الفصل 6 / 25

نصفي الآخر 161

أسوار من عتاب

بقلم فاطمة النجار

تغلغل شعورٌ غريبٌ إلى قلبِ لبنى، مزيجٌ من الشوقِ والألمِ، كانَ أشبهَ بلظىً خفيةٍ تُشعلُ فتيلَ الذكرياتِ المؤلمة. كانَ أبوها، الرجلُ الذي طالما اعتمدتْ عليهِ في كُلِّ شيء، قد اختارَ طريقاً غيرَ طريقها، طريقاً فرّقَ بينهما، وأوحشَ أيامَها. كمْ اشتاقتْ إلى لمسةِ يديهِ الحانية، إلى نصائحهِ التي كانتْ كالدواءِ لأرواحِنا، إلى ضحكتهِ التي كانتْ تُنيرُ سماءَ حياتها.

جلستْ على مقعدٍ خشبيٍّ قديمٍ في حديقةِ المنزل، تتأملُ أوراقَ الشجرِ المتساقطة، كلُّ ورقةٍ تحملُ في طياتها قصةً، كلُّ ورقةٍ تحكي عنْ فصلٍ مضى. تذكرتْ الأيامَ التي كانَ فيها والدها يأخذها إلى هذهِ الحديقة، يعلمها أسماءَ الزهورِ، ويُشجعها على التقاطِ الفراشاتِ الملونة. كانتْ تلكَ الأيامُ جنةً، أما اليومَ، فصارتْ صحراءَ قاحلة.

"لماذا يا أبي؟" همستْ بصوتٍ مختنق، تتساءلُ عمّا دارَ في خلدهِ حينَ اتخذَ قرارهُ. هلْ كانتْ هناكَ أسبابٌ خفيةٌ، أمْ أنَّ الدنيا قدْ تقلبتْ بهِ رأساً على عقب؟ حاولتْ أنْ تتذكرَ أيَّ علامةٍ، أيَّ إشارةٍ، لكنَّ كلَّ شيءٍ كانَ يبدو طبيعياً، هادئاً، قبلَ العاصفة.

كانتْ العلاقةُ بينها وبينَ والدها، علاقةً خاصةً، فريدةً منْ نوعها. لمْ يكنْ مجردَ أب، بلْ كانَ صديقها، مرشدها، ملجأها. كلُّ مشاعرها، كلُّ آلامها، كلُّ أحلامها، كانتْ تتجهُ نحوهُ، تجدُ فيهِ الأمانَ والسكينة. واليومَ، هوَ الغائبُ الأكبر، هوَ الفراغُ الذي لا يُملأ.

تذكرتْ حديثاً دارَ بينهما قبلَ سفرهِ. كانَ يبدو متعباً، مهموماً. سألتهُ عنْ حالهِ، فأجابها بابتسامةٍ باهتة: "لا تقلقي يا ابنتي، كلُّ شيءٍ سيكونُ بخير." لمْ تفهمْ وقتها معنى كلماته، لكنَّ اليومَ، باتتْ تفهمُ أنَّ كلماته كانتْ تحملُ نبوءةً، نبوءةً بالابتعادِ والفراق.

شعرتْ بلبنى بغصةٍ في حلقها، وكأنَّ قلباً يمزقهُ السكين. لمْ تستطعْ أنْ تُسامحَ نفسها لعدمِ إصرارها على معرفةِ السبب. ربما لوْ فعلتْ، لكانَ الأمرُ مختلفاً. ربما لوْ تحدثتْ معه بصدقٍ، بجرأةٍ، لكانَ قدْ كشفَ لها كلَّ شيء.

"هلْ كنتُ مقصرةً؟" سألتْ نفسها، وأخذتْ تبحثُ عنْ إجاباتٍ في أروقةِ ذاكرتها. كانتْ دائماً تحاولُ أنْ تكونَ الابنةَ المثالية، الابنةَ التي يفخرُ بها. لكنَّ الأقدارَ دائماً تأتي بما لمْ نحتسب.

جاءتْ صديقتها، سارة، وجلستْ بجانبها. كانتْ سارةٌ، صديقةَ عمر، تعرفُ أسرارَ لبنى، وتفهمُ ما يجولُ في خاطرها. "ما بالكِ يا لبنى؟ تبدينَ شاردةً." قالتْ سارةٌ بنبرةٍ تحملُ القلق. ابتسمتْ لبنى ابتسامةً باهتة، وقالتْ: "لا شيء، مجردُ أفكارٍ قديمة." "الأفكارُ القديمةُ هيَ التي تثقلُ القلبَ يا صديقتي." قالتْ سارةٌ، وقربتْ منها يدها. "هلْ الأمرُ يتعلقُ بوالدكِ؟"

تنهدتْ لبنى، وبدأتْ تُحدثها عنْ مشاعرها، عنْ ألمها، عنْ عتابها. لمْ تبخلْ في وصفِ الفراغِ الذي تركهُ غيابهُ، وكيفَ أنَّ الحياةَ بدتْ بلا ألوان. "هو لمْ يرحلْ فحسب، بلْ أخذَ معه جزءاً مني." قالتْ لبنى، وعيناها تلمعانِ بالدموع. "لمْ أفهمْ أبداً لماذا فعلَ ذلك. هلْ أخطأتُ في حقهِ؟ هلْ كانَ هناكَ شيءٌ لمْ أنتبهْ إليه؟"

"حاولي أنْ لا تُلومي نفسكِ يا لبنى." قالتْ سارةٌ بحكمة. "أحياناً، يتخذُ الأهلُ قراراتٍ نجهلُ دوافعها، ونحنُ كأبناءٍ، علينا أنْ نحترمَ قراراتهم، حتى لوْ كانتْ مؤلمةً لنا." "لكنَّ الألمَ يفوقُ الاحترامَ أحياناً." قالتْ لبنى. "كيفَ لي أنْ أُسامحَ منْ سبّبَ لي كلَّ هذا العذاب؟"

"التسامحُ ليسَ للقويِّ فقط، بلْ هوَ للقادرِ على تجاوزِ الألم." قالتْ سارةٌ، وأخذتْ بيدها. "واللهُ تعالى يحبُّ المتسامحين. حاولي أنْ تبحثي عنْ السلامِ في داخلكِ، لا في كلماتِ الآخرين. والدكِ، مهما فعل، فهو والدكِ. وروابطُ الدمِ أقوى منْ كلِّ شيء."

استمعتْ لبنى لكلامِ صديقتها، وشعرتْ ببعضِ الارتياح. كانتْ سارةٌ دائماً مصدرَ قوتها، وملهمتها. "ربما أنتِ على حق." قالتْ لبنى. "ربما يجبُ أنْ أحاولَ فهمَ الأمرِ منْ منظورٍ آخر. ربما هناكَ قصةٌ خلفَ هذا القرار، قصةٌ لمْ أدركها."

"بالضبط." قالتْ سارةٌ. "والوقتُ هوَ المعالجُ الوحيد. معَ مرورِ الأيامِ، ستتكشفُ الأمورُ. فقطْ كوني صبورةً، وكُوني قويةً. ولا تدعي هذا الأمرِ يُفسدُ حياتكِ. لديكِ ولدٌ، ولدٌ يحتاجُ إلى أمٍّ قويةٍ، أمٍّ لا تستسلمُ للحزن."

تذكرتْ لبنى ابنها، عمر. شعرتْ بثقلِ مسؤوليتها تجاههُ. لمْ يكنْ منْ العدلِ أنْ يعيشَ طفلاً في ظلِّ حزنِ أمّه. "أشكركِ يا سارة." قالتْ لبنى، وبدأتْ ترتسمُ ابتسامةٌ حقيقيةٌ على وجهها. "لقدْ أعدتِ لي الأمل." "هذا واجبي يا حبيبتي." قالتْ سارةٌ، وعانقتها بحرارة. "ولنتذكر، أنَّ هناكَ دائماً باباً مفتوحاً، بابَ الدعاءِ. ادعي اللهَ أنْ يُلهمكِ الصبرَ، وأنْ يكشفَ لكِ الحقيقة."

في تلكَ الليلة، لمْ تعدْ لبنى تشعرُ بنفسِ الثقل. كانتْ لا تزالُ تتألم، لكنَّ الألمَ لمْ يعدْ ساحقاً. بدأتْ ترى بصيصَ نورٍ في نهايةِ النفق. بدأتْ تُدركُ أنَّ الغضبَ والعتابَ لنْ يُغيرا شيئاً، وأنَّ البحثَ عنْ السلامِ الداخليِّ هوَ الطريقُ الوحيدُ للخروجِ منْ هذهِ المحنة.

نامتْ لبنى تلكَ الليلةَ، وهيَ تحملُ في قلبها دعاءً صادقاً، ودعاءً لأبيها، ودعاءً لنفسها، ودعاءً بأنْ يُصلحَ اللهُ ما فسد. كانتْ تعلمُ أنَّ الطريقَ طويلٌ، لكنَّها كانتْ على استعدادٍ للسيرِ فيهِ، بخطواتٍ أثقلَ بالوعي، وأكثرَ نوراً بالإيمان.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%