. كانت تتعثر بخطواتها في هذا الوهم الجميل، تستسلم لذّةً مرة، تتجرع كأساً من السمّ لا يبدو لها سمّاً، بل رحيقاً.
"أبي.. يا أبي، هل تسمعني؟" كانت تهمس لجهازها، وهي تتأمل صورةً لهما معاً في أحد أيام العيد، كان يبتسم ابتسامةً واسعة، وعيناه تلمعان بالفرح. هل كان ذلك الزمن بعيداً لهذه الدرجة؟ أين ذهب ذاك الأب الذي كان يرعاها بعينيه، والذي كان يفرش لها دروب الحياة بالورد؟ ها هي ذي، وحيدة، تائهة، تبحث عن ظلٍّ في صحراءٍ شاسعة.
كانت تتذكّر تلك اللحظة، لحظة إعلامها بخبر ابتعاده. اهتزّ كيانها، تبدّل لون وجهها، شعرت ببردٍ قارسٍ يسري في عروقها. لم يكن الأمر مجرد سفرٍ، بل كان رحيلاً، كان فراقاً، كان غياباً سيترك في قلبها فراغاً لن يملأه شيء. حاولت التظاهر بالقوة، حاولت أن تمنح نفسها جرعةً من الثقة، لكنّها كانت هشةً كزجاجٍ رقيق، وكلّ نسمةٍ من الحزن كانت كافيةً لتكسرها.
"ماذا فعلتُ بنفسي؟" سألت نفسها بضعف، وهي تضع الهاتف جانبًا. تنهدت بعمق، وشعرت بعينين تغرشان بالدموع. كانت تعلم أنّ هذا الطريق الذي تسلكه ليس صحيحاً، وأنّ هذه اللذة التي تتجرعها ليست إلا وهمًا، وسرعان ما ستتبدّد. لكنّها لم تكن تجد القوة الكافية للنهوض، لم تكن تجد الشجاعة الكافية لمواجهة الحقيقة.
في الأيام التي تلت إعلان خبر رحيله، كانت تحاول أن تشغل نفسها بأي شيء. قرأت الكتب، شاهدت الأفلام، تحدثت مع صديقاتها، لكنّ كلّ شيءٍ كان يبدو فارغاً، بلا معنى. كانت تشعر وكأنّها في عالمٍ آخر، عالمٌ لا تنتمي إليه. كانت تائهةً في دوامةٍ من المشاعر المتضاربة، حنينٌ مؤلم، شوقٌ لا ينتهي، وألمٌ عميقٌ في القلب.
في إحدى الليالي، وبينما كانت تتصفح الصور القديمة، توقفت عيناها عند صورةٍ لصغيرها، عمر. كان يمسك بيدها، وجهه ملطخٌ بالشوكولاتة، ويبتسم ابتسامةً بريئة. تذكرت كم كان متعلقًا بأبيه، كم كان يبكي حين يبتعد عنه. شعرت بلذعةٍ قاسيةٍ في قلبها. "لا يمكن أن أكون مثل أبي، لا يمكن أن أكون السبب في تعاسة طفلي."
انتفضت من مكانها، شعرت بمسؤوليةٍ كبيرةٍ تقع على عاتقها. لم تعد مجرد امرأةٍ تبحث عن حبٍّ مفقود، بل أصبحت أمّاً، أصبحت قدوةً لصغيرها. يجب أن تكون قوية، يجب أن تكون صلبة. هذا الهوس الذي استبدّ بها، هذا التعلق المرضي، يجب أن ينتهي.
لكنّ الأمر لم يكن بهذه السهولة. كانت الأيام تمرّ، وكان الشوق يزداد، وكان الفراغ يتسع. في كلّ لحظةٍ صمتٍ، كان صوته يعود ليتردد في أذنيها، وفي كلّ لحظةٍ وحشة، كانت صورتها تتراءى لها. كانت تحاول جاهدةً أن تتجاوز الأمر، أن تتناسى، لكنّ الذكريات كانت أقوى منها، كانت كالوحوش المفترسة تنهش قلبها.
في أحد الأيام، بينما كانت تتجول في السوق، رأت امرأةً تحمل طفلاً رضيعاً، كان وجهه هادئاً، وعيناه مغمضتان. شعرت بوخزةٍ مفاجئةٍ في قلبها، كأنّها تتذكر شيئاً نسيه. التفتت إلى يسارها، ورأت رجلاً مسناً يجلس على كرسيٍّ متحرك، كان وجهه شاحباً، وعيناه زائغتان. مرت صورٌ كثيرةٌ أمام عينيها، صورٌ لعائلتها، صورٌ لأحبابها، صورٌ لأشخاصٍ لم تعد تتذكر أسماءهم.
"لماذا كلّ هذا الألم؟" سألت نفسها بصوتٍ خافت. "لماذا كلّ هذه المعاناة؟" شعرت بأنّها في دوامةٍ من الحزن، وأنّها لن تخرج منها أبداً.
في تلك الليلة، لم تستطع أن تنام. ظلت مستيقظةً حتى الفجر، تتأمل سقف الغرفة، وتفكر في حياتها. كيف وصلت إلى هذا الحد؟ كيف سمحت لنفسها بأن تكون ضعيفةً لهذه الدرجة؟
"يجب أن أتغيّر," همست لنفسها. "يجب أن أستعيد حياتي."
لكنّ الطريق إلى التغيير لم يكن مفروشاً بالورود. كانت هناك عقباتٌ كثيرةٌ تقف في طريقها، كانت هناك رغباتٌ جامحةٌ تتصارع مع إرادتها. كانت تعرف أنّها في معركةٍ شرسة، معركةٌ ضدّ نفسها، ضدّ ماضيها، وضدّ المستقبل المجهول.
لم تكن تعلم ما الذي سيحدث، لكنّها كانت تعلم شيئاً واحداً: يجب أن تجد القوة، يجب أن تجد الشجاعة، لتواجه هذا الظلام الذي يحيط بها، ولتضيء شمعة الأمل في قلبها.
في صبيحة اليوم التالي، وقفت أمام المرآة. نظرت إلى انعكاسها، ورأت امرأةً منهكةً، لكنّها رأت في عينيها شرارةً من الإصرار. "لن أستسلم," قالت لنفسها بصوتٍ قوي. "لن أسمح لهذه المشاعر بأن تسيطر عليّ."
مدّت يدها، وفتحت النافذة. دخل الهواء النقي، وهبّت نسمةٌ باردةٌ على وجهها. شعرت بأنّها تتنفس من جديد، وأنّها تستعيد قوتها. كان هذا هو اليوم الأول، اليوم الأول في رحلةٍ طويلةٍ وشاقة، لكنّها كانت مستعدةً لخوضها، مستعدةً لمواجهة كلّ ما سيأتي.
لم تكن تعلم إن كانت ستنتصر، لكنّها كانت تعلم أنّها لن تتوقف عن المحاولة، وأنّها ستظلّ تقاوم، حتى تجد ضوء الأمل في نهاية النفق.