حب الأبرار 162
لغز الخيانة وحقيقة المشاعر
بقلم ليلى الأحمد
قررت أمينة أن تواجه مصطفى، الموظف الذي اتهم بتسريب معلومات الشركة. كان قراراً جريئاً، ولكنه نابع من رغبة في كشف الحقيقة، ومن دعم أحمد في محنته. بعد أن انتهى أحمد من مكالماته الهاتفية، وجد أمينة تبتسم له ابتسامة مشجعة.
"سأذهب إليه الآن"، قالت أمينة. "هل أنتِ متأكدة؟" سأل أحمد، ولا يزال قلقه واضحاً على وجهه. "يمكنني أن أرسل أحداً من الأمن." "لا. أريد أن أفعل هذا بنفسي. ربما يكون خائفاً، أو يحتاج إلى من يسمعه. سأحاول أن أكون هادئة، وأن أتحدث معه بعقل."
خرجت أمينة من مكتب أحمد، وقلبها يخفق بشدة. شعرت وكأنها تسير نحو منطقة مجهولة. كانت تعلم أن مواجهة شخص متهم بالخيانة ليست بالأمر الهين. ولكنها تذكرت كلام والدها، عن قوة الدعم المعنوي، وعن ضرورة الصبر.
توجهت إلى قسم المشتريات، حيث كان مصطفى يعمل. كان المكتب هادئاً، إلا من صوت المروحة التي كانت تدور ببطء. وجدت مصطفى جالساً على مكتبه، ينظر إلى الأوراق أمامه بعينين زائغتين. كان يبدو شاحب الوجه، وكأن وزناً ثقيلاً يخيم على روحه.
"السلام عليكم يا أستاذ مصطفى"، قالت أمينة بصوت هادئ، وهي تقترب منه. رفع مصطفى رأسه، وبدا عليه الذهول لرؤيتها. "آه... أستاذة أمينة؟ كيف...؟" "جئت لأتحدث معك"، قالت وهي تجلس على كرسي مجاور له. "في أمر مهم."
نظر إليها بعينين متسائلتين، ثم أومأ برأسه. "تفضلي." "أعلم أن الوضع صعب يا أستاذ مصطفى"، بدأت أمينة. "وأن أحمد يشعر بخيبة أمل كبيرة. ولكننا نريد أن نفهم." "تفهمون ماذا؟" سأل مصطفى بصوت ضعيف. "لماذا فعلت ذلك؟"
صمت مصطفى، وبدا وكأنه يتصارع مع نفسه. كانت عيناه تلمعان بشيء من الندم، وشيء آخر من الخوف. "لم يكن لدي خيار آخر"، قال أخيراً، وصوته يكاد يكون همساً. "ليس لديك خيار آخر؟" كررت أمينة. "هل يعقل أن تدمر سمعة رجل، وتتسبب في خسائر كبيرة، لمجرد أنك لم يكن لديك خيار؟"
"لقد... لقد تعرضت لضغوطات." قال مصطفى، وبدأت دموعه تتساقط على خديه. "لقد هددوني. هددوا عائلتي." "من هددك؟" سألت أمينة، وشعرت بأنها تقترب من الحقيقة. "لا أستطيع أن أقول. إنهم... إنهم أشخاص لا يريدون أن يعرفهم أحد. لقد أرغموني على تسريب المعلومات. وإلا... وإلا كانوا سيفعلون بأبنائي ما لا يمكن تخيله."
"ومن هم هؤلاء الأشخاص؟" استمرت أمينة في التحقيق، وقلبها ينبض بالفضول والقلق. "هل تعرف أسماءهم؟" "لا... لا أعرف. كانوا يتواصلون معي عبر الإنترنت، باستخدام أسماء مستعارة. وكانوا يرسلون لي تعليماتهم. كنت خائفاً جداً."
"ولكنك تعلم يا أستاذ مصطفى، أن هذا ليس عذراً. الخيانة جريمة. وأنك تسببت في ضرر كبير لأحمد، وللشركة." "أعلم، أعلم. وأنا نادم، ندم شديد. ولكنني كنت محاصراً."
بدأت أمينة تشعر بشيء من الشفقة تجاه مصطفى، ولكنها لم تنسَ الظلم الذي لحق بأحمد. "ماذا فعلت بالمال الذي حصلت عليه؟" سألت. "لم أحصل على مال. لقد كانوا يطلبون مني فقط تنفيذ الأوامر. يبدو أن هدفهم كان إلحاق الضرر بأحمد. ربما هناك شخص ما لا يريده أن ينجح."
"من يمكن أن يكون هذا الشخص؟" سألت أمينة، وعقلها يبدأ في ترتيب قطع اللغز. "لا أعرف. ولكنهم ذكروا اسم رجل أعمال منافس لأحمد. اسمه... اسمه هشام."
"هشام؟" كررت أمينة الاسم. "رجل الأعمال المنافس؟" "نعم. يبدو أنه كان يراقب أحمد لفترة طويلة. وكان يريد أن يراه يسقط."
فهمت أمينة الآن. لم يكن الأمر مجرد تسريب معلومات عشوائي، بل كان هجوماً منظماً. "شكراً لك يا أستاذ مصطفى"، قالت أمينة. "لقد أساعدتني كثيراً." "هل... هل سيتم معاقبتي؟" سأل مصطفى بتردد. "هذا أمر يعود لأحمد، وللقانون. ولكنني أتمنى أن تجد القوة لتبدأ من جديد، وأن تتحمل مسؤولية أفعالك."
تركت أمينة مصطفى، وعادت مسرعة إلى مكتب أحمد. وجدته ينتظرها بقلق. "ماذا حدث؟" سأل أحمد فور رؤيتها. "لقد تحدثت معه"، قالت أمينة. "واتضح أنه كان مهدداً. وأن هناك شخصاً وراء هذا كله."
شرحت أمينة لأحمد كل ما سمعته من مصطفى. عن التهديدات، وعن اسم هشام. "هشام؟" قال أحمد بغضب. "ذلك الرجل كان دائماً يحاول أن يعرقل أعمالي. ولكنني لم أكن أتخيل أنه يصل إلى هذا الحد." "يبدو أننا نواجه عدواً خطيراً يا أحمد."
"ليس خطيراً بما يكفي لكسرنا"، قال أحمد، وعينيه تلمعان بالتحدي. "علينا أن نواجهه. يجب أن نحصل على دليل ضده." "وكيف سنفعل ذلك؟" "مصطفى قال إنهم كانوا يتواصلون عبر الإنترنت. ربما هناك سجلات. يمكننا محاولة اختراق حسابه، أو استعادة بعض الرسائل."
"ولكن هذا قد يكون صعباً، وغير قانوني." "لدينا محامون جيدون، يا أمينة. ربما يمكنهم مساعدتنا في الحصول على أمر قضائي. أو ربما يمكننا إيجاد طريقة أخرى." "لا تقلق يا أحمد"، قالت أمينة، وهي تمسك بيده. "سنجد طريقة. أنا معك."
ابتسم أحمد ابتسامة ضعيفة، ولكنه شعر بأن القوة تعود إليه. لقد كشفت أمينة، بشجاعتها وذكائها، جزءاً من الحقيقة. لقد أصبح لديهما الآن هدف واضح. ليس فقط معاقبة الخائن، بل كشف المتآمر.