الفصل 7 / 25

نصفي الآخر 161

ظلال الغياب

بقلم فاطمة النجار

كانَ غيابُه يتركُ أثراً لا يُمحى في كلِّ ركنٍ منْ أركانِ منزلِها. لمْ يكنْ مجردَ رجلٍ غائب، بلْ كانَ روحاً كانتْ تملأُ المكانَ دفئاً وحياة. كانتْ لبنى تتجولُ في الغرف، تشعرُ كأنَّ كلَّ شيءٍ يصرخُ باسمهِ، كأنَّ الأثاثَ نفسهُ يحنُّ إليه.

في غرفةِ المعيشة، كانَ الكرسيُّ الذي اعتادَ الجلوسَ عليهِ، ينتظرُ عودتهُ. كانتْ تراهُ جالساً عليهِ، يقرأُ جريدتهُ الصباحية، أو يُشاهدُ أخبارَ المساءِ. كانتْ تجلسُ مقابلهُ، تستمعُ إلى أحاديثهِ، وتُشاركهُ تفاصيلَ يومها. اليومَ، باتَ الكرسيُّ فارغاً، وصمتُ الغرفةِ ثقيلاً.

في المطبخ، كانتْ رائحةُ قهوتهِ الصباحيةِ لا تزالُ عالقةً في الأجواء. كانَ يُحبُّ قهوتهُ قويةً، سادةً، وكانَ دائماً ما يُعدُّ لها فنجاناً خاصاً، مُحلّىً بلمسةٍ منْ السكر. اليومَ، أصبحتْ القهوةُ مجردَ مشروبٍ بارد، يفتقرُ إلى نكهةِ الحبِّ والدفء.

في غرفةِ نومهما، كانتْ وسادتهُ لا تزالُ تحملُ أثراً خفيفاً منْ عطره. كانتْ تتأملهُ ليلاً، وتتمنى لوْ يعودُ الزمنُ إلى الوراءِ. كانتْ تعلمُ أنَّ الحنينَ لهُ ليسَ مجردَ شوقٍ عادي، بلْ هوَ حنينٌ لروحٍ كانتْ تُكملُ روحها، لقلبٍ كانَ ينبضُ معَ قلبها.

أخذتْ لبنى تتأملُ في صورِ عائلتها، صورٌ مُعلقةٌ على جدرانِ المنزل، كلُّ صورةٍ تحكي قصةً، كلُّ صورةٍ تُعيدُ لها ذكرياتٍ جميلة. كانتْ تتوقفُ أمامَ صورةٍ لها معَ والدها في يومِ زفافها. كانَ يمسكُ بيدها، ويبتسمُ ابتسامةَ فخرٍ وسعادة. تذكرتْ كلماتهِ لها في تلكَ الليلة: "كوني سعيدةً يا ابنتي، هذهِ هيَ أمنيتي الوحيدة."

هلْ حققتْ لهُ هذهِ الأمنية؟ هلْ هيَ سعيدةٌ الآن؟ شعرتْ بأنَّها ضلتْ طريقها، وأنَّ السعادةَ التي يبحثُ عنها الأبُ لابنتهِ، قدْ ضاعتْ في غياهبِ الحياة.

كانتْ تُفكرُ في قرارِ والدهِ، في اختفائهِ المفاجئ. هلْ كانَ هناكَ سببٌ وجيهٌ جعلهُ يفعلُ ذلك؟ هلْ كانَ يعتقدُ أنَّ ابتعادهُ سيُصلحُ شيئاً؟ كانتْ تُحاولُ أنْ تُفكرَ بمنطقيّة، لكنَّ قلبها كانَ يأبى أنْ يُبررَ ما فعلهُ.

في أحدِ الأيام، تلقّتْ رسالةً. كانتْ الرسالةُ منْ مصدرٍ غيرِ متوقع، منْ شخصٍ لمْ تسمعْ عنه منذُ سنوات. فتحتْ الرسالةَ، ورأتْ حروفاً غريبة، لغةً لمْ تفهمها. لكنَّ التوقيعَ كانَ مألوفاً، توقيعَ والدها.

شعرتْ بلبنى بالارتباك، ثمَّ بالفضول. كيفَ لرسالةٍ بلغةٍ غريبةٍ أنْ تكونَ منه؟ هلْ كانَ يتواصلُ معَ أشخاصٍ لا تعرفهم؟ هلْ كانَ يعيشُ حياةً أخرى لمْ تدركها؟

أخذتْ الرسالةَ إلى صديقتها سارة، التي كانتْ تُجيدُ اللغاتِ المختلفة. بعدَ وقتٍ قصير، عادتْ سارةٌ بوجهٍ مُتعب، وقالتْ: "هذهِ الرسالةُ منْ والدكِ، إنها بلغةٍ قديمة، لغةٌ نادرةٌ. وكلماتها تحملُ معانيَ عميقة."

"وماذا تقولُ؟" سألتْ لبنى بلهفة. "تقولُ فيها، يا لبنى، إنَّ هناكَ مسؤولياتٍ كبيرةً تقعُ على عاتقهِ، مسؤولياتٌ لا يُمكنهُ التخلي عنها. وتقولُ إنَّه مضطرٌ إلى البقاءِ بعيداً، حمايةً لكِ، ولسمعتِنا. كما أنَّه يُشكركِ على تفهمكِ، ويطلبُ منكِ أنْ تُحافظي على ابنهِ، عمر."

شعرتْ لبنى بأنَّ الأرضَ تميدُ بها. حمايةٌ؟ مسؤولياتٌ؟ ما كلُّ هذا؟ هلْ كانَ والدها متورطاً في شيءٍ خطير؟ "لكنَّ هذا لا يُفسرُ سببَ غيابهِ المفاجئ." قالتْ لبنى، وعيناها تلمعانِ بالدموع. "لماذا لمْ يخبرني أيَّ شيء؟"

"يبدو أنَّ الأمرَ أكبرُ مما نتخيلُ يا لبنى." قالتْ سارةٌ بحزن. "والدكِ يحاولُ حمايتكِ بطريقتهِ. هوَ يُدركُ أنَّ هذهِ المعلوماتِ قدْ تُشكلُ خطراً عليكِ."

في تلكَ اللحظة، أدركتْ لبنى أنَّ غيابَ والدها لمْ يكنْ مجردَ قرارٍ شخصي، بلْ كانَ لهُ أبعادٌ أعمق، أبعادٌ تتعلقُ بالأمنِ، وبالحماية. شعرتْ بأنَّها تقفُ على حافةِ هاوية، وأنَّ الحقيقةَ التي تبحثُ عنها قدْ تكونُ مُرعبةً.

عادتْ لبنى إلى منزلها، والرسالةُ في يدها. نظرتْ إلى صورةِ والدها، ورأتْ فيهِ رجلاً غامضاً، رجلاً لهُ أسرارٌ عميقة. شعرتْ بخليطٍ منْ الشفقةِ، والخوف، والحزن.

"أبي، ماذا فعلتَ؟" همستْ بصوتٍ مختنق. "لماذا تركتني في هذا الظلام؟" كانتْ تعلمُ أنَّها يجبُ أنْ تكونَ قويةً، وأنْ تُحافظَ على ابنها، وأنْ تُحاولَ فهمَ ما يحدث. لكنَّ قلبها كانَ مثقلاً بالحزن، وعقلها مُحاطاً بالشك.

نظرتْ إلى عمر، الذي كانَ يلعبُ في غرفتهِ، بعيداً عنْ همومِ عالمِ الكبار. شعرتْ بأنَّها يجبُ أنْ تُبقي هذهِ الأسرارَ بعيدةً عنه، وأنْ تُحميهِ منْ أيِّ خطرٍ قدْ يُهدده.

في تلكَ الليلة، لمْ تنمْ لبنى. ظلتْ مستيقظةً، تتأملُ الرسالةَ، وتُفكرُ في كلِّ الاحتمالات. شعرتْ بأنَّها دخلتْ عالماً جديداً، عالماً مليئاً بالغموضِ والخطر. لكنَّها كانتْ مُستعدةً لمواجهةِ هذا العالم، منْ أجلِ ابنها، ومنْ أجلِ حقيقةِ ما حدثَ لوالدها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%