الفصل 8 / 25

نصفي الآخر 161

نوافذ الماضي

بقلم فاطمة النجار

كانتْ لمياءُ، الابنةُ الصغرى لوالدِ لبنى، تعيشُ في ضواحيَ المدينةِ البعيدة، منفصلةً عنْ عالمِ عائلتها، غارقةً في عزلتها الخاصة. كانتْ حياتها، أشبهَ ببيتٍ مهجور، جدرانُهُ مُتشققة، وذكرياتُهُ مُبعثرة. لمْ تكنْ تملكُ الكثيرَ منْ الذكرياتِ الجميلةِ معَ أبيها، فقدْ كانَ دائماً غائباً، مُنشغلاً بأعمالهِ، بأسرارهِ.

تذكرتْ لمياءُ، حينَ كانتْ طفلةً صغيرة، حينَ كانَ أبيها يزورهم، نادراً ما يفعل. كانَ يأتي، يُعطيها هديةً، ويُغادرُ بسرعة، تاركاً وراءهُ رائحةَ عطرٍ غريبة، وعيناً تتسائلُ عنْ سرِّ غيابهِ الدائم. لمْ تكنْ تفهمُ لماذا كانَ هكذا، لكنَّها كانتْ تشعرُ بوجودِ فجوةٍ كبيرةٍ بينهما، فجوةٌ لمْ يستطعْ أحدٌ أنْ يسدها.

بعدَ وفاةِ والدتها، ازدادتْ وحدتها. أصبحتْ تعتمدُ على نفسها، تُدبرُ أمورَ حياتها بصعوبة. كانَ لها أشقاءٌ، لكنَّهم لمْ يكونوا قريبينَ منها. كلُّ واحدٍ منهم، كانَ يعيشُ في عالمهِ الخاص، بعيداً عنْ عذابِ الآخرين.

وصلتها رسالةٌ منْ لبنى، تُخبرها بقرارِ أبيها بالابتعاد. لمْ تشعرْ لمياءُ بالدهشةِ كثيراً، فقدْ كانتْ معتادةً على قراراتِ أبيها الغريبة. لكنَّها شعرتْ ببعضِ الحزنِ على أختها، التي كانتْ قريبةً جداً منْ أبيها.

"ربما هذا هوَ الطريقُ الصحيحُ بالنسبةِ لهُ." همستْ لمياءُ لنفسها، وهيَ تُقلبُ الرسالةَ في يدها. "هو دائماً ما كانَ يفعلُ ما يعتقدُ أنَّهُ الأفضل، حتى لوْ كانَ مؤلماً للآخرين."

قررتْ لمياءُ أنْ تزورَ لبنى. كانتْ تعلمُ أنَّها بحاجةٍ إلى الدعمِ، وأنَّها بحاجةٍ إلى منْ يُخففُ عنها. سافرتْ إلى المدينةِ التي تسكنُ فيها لبنى، حاملةً معها حقيبةً صغيرةً، وقلباً مُثقلاً بالذكريات.

عندما وصلتْ، وجدتْ لبنى في حالةٍ يرثى لها. كانتْ تبدو شاحبةً، مُتعبةً، وعيناها مملوءتانِ بالحزن. عناقتْها لمياءُ بحرارة، وشعرتْ بأنَّها تستعيدُ شيئاً منْ دفءِ العائلةِ الذي افتقدتهُ.

"أنا آسفةٌ يا لبنى،" قالتْ لمياءُ بصوتٍ هادئ. "أعلمُ أنَّ هذا صعبٌ عليكِ. لكنَّني هنا، بجانبكِ." "شكراً لكِ يا لمياءُ." قالتْ لبنى، وهيَ تُحاولُ أنْ تبتسم. "لمْ أكنْ أتوقعُ أنَّكِ ستأتينَ." "كيفَ لي أنْ لا آتي؟" قالتْ لمياءُ. "نحنُ أخوة، ويجبُ أنْ نكونَ معاً في الأوقاتِ الصعبة."

جلستْ لمياءُ معَ لبنى، وبدأتْ تُحدثها عنْ حياتها، عنْ وحدتها. اكتشفتْ لبنى أنَّ أختها الصغيرةَ كانتْ تعاني بصمتٍ، وأنَّها كانتْ تحتاجُ إلى حبٍّ ودعمٍ كبيرين. شعرتْ لبنى بالذنبِ لأنَّها لمْ تكنْ قريبةً منها، ولأنَّها سمحتْ لهذهِ الفجوةِ بأنْ تتسعَ بينهما.

"أبينا لمْ يكنْ سيئاً يا لبنى." قالتْ لمياءُ. "لكنَّهُ كانَ لديهِ أسرارٌ كثيرة. كانَ يحملُ هماً ثقيلاً، وكانَ يُحاولُ حمايةَ عائلتهِ بطريقتهِ الخاصة." "لكنَّ طريقةَ حمايتهِ كانتْ مؤلمةً جداً." قالتْ لبنى. "لقدْ تركنا وحيدينَ، مُتعذبين."

"نعم، أعرفُ ذلك." قالتْ لمياءُ. "لكنَّني أظنُّ أنَّهُ كانَ لديهِ سببٌ وجيه. سمعتُ همساتٍ، عنْ ديونٍ قديمة، عنْ مشاكلَ ماليةٍ كبيرة. ربما كانَ يُحاولُ أنْ يُصلحَ شيئاً، وأنْ يُعيدَ الأمورَ إلى نصابها."

بدأتْ لبنى تُفكرُ فيما قالتهُ لمياءُ. ربما كانتْ هناكَ حقائقُ خفيةٌ، لمْ تكنْ تراها. ربما كانَ والدها يُحاولُ حمايتها، بطريقةٍ لمْ تفهمها.

قضتْ لمياءُ معَ لبنى عدةَ أيام. خلالَ هذهِ الأيام، تعمقتْ علاقتهما، وشعرتا بأنَّهما بدأتا تستعيدانِ بعضَ دفءِ العائلةِ الذي افتقدتاهُ. حاولتْ لمياءُ أنْ تُشجعَ لبنى على البحثِ عنْ الحقيقة، وأنْ تُحاولَ فهمَ ما يدورُ في حياةِ أبيها.

"يجبُ أنْ نعرفَ ما الذي يحدثُ بالفعلِ يا لبنى." قالتْ لمياءُ. "لا يُمكننا أنْ نعيشَ في الظلامِ إلى الأبد. يجبُ أنْ نُحاولَ إيجادَ إجاباتٍ."

"لكنَّ كيفَ؟" سألتْ لبنى. "لا نعرفُ أينَ هوَ، ولا كيفَ نتواصلُ معه." "هناك طرقٌ،" قالتْ لمياءُ. "ربما هناكَ أوراقٌ تركها، ربما هناكَ أصدقاءٌ قدامى يُمكننا سؤالهم."

قررتْ لبنى أنْ تُحاولَ. شعرتْ بأنَّ الوقتَ قدْ حانَ لمواجهةِ الماضي، وللكشفِ عنْ الأسرارِ التي تُحيطُ بعائلةِ والدها. قررتْ أنْ تبدأَ بالبحثِ في أوراقه، في مكتبهِ القديم، علّها تجدُ شيئاً يُساعدها.

في اليومِ التالي، بدأتْ لبنى بفتحِ صناديقِ والدهِ القديمة، تبحثُ عنْ أيِّ دليلٍ، عنْ أيِّ خيطٍ يُمكنُ أنْ يُوصلها إلى الحقيقة. كانتْ مهمةً شاقةً، لكنَّها كانتْ مُستعدةً لخوضها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%