نصفي الآخر 161
ضيف غير متوقع وهموم متزايدة
بقلم فاطمة النجار
كانت نسمات المساء تحمل معها عبق الياسمين المتفتح في حديقة منزل العائلة، ممزوجة برائحة القهوة العربية الهادئة التي تتسرب من المطبخ. جلست فاطمة على الأريكة العتيقة في الصالة، تحتضن كوب شاي بالنعناع، وقلبها يتأرجح بين قلق وشوق. مرت أيام منذ آخر لقاء لها مع أحمد، أيام مليئة بالتفكير والتأمل، وفي الوقت ذاته، لم تفتأ تلوح في الأفق أحداث جديدة تهدد بتعكير صفو الأمان الذي بدأت تشعر به.
كانت والدتها، السيدة عائشة، دائمًا ما تحرص على الاجتماع العائلي في نهاية الأسبوع، وهي عادة استقرت عليها العائلة منذ زمن بعيد. تجمع الأبناء والأحفاد حول مائدة الطعام العامرة، وتتبادل الأحاديث، وتُحل المشكلات، وتُعزز الأواصر. لكن هذه المرة، كان هناك ظل خفي يخيم على الأجواء.
"يا ابنتي، هل تبدين شاردة الذهن هكذا في كل مرة؟" سألتها والدتها بابتسامة حانية، وهي تضع يدها على كتفها. "هل أزعجك شيء؟"
استيقظت فاطمة من شرودها، وقالت بصوت حاولت أن تجعله طبيعيًا: "لا يا أمي، فقط أفكر في بعض أمور العمل. هناك مشروع جديد يتطلب الكثير من التركيز."
لم تقتنع السيدة عائشة تمامًا، فعيناها الخبيرتان تريان ما وراء الكلمات. "العمل مهم، ولكن لا تدعي همومه تسرق منك راحتك. صحتك أغلى ما نملك."
ابتسمت فاطمة ابتسامة خجولة، وقالت: "حقًا، أنتِ الأدرى بحالي."
فجأة، سمع صوت طرق قوي على الباب الأمامي. نظر الجميع إلى بعضهم البعض باستغراب. لم يكن هذا وقت زيارات مفاجئة، خاصة في هذا الوقت المتأخر من المساء. ذهب أخوها الأصغر، خالد، ليفتح الباب.
وقف أمامه رجل طويل القامة، يرتدي ملابس رسمية أنيقة، وملامحه تبدو جادة. عرفته فاطمة فورًا. كان السيد عماد، أحد رجال الأعمال البارزين في المدينة، والذي كان لوالده علاقات عمل قديمة معه. كان ظهوره هنا غريبًا، خاصة وأنه نادرًا ما كان يزورهم.
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،" قال السيد عماد بصوت جهوري، بابتسامة رسمية. "هل تسمحون لي بالدخول؟ لدي أمر هام أود أن أتحدث فيه مع السيد أحمد."
كان أحمد، أخو فاطمة الأكبر، قد وصل لتوه إلى المنزل، وكان يستمع إلى الحديث من الداخل. تقدم بهدوء نحو الباب، وقال بلهجة ودية ولكن بحذر: "أهلًا بك يا عماد. تفضل بالدخول. ما الذي جاء بك في هذا الوقت؟"
دخل السيد عماد، وتبعه شبان أربعة آخرون، يبدو عليهم الوقار والقوة. كانت الأجواء في الصالة قد توترت قليلاً. جلست السيدة عائشة ومعها فاطمة وخالد، يراقبون الموقف بفضول وقلق.
بعد تقديم واجب الضيافة، بدأ السيد عماد حديثه، وكانت كلماته تحمل وزناً ثقيلاً. "أحمد، أعلم أنك رجل حكيم وتدرك أهمية العلاقات الطيبة بين العائلات، خاصة في مجتمعنا. علاقة والدي بوالدك كانت علاقة احترام وثقة، ولهذا أتيت إليك اليوم."
نظر أحمد إليه بتفهم، مشجعًا إياه على المضي قدمًا.
"كما تعلم، أنا أمتلك شركة كبيرة ومتنامية، وأبحث دائمًا عن فرص لتوسيع نطاق أعمالي، وربما عقد شراكات استراتيجية. سمعت مؤخرًا عن نجاح مشروعكم الجديد في مجال التطوير العقاري، وأعجبتني جدًا رؤيتكم وطموحكم."
بدأت فاطمة تشعر ببعض الراحة، ربما كان الأمر يتعلق بالعمل فقط. ولكن نظرة السيد عماد المباشرة نحوها جعلتها تشعر بتيار بارد يسري في عروقها.
"ولكن،" استأنف السيد عماد، "الأعمال ليست دائمًا عن الأرقام والصفقات. إنها أحيانًا عن بناء مستقبل، وعن توحيد جهود. لدي ابنة وحيدة، سارة، شابة ذكية ومميزة. كانت والدتها، رحمها الله، دائمًا تحلم بأن ترى ابنتها متزوجة من رجل صالح، يتمتع بالدين والخلق، وقادر على تحمل المسؤولية. ولقد سمعت الكثير عن أخلاقك الطيبة، وعن حرصك على أسرتك، وعن نجاحك في حياتك المهنية. لهذا، جئت اليوم لأطرح عليك اقتراحًا رسميًا."
كانت الكلمات تصدم فاطمة. كانت تعلم أن عائلة السيد عماد ميسورة الحال، وأن لابنته مكانة مرموقة، ولكن لم يخطر ببالها أبدًا أن يكون هذا هو سبب زيارته. نظرت إلى وجه أخيها، ورأت علامات الدهشة والارتباك بادية عليه.
"أريد أن أزوج ابنتي سارة لابنك أحمد،" قال السيد عماد بوضوح، ناظراً إلى أحمد مباشرة. "أعتقد أنها ستكون زيجة مباركة، تجمع بين عائلتين محترمتين، وتضمن مستقبلًا مشرقًا لكليكما."
صمت الجميع للحظة، يتبادلون النظرات. لم يكن أحد يتوقع هذا العرض المفاجئ. كان أحمد متزوجًا، ولديه ابنة صغيرة، لينا. كيف يمكن أن يقبل مثل هذا الاقتراح؟
تحدث أحمد بعد لحظة، بصوت هادئ ولكن قوي، يحمل شيئًا من الدهشة والحذر. "عماد، أشكرك جزيل الشكر على ثقتك الغالية، وعلى تقديرك لي. هذا شرف كبير لي ولعائلتي. ولكن، كما تعلم، أنا رجل متزوج، ولدي عائلة. لا أعتقد أن هذا الاقتراح يناسب وضعي الحالي."
ظهر على وجه السيد عماد شيء من الإحباط، ولكن سرعان ما استعاد رباطة جأشه. "أعلم ذلك يا أحمد. ولكن، لست وحدك من يملك الحق في اتخاذ القرارات. زوجتك، السيدة نورة، هل هي على علم بهذا؟ ربما يمكننا التحدث معها أيضًا. أرى أن هناك مجالًا للمزيد من النقاش، وأنا مستعد لتقديم كل ما يلزم لضمان سعادة الجميع."
شعرت فاطمة بقلبها يخفق بسرعة. كان اقتراح الزواج الثاني أمرًا معروفًا في بعض الثقافات، ولكنه كان دائمًا يتطلب حكمة وعدلًا كبيرين من الزوج، وهو أمر لم تكن متأكدة من قدرة أحمد عليه، خاصة بعد تجربة زواجه الأولى التي لم تكن سهلة.
"يا عماد،" قالت السيدة عائشة بصوتها الهادئ، الذي يحمل دائمًا وقارًا واحترامًا، "نحن نقدر مشاعرك ورغبتك في تقوية العلاقات. ولكن، أحمد ابني، هو رجل يلتزم بمسؤولياته. زوجته السيدة نورة، وابنتهما لينا، هما كل حياته. لا يمكن أن نتخذ قرارًا كهذا بهذه السرعة، ودون التشاور مع جميع الأطراف المعنية. وخاصة، لا يمكن أن نخوض في أمر كهذا دون أن يكون هناك قرار واضح بشأن وضع أحمد الحالي."
كانت كلماتها دقيقة، تشير إلى أن الأمر لم يعد متعلقًا بالرغبة في زواج ثانٍ، بل بضرورة وجود قاعدة شرعية لذلك، وهي الطلاق أو وفاة الزوجة الأولى، أو موافقة الزوجة الأولى الصريحة والكاملة، وهو ما لم يكن مطروحًا.
نظر السيد عماد إلى أحمد مرة أخرى، وقال: "حسنًا، أفهم. ولكني أريد أن أؤكد لك، أني مهتم جدًا بهذه الزيجة. ولدي استعداد تام لتقديم كل التسهيلات الممكنة. ربما تحتاج إلى بعض الوقت للتفكير. سأكون في انتظار ردك، وسأترك أرقام هاتفي. أتمنى أن تجدوا في هذا العرض ما يسركم."
نهض السيد عماد وشبانه، وتم وداعهم بتعابير رسمية. ومع إغلاق الباب، عادت الصالة إلى الصمت، ولكنها كانت صمتًا محملاً بالأسئلة والهموم.
نظرت فاطمة إلى أحمد، ورأت على وجهه خليطًا من الانزعاج والتفكير العميق. كان هذا الأمر يزيد من تعقيد الأمور. فمن ناحية، كانت عائلة السيد عماد ذات نفوذ كبير، وكان لديهم مصلحة واضحة في هذه الزيجة. ومن ناحية أخرى، كان هذا يعني أن أي خطوة نحو التقرب من السيدة نورة، زوجة أحمد، قد تتأثر بشكل مباشر بهذا العرض.
"أحمد،" قالت والدتها بصوت متعب، "ماذا سنفعل؟ هذا وضع لا نحسد عليه."
أجاب أحمد بأسى: "لا أعرف يا أمي. لم أكن أتوقع هذا أبدًا. سأحتاج إلى التفكير مليًا. السيدة نورة، وابنتي لينا، هما أهم شيء بالنسبة لي. وأنا لن أتخذ أي قرار يضر بهما، أو يخل بأي مسؤولية لدي."
نظرت فاطمة إلى أخيها، وشعرت بعبء ثقيل يضاف إلى همومها. هل يمكن لعلاقتها بأحمد أن تستمر في ظل هذه الظروف؟ هل سيسمح الوضع الجديد باقترابها منه، أم سيصبح الأمر أكثر استحالة؟ كانت تعلم أن هذا الاقتراح، رغم أنه لا يتعلق بها بشكل مباشر، إلا أنه يلقي بظلاله على مستقبلها أيضًا، ومستقبل أي فرصة قد تكون لديها مع أحمد.
ابتسمت والدتها ابتسامة باهتة، وقالت: "الله المستعان. ما قدره الله لنا، فهو خير. ولكن يجب علينا أن نكون حكيمين في قراراتنا، وأن نستخير الله في كل خطوة."
جلست فاطمة مرة أخرى، تشعر بأن الأمواج تتلاطم حولها، وأن طريق المستقبل أصبح أكثر غموضًا. لم يعد الأمر مجرد مشاعر تتنامى، بل أصبح يواجه تحديات خارجية كبيرة، تهدد بإبعادها عن عالم أحمد، أو ربما، بإبعاده عنها.