حب الأبرار 162
شفقٌ على رمالٍ خالدة
بقلم ليلى الأحمد
تلاشت الشمس، تاركةً خلفها سماءً برتقاليةً حمراء، كسرتها ظلالٌ طويلةٌ تمتدّ كأصابعٍ حزينةٍ فوق رمال الصحراء الذهبية. كان النسيمُ عليلًا، يحملُ معه همسَ الأساطيرِ القديمةِ وعبقَ الخزامى البري. في قلبِ هذا الامتدادِ الشاسع، حيثُ لا يحدُّ إلا الأفقُ البعيد، كانت تقفُ "ليلى"، كتمثالٍ صامتٍ محفورٍ في ذاكرةِ المكان. عيناها، بلونِ العسلِ المصفى، تراقبانِ الأفقَ بثباتٍ لا يخلو من حلمٍ دفين. شعرُها الأسودُ، الذي ينسدلُ كشلالٍ حالكٍ على كتفيها، يتراقصُ مع كلِ هبةِ ريح، وكأنهُ يشاركُها قصائدَ الوحدة.
لم تكن ليلى مجردَ فتاةٍ عاشتْ على هامشِ الحياة، بل كانت روحًا تتوقُ إلى ما وراءَ حدودِ الزمان والمكان. ترعرعتْ في كنفِ عائلةٍ كريمة، أسستْ قواعدَها على مبادئَ أخلاقيةٍ رفيعةٍ وقيمٍ إسلاميةٍ أصيلة. كان والدها، الشيخُ "سليمان"، شيخَ قبيلةٍ عريقة، ذا صوتٍ جهوريٍّ وقلبٍ رحب. أما والدتها، السيدةُ "نورة"، فكانتْ كالنجمةِ الهادية، تضيءُ دروبَ العائلةِ بحكمتها ورقتها. لكنّ ما كان يميزُ ليلى هو شغفُها بالكتبِ والمعرفة. قضتْ ساعاتٍ طويلةً بينَ رفوفِ مكتبةِ والدها، تتنقلُ بينَ صفحاتِ التاريخِ والشعرِ والفلسفة، تغذي روحَها المتعطشةَ للحكمة.
في هذا المساء، جلستْ على صخرةٍ مرتفعة، تراقبُ رحلةَ الشمسِ الأخيرة. لم يكنْ جلوسُها مجردَ تأملٍ في جمالِ الطبيعة، بل كانَ لقاءً روحيًا بعيدًا، لقاءً مع الذكرى. اليوم، كانَ الذكرى السنويةُ لرحيلِ جدتها، التي كانتْ نبراسَ حياتها. جدتها، السيدةُ "فاطمة"، كانتْ امرأةً صالحةً، تفيضُ بالحنانِ والعلم. كانتْ تحكي لليلى قصصَ الأنبياءِ والصالحين، وتعلمُها كيفَ تميزُ بينَ الحقِ والباطل، وبينَ الخيرِ والشر.
تنهدتْ ليلى بعمق، وأغلقتْ عينيها. استحضرتْ وجهَ جدتها الوضاء، ابتسامتها الهادئة، ونظراتِها المليئةِ بالحب. "يا جدتي"، همستْ ليلى بصوتٍ متهدج، "هل تسمعينَ نداءَ قلبي؟ هل ترينَ ظمأَ روحي؟"
فجأةً، قطعَ صمتَ الصحراءِ صوتُ صهيلٍ قوي. التفتتْ ليلى، فوجدتْ فارسًا مقبلًا على صهوةِ جوادٍ أبيضَ أصيل. كانَ لباسُه بسيطًا، لكنّهُ يعكسُ أناقةً ورزانة. غطى قماشٌ أبيضُ وجهَه، لا يظهرُ منهُ سوى عينانِ ثاقبتانِ، كأنهما تبحثانِ عن شيءٍ مفقود. بدا وكأنّهُ قادمٌ من عالمٍ آخر، عالمٍ من الشرفِ والبسالة.
اقتربَ الفارسُ منها ببطء، ثمّ توقفَ على مسافةٍ آمنة. لم يتكلم، لكنّ صمتَه كانَ أبلغَ من ألفِ كلمة. شعرتْ ليلى بنبضاتِ قلبها تتسارع، مزيجٌ من الخوفِ والفضول. لم يعتدْ أهلُ هذهِ المنطقةِ رؤيةَ غرباءٍ في هذهِ الساعةِ المتأخرة.
"السلامُ عليكم أيها الغريب"، قالتْ ليلى بصوتٍ واثق، رغمَ رجفةٍ خفيفةٍ تسللتْ إلى أطرافِها.
رفعَ الفارسُ رأسَه، ونظرَ إليها. كانَ في عينيهِ بريقٌ غريب، مزيجٌ من الحزنِ والأمل. "وعليكم السلامُ ورحمةُ الله وبركاته"، أجابَ بصوتٍ عميقٍ ورخيم، يحملُ لكنةً لم تسمعْها ليلى من قبل. "لقد ضللتُ الطريقَ، وأخشى أنْ أكونَ قد أزعجتُكِ".
"لا عليك"، ردتْ ليلى، محاولةً استجماعَ هدوئها. "الصحراءُ واسعةٌ، ومنَ الطبيعيّ أنْ يضلَّ المرءُ طريقه. هل تحتاجُ إلى مساعدة؟"
"الحقيقةُ نعم"، قالَ الفارس، مشيرًا بيدِه نحو الأفق. "أبحثُ عن قريةٍ قريبة، قيلَ لي إنّ بها شيخًا حكيمًا يعرفُ طريقَ الديارِ المقدسة."
شعرتْ ليلى بشيءٍ من الارتباك. لم يكنْ هذا الوصفُ مطابقًا لأيِّ قريةٍ تعرفُها. كانتْ قريتهم، "وادي النخيل"، معروفةً بكرمِ أهلها وبساطةِ حياتهم، لكنّ الحديثَ عنِ الديارِ المقدسةِ والطريقِ إليها كانَ غريبًا في سياقِ لقاءٍ عابر. "نحنُ نقتربُ من قريةِ وادي النخيل"، قالتْ ليلى، "وسبيلُها معروفٌ ويسير. لكنّي لم أسمعْ قطُّ بوجودِ شيخٍ يعرفُ طريقَ الديارِ المقدسةِ هنا."
ابتسمَ الفارسُ ابتسامةً خفيفة، ظهرتْ آثارُها في زوايا عينيه. "ربما لم يكنِ الوصفُ دقيقًا. لكنّي أشعرُ أنّ هدايةً ما تقودني إلى هنا."
نظرتْ ليلى إليهِ مليًا. كانَ هناكَ شيءٌ في طريقةِ كلامِه، في هدوءِ وقفته، يشدّها إليه. بدا وكأنّهُ يحملُ سرًا عميقًا، أو ربما كانَ هو نفسه لغزًا يتجسدُ أمامَها.
"إنْ كانَ قصدُكَ طريقَ الحجّ، فذلكَ مسارٌ قديمٌ نسيهُ الكثيرون"، قالتْ ليلى، تتذكرُ بعضَ القصصِ التي سمعتها من جدتها عنْ رحلاتِ الحجّ القديمة. "لكنّي لم أعدْ أسمعُ عنْ أحدٍ يسلكُه."
"ربما أنتِ الوحيدةُ التي تذكرينَ"، قالَ الفارس، وعيناهُ تلتقيانِ بعينيها. شعرتْ ليلى بأنّ الوقتَ توقفَ، وأنّ العالمَ اختزلَ في هذهِ اللحظة. لم يكنْ مجردَ لقاءٍ عابر، بل كانَ بدايةَ قصةٍ لم تُكتبْ بعد.
"اسمي زين"، قالَ الفارس، مدّ يدهُ نحوها. ترددتْ ليلى قليلاً، ثمّ مدّتْ يدها لمصافحته. كانتْ يدهُ قويةً ودافئة، تحملُ خشونةَ العملِ والصلابة. "ولي اسمي ليلى".
"ليلى"، رددَ زين، وكأنّهُ يذوقُ الاسمَ. "اسمٌ يشبهُ هذا الشفقَ الساحر."
شعرتْ ليلى بخدّيها يوردان. لم تعتدْ المجاملاتِ السريعة، خاصةً من غرباء. لكنّ كلماتِ زين لم تكنْ مجردَ مجاملة، بل كانتْ تحملُ شيئًا أعمق.
"علينا أنْ نتحركَ قبلَ أنْ يحلَّ الظلامُ تمامًا"، قالتْ ليلى، محاولةً كسرَ سحرِ اللحظة. "وادي النخيلُ ليسَ ببعيد."
"نعم، بالطبع"، قالَ زين، وصوتهُ يعودُ إلى رصانتهِ الأولى. "أشكرُكِ على كرمِكِ".
بدأتْ ليلى تقودُ الطريق، وزين يتبعُها على جواده. كانَ الصمتُ يسودُ بينهما، لكنّهُ لم يكنْ صمتًا مملًا، بل كانَ صمتًا مليئًا بالأسئلةِ غيرِ المعلنة. بينما كانوا يسيرون، كانتْ ليلى تفكّرُ في هذا الرجلِ الغامض. من أينَ أتى؟ وما هو سرُّ بحثِه عنْ طريقِ الديارِ المقدسة؟ وهل هناكَ علاقةٌ بينَ مجيئِه وبينَ ما تشعرُ بهِ روحُها من شوقٍ وحنين؟
وصلوا إلى أطرافِ القريةِ معَ بزوغِ أولِ نجمة. كانَ نورُ مصابيحَ الفوانيسِ الخافتةِ يلوحُ من بعيد، يبشرُ بالدفءِ والأمان. كانتْ بيوتُ القريةِ مبنيةً من الطينِ والجريد، متراصةً حولَ ساحةٍ واسعةٍ تتوسطُها نخلةٌ باسقة.
"هنا، يا زين، هي قريةُ وادي النخيل"، قالتْ ليلى، مشيرةً بيدها. "هنا ستجدُ الراحةَ والطعامَ والمأوى. وسيُسعدُ والدي، الشيخُ سليمان، بلقائك. إنّهُ كريمٌ ويحبُّ مساعدةَ كلِ غريب."
نظرَ زينُ إليها، وفي عينيهِ امتنانٌ عميق. "شكرًا لكِ، ليلى. لقد أنقذتِني من ليلٍ طويلٍ ووحيد."
"لا شكرَ على واجب"، ردتْ ليلى بابتسامةٍ دافئة. "أهلُ وادي النخيلِ لا يردونَ غريبًا."
توقفَ زينُ عنْ جواده، وأشارَ إلى بابِ أحدِ البيوتِ المجاورة. "هل لي أنْ أطلبَ منكِ شيئًا آخر؟"
"تفضل"، قالتْ ليلى.
"هل تستطيعينَ أنْ تدليني على مكانٍ لأرتاحَ فيهِ هذهِ الليلة؟" سألَ زين. "لستُ أرغبُ في إثقالِ كاهلِ والديِكِ إذا لم يكنْ لديهما استعدادٌ لاستقبالي."
نظرتْ ليلى إلى زين، وأدركتْ أنّهُ رغمَ مظهرهِ القويّ، كانَ هناكَ جانبٌ من التواضعِ والحذرِ لديه. "لا تقلقْ بشأنِ والديّ"، قالتْ ليلى. "إنّهما كريمانِ جدًا. لكنّي أعرفُ مكانًا أكثرَ هدوءًا، إنْ كنتَ تفضلُ ذلك. بيتُ جدي القديم، لم يعدْ يسكنُه أحدٌ منذُ وفاتها. لكنّهُ نظيفٌ وآمن."
"هذا سيكونُ مثاليًا"، قالَ زين، وابتسامةٌ خفيفةٌ ارتسمتْ على شفتيه.
قادتْ ليلى زينَ إلى بيتِ جدتها. كانَ المكانُ مهجورًا، لكنّهُ لم يفقدْ سحرهُ القديم. أضاءتْ ليلى مصباحًا زيتياً، وانتشرَ نورُهُ الخافتُ في أرجاءِ البيت، كاشفًا عنِ أثاثٍ قديمٍ وعبقِ الذكريات.
"هنا، ستجدُ كلَّ ما تحتاجُ إليه"، قالتْ ليلى. "سأحضرُ لكَ طعامًا وماءً. وإنْ احتجتَ شيئًا آخر، فلا تترددْ في إرسالِ أحدٍ لي."
"شكرًا لكِ مرةً أخرى، ليلى"، قالَ زين، ينظرُ إليها بامتنانٍ صادق. "أنتِ نورٌ في هذهِ الظلمة."
ابتسمتْ ليلى، ولم تعرفْ لماذا شعرتْ بأنّ هذهِ الكلماتِ كانتْ موجهةً إليها بشكلٍ شخصيٍّ جدًا. غادرتْ البيتَ، وتركتْ زينَ وحيدًا معَ أفكارِه. بينما كانتْ تعودُ إلى بيتها، كانَ عقلُها يعجُّ بالأسئلة. من هو زين؟ وماذا يخفي؟ ولماذا تشعرُ بأنّ هذا اللقاءَ ليسَ مجردَ مصادفة؟ كانَ شفقُ السماءِ قد تلاشى تمامًا، لكنّ شفقًا جديدًا، مليئًا بالغموضِ والتشويق، كانَ قد بدأَ بالبزوغِ في قلبِ ليلى.